"يا ماما ما بنزل إلا بفستان حرير"... فساتين بيضاء للأيام السوداء

الأربعاء 1 سبتمبر 202101:24 م

فلاش باك بالألوان

 عندما أعود إلى صور طفولتي المبكرة أجد نفسي وقد عدت إلى علية بيت جدي لأمي: الباب واطئ ذو مقبض مكسور. أفتحه وأتسلل إلى العالم السحري: عليةٌ كبيرة بسقف منخفض، ممتلئةٌ بخليط عجيب من الأغراض. على يمين الباب شباكٌ صغير تنفذ منه أشعة الشمس. في العمق المظلم قطع أثاث خرجت عن الخدمة، أمامها مطربانات كبيرة محكمة الإغلاق مليئة بالمؤن. أمام الباب يعلّق جدي بدلة تربية النحل البيضاء العملاقة خاصته، الأشبه بزيّ رواد الفضاء، قربها تستريح بضع خلايا نحل خشبية فارغة.

أما أسفل الشباك، فقد اعتادت جدتي جميلة أن تضع الأقمشة والكلف والأزرار والسحابات التي تزيد عن فساتين زبوناتها أو قطع الثياب التي تخيطها لنا، كونها كانت من أمهر خياطات زمانها. كومة الأقمشة تلك كانت عالية بشكلٍ كافٍ بالنسبة إلى طفلة بطول 100 سم كي تطفو بين قطع المخمل والساتان والـ "جورجيت" والدانتيل والـ "تول" والـ "أوركانزا".

أدخل العلية بحذر دون أن أصدر أية ضجة، وأتوجه نحو ركني المفضل أسفل الشبّاك، أتفرج بدهشة على الأقمشة الجميلة، وأبحث عن قطع صغيرة بينها كي أخيط منها ثياباً للعبي الصغيرة. يعبق أنفي برائحة لا يمكن نسيانها: مزيج من رائحة رطوبة معشقة بالغبار والشمس، والأقمشة وأوراق الـ "بوردا" ورائحة زيت ماكينات الخياطة.

"سوق العرايس" هو سوق شعبي أثري في دمشق القديمة، ويختص ببيع فساتين الأعراس وأكسسواراتها وكل ما قد يلزم العروس في ليلة زفافها. يحيط به "سوق الخياطين" الذي كان في زمن مضى يحتوي على دكاكين لشيوخ كار مهنة الخياطة الرجالية التقليدية

يناديني صوت أمي من بعيد: "انزلي من عالسقيفة هلا بيطلعولك الفيران". أنهض من بين الأقمشة، أغلق الباب خلفي وأنا أتخيل فأرة كبيرة عجوز تخيط ملابس ملونة لحفيداتها الفأرات الصغيرات. أنزل الدرج ببطء، وقد علقت على ثيابي ذرات من الغبار مختلطةً بـ "البرّيق".

حاضر بالأبيض والأسود

و"سوق العرايس" هو سوق شعبي أثري يتفرع عن سوق الحميدية في دمشق القديمة، ويختص ببيع فساتين الأعراس وأكسسواراتها وكل ما قد يلزم العروس في ليلة زفافها. يحيط به "سوق الخياطين" الذي كان في زمن مضى يحتوي على دكاكين لشيوخ كار مهنة الخياطة الرجالية التقليدية، و"سوق الجمرك" المختص ببيع الأقمشة، و"خان الحرير" المختص ببيع الكلف والأزرار والخرز.

يسمى أيضاً ب "سوق القيشاني" نسبةً إلى كونه قد كان حماماً اسمه "حمام القيشاني"، تم إنشاؤه في عهد الوالي العثماني درويش باشا، في النصف الثاني من القرن السادس عشر ميلادي، وقد أعطي اسمه نسبة إلى ألواح الخزف القيشاني التي غطت جدرانه وقتها.

في بداية القرن العشرين، تم تحويل الحمام إلى السوق الذي هو عليه اليوم، بعد أن تعرض للحريق والإهمال.

يبدو أن في قصة حياة حجارة هذا المكان ما بين الحمام الشعبي وسوق العرايس، قرونٌ من الاحتفاء بالجسد، بمعنى آخر الاحتفاء بالجنس وطقوسه وقدسيته.

تصطف الدكاكين الصغيرة على جانبي السوق الأثري، حيث يعرض التجار بضائعهم، وأبرزها فستان العرس الأبيض. هذه البضائع في معظمها مصنعة محلياً على يد عمال وعاملات يعملون في ورشات موجودة في الأقسام الداخلية من السوق، أو في ورشات بعيدة.

كان من الصعب أن أحظى بحديث مع أحد أصحاب الورشات أو مع أحد العاملين فيها. فمعظم من قابلتهم بدوا متحفظين بشأن الحديث. عرفت بعد ذلك أن معظم العاملين -العاملات بشكل أخص- في هذه الورش هم غير مسجلين في سجلات الدولة أو في التأمينات الاجتماعية، بهدف تقليل الضرائب إلى الحد الأقصى والتحكم بظروف العمل وشروطه. وبما أنهم غير مسجلين فهم بالتالي دون حقوق، دون صوت.

يسمى سوق العرايس أيضاً بـ"سوق القيشاني" نسبةً إلى كونه قد كان حماماً اسمه "حمام القيشاني"، تم إنشاؤه في النصف الثاني من القرن السادس عشر ميلادي، وقد أعطي اسمه نسبة إلى ألواح الخزف القيشاني التي غطت جدرانه وقتها

بعد بحث طويل التقيت بالسيد فيصل الزين، صاحب ورشة لخياطة فساتين الزفاف، وصالة بيع يعرض فيها الفساتين. يعمل معه في الورشة حوالي تسعة عاملين وعاملات، منهم ابنه الأكبر الذي يتدرب كي يستلم الإدارة.

افتتح فيصل الزين ورشته منذ حوالي ثلاثين عاماً أي في بداية التسعينيات. يتحدث لرصيف22 عن رحلته في هذه المهنة التي ورثها عن والده وعمل على تطويرها شيئاً فشيئاً. في البداية كانت موديلات الفساتين محدودة والخامات المستخدمة أيضاً محدودة.

كانت الفتيات والنساء يخترن موديلات البدلات من مجلات الموضة التي ينتظرن صدورها من سنة إلى أخرى مثل "سنوب الحسناء" أو "كتالوغ الأزياء" أو "بوردا" أو من الموديلات الكلاسيكية المتعارف عليها، بعد ذلك ومع الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته سوريا بعد عام 2000، بدأت الموديلات تصبح أكثر تنوعاً ومواكبة للموديلات العالمية، فقد بدأ الناس بالتواصل بشكل أكبر مع العالم، إما عن طريق الفضائيات أو عن طريق الإنترنت الذي دخل حياة السوريين.

ما غير هذا الموضوع بشكل جذري هو السوشال ميديا، فاليوم كل فتاة تحمل في هاتفها المحمول موديلات لا تحصى، وهذا التنوع طور العمل ونوع الموديلات التي يستطيعون تحقيقها.

كان للانفتاح الاقتصادي دور كبير في تنوع الخامات التي يُصنع منها الفستان، فقد أصبح الصناعي السوري قادراً على استيراد أنواع مختلفة من القماش لم تكن في متناول يده سابقاً. إضافة إلى تطور المكننة وحلول الآلات محل العمل اليدوي في كثير من مراحل العمل، ما ساهم في تقليص الوقت اللازم لإنجاز العمل بشكل كبير.

كانت الفتيات والنساء يخترن موديلات البدلات من مجلات الموضة التي ينتظرن صدورها من سنة إلى أخرى مثل "سنوب الحسناء" أو "كتالوغ الأزياء" أو "بوردا" أو من الموديلات الكلاسيكية المتعارف عليها، بعد ذلك ومع الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته سوريا بعد عام 2000، بدأت الموديلات تصبح أكثر تنوعاً

 يعتبر الزين تلك الفترة ذهبية بالنسبة لورشته ولهذه الصناعة بشكل عام. يذكر أن فساتين الزفاف السورية كانت تُصدر لجميع أنحاء العالم، وبخاصة الشرق الأوسط وإفريقيا من شمالها إلى جنوبها.

تأثرت هذه الحركة بشكل كبير بعد ذلك بفعل الحرب الطاحنة التي دارت في البلاد، ما جعل حركة البيع والتصدير تنخفض إلى أدنى مستوياتها. لتبلغ خلال السنتين الأخيرتين أسوأ مراحلها، بفعل الإغلاق الذي طال العالم بأسره عقب انتشار كوفيد-19 من جهة، والحصار الذي تعيشه سوريا مصحوباً بالانهيار الاقتصادي والتضحم المالي من جهة ثانية.

يحتاج فستان الزفاف إلى 24 ساعة لإنجازه في ورشة فيصل، بحيث يقسم العمل إلى ثمانية مراحل، كل مرحلة يقوم بها عامل/ة مختص/ة، يبلغ ثمن فستان الزفاف لديهم حوالي مليون ونصف ليرة سورية، بمعدل وسطي أي ما يعادل 500$ أمريكي تقريباً، وهم يستقطبون زبائن الطبقة الوسطى بشكل عام.

يقول الزين إنه يفكر بنقل عمله إلى مصر واستئناف إنتاجه في ظروف أفضل، فالتحديات التي يفرضها الواقع اليوم أصبحت أصعب من أي وقت مضى. أبرز هذه التحديات هو الحصار الاقتصادي وصعوبة الاستيراد وارتفاع تكاليف الجمارك، إضافة لانخفاض القدرة الشرائية لدى السوريين إلى درجة كبيرة، ما فتح المجال لانتشار فكرة استئجار الفساتين بشكل أكبر بكثير من اقتنائها، خاصةً أن معظم الزيجات التي تتم اليوم هي "على سفر" على حد قوله.

يؤكد محمد صاحب محل وورشة صناعة الـطرحات والتيجان والأكسسوارات الخاصة بشعر العروس على هذه الفكرة، فمعظم زبوناته خلال السنوات الأخيرة سيتزوجن ويسافرن. من يستطيع تحمل نفقات حفل زفاف هذه الأيام إن لم يتلقَ دعماً خارجياً؟ على حد قوله.

يعمل محمد في ورشته هذه منذ عشرين عاماً مع أخيه عماد، ويعتمدان على الإنترنت في مواكبة الموضة في هذا المجال. يرى محمد أن السوريات أجمل النساء وأكثرهن ذوقاً وأناقة، لذلك يسعى لصنع تيجان جميلة لهن، لا تقل جمالاً عما تلبسه العرائس في أوروبا وأمريكا.

يعيش أخوه عماد متنقلاً بين دمشق وشنغهاي، ويشكل نقطة الوصل بين الصين، المورد الأكبر لكل الأقمشة والمواد الأولية لصناعة أكسسوارات الأعراس، وورشتهم الصغيرة في قلب دمشق القديمة، بما يعيد إلى المخيلة طريق الحرير القديم الذي يصل الصين بأوروبا ويمر عبر دمشق.

يحاول تجار هذا السوق الإحاطة بكل ما قد يهم العروس في يوم "فرحتها الكبيرة"، فإلى جانب الفستان والطرحة والتاج تأتي باقة الورد التي تحملها والتي تعد واحدة من أهم التفاصيل.

يحاول تجار سوق العرايس الإحاطة بكل ما قد يهم العروس في يوم "فرحتها الكبيرة"، فإلى جانب الفستان والطرحة والتاج تأتي باقة الورد التي تحملها والتي تعد واحدة من أهم التفاصيل

يملك أسامة محلاً متناهي الصغر في سوق العرايس، ينسق فيه باقات الورد الاصطناعي المعدة للعرائس، ورث المحل عن عائلته التي كانت تعمل لسنوات طويلة في مهنة التطريز اليدوي، لكن مع تراجع هذه المهنة إلى حد كبير، قام أسامة عام 2002 بالاتجاه نحو العمل في باقات الورد الصناعي وملحقات الفستان المصنوعة من الورد كتيجان الورد، مثله مثل العديد من تجار السوق.

تقبل الكثير من العرائس على اختيار باقات الورد الصناعي لأسباب عديدة، أهمها الثمن المرتفع للورد الطبيعي، ورغبة الكثير من العرائس بالاحتفاظ بباقاتهن كذكرى من يوم الزفاف. إضافةً لذلك تتيح فكرة الباقة الاصطناعية إمكانية تأجير الباقة للزبائن الذين يحتم عليهم وضعهم الاقتصادي تقليص التكاليف إلى الحد الأدنى.

الساعة الثالثة بعد الظهر، ما تزال الحركة في السوق نشطة. تقصد فتاة مع أختها محل أسامة لشراء باقة ورد اصطناعي، يقع اختيارهن على باقة من التوليب البنفسجي والجوري الأبيض. أتركهن لمناقشاتهن وأغادر السوق. عندما أصل إلى البيت أجد على ثيابي نفس الأثر القديم: ذرات من الغبار مختلطة بـ"البرّيق". يبدو أن الأطفال الذين نكونهم لا يكفون عن إرسال الرسائل للبالغين الذين نصيرهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard