"الرِدَّة مستحيلة"... السودانيون يعلنون العصيان رداً على الانقلاب العسكري واختطاف رئيس الوزراء

الاثنين 25 أكتوبر 202101:13 م

بدأت قوى الحرية والتغيير في السودان تنظيم صفوفها مع إعلان كيانات نقابية وسياسية العصيان المدني الشامل في إطار الاحتجاج السلمي على الانقلاب العسكري الذي شهده السودان صباح اليوم. في حين اقتحمت قوات  عسكرية مقر تلفزيون السودان وألقى الفريق عبدالفتاح البرهان قائد الانقلاب العسكري ورئيس مجلس السيادة بياناً أعلن فيه حل مجلس السيادة والحكومة واستيلاء الجيش والقوات العسكرية المعاونة (الدعم السريع) على الحكم. 

وتذرع قائد الاتقلاب العسكري بالظروف الاقتصادية التي يمر بها السودان، ملمحاً إلى "تبعية" المكون المدني الشريك في الحكم، قائلاً "نريد سوداناً لا تفرض عليه أي جهة فكرها أو إرادتها". وأعلن البرهان فرض حالة الطوارئ و"تشكيل حكومة كفاءات" تتولى إدارة السودان.

وتحركت قوات الجيش بالمشاركة مع قوات التدخل السريع وكيانات مسلحة أخرى لفرض سيطرتها على البلاد وإطاحة المكون المدني خلال الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين 24 تشرين الأول/ أكتوبر، وذلك بعد ساعات من اجتماع المكونين في مجلس السيادة للاتفاق على خطوات للخروج من الأزمة التي تصاعدت عقب انقلاب فاشل سعى العسكريون بعده إلى السيطرة الكاملة على السلطة وعرقلة تسليمها  إلى المدنيين.

وأصدر مكتب رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك بياناً في الحادية عشرة ظهر الإثنين أكد خلاله "اختطاف" رئيس الوزراء السوداني وزوجته على يد عسكريين فجر الإثنين، واقتيادهما إلى مكان جهول. وأكد البيان على تمسك رئيس الوزراء السوداني بأهداف التحول الديموقراطي والقضاء على الفساد والمدنية، وهي القيم التي حملتها شعارات الثورة السوانية "حرية - سلام - وعدالة".


ووصف البيان ما تشهده السودان بأنه "تمزيق للوثيقة الدستورية، وانقلاباً مكتملاً على مكتسبات الثورة التي مهرها شعبنا بالدماء بحثاً عن الحرية والسلام والعدالة".

وحمل البيان القيادات العسكرية في الدولة السودانية المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة رئيس الوزراء وأسرته، كما أعلن "تحملها التبعات الجنائية والقانونية والسياسية للقرارات الأحادية التي اتخذتها". ودعا البيان الشعب السوداني "للخروج والتظاهر واستخدام كل الوسائل السلمية المعلومة... لاستعادة ثورته من أي مختطف".

وانتشرت المركبات العسكرية في الشوارع في ساعات مبكرة من صباح اليوم، وقالت وزارة الإعلام والثقافة إن قوة من الجيش اقتادت رئيس الوزراء عبدالله حمدوك إلى مكان مجهول حيث وضعته تحت الإقامة الجبرية، وأن ضغوطاً تمارس عليه لإجباره على إصدار بيان مؤيد للانقلاب العسكري. وطالت الاعتقالات عدد غير محدد من المسؤولين، ولا تزال القوات العسكرية تضم معتقلين آخرين من بين صفوف السياسيين المدنيين إلى قائمة المختطفين. ومن بين المعتقلين المعروفة أسماءهم حتى الآن: فيصل صالح، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء، وعلي السنهوري، أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي، ووزير الصناعة إبراهيم الشيخ وعضو مجلس السيادة محمد الفكي. كما جرى تداول أنباء عن اعتقال أربعة وزراء وعدد من المسؤولين في أحزاب محلية معروفة.

كذلك اعتقلت قوات الجيش السيد ياسر عرمان المتحدث باسم رئيس الوزراء، وذلك بعد نشاط حسابه على تويتر في إعلان رسائل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الرافضة للانقلاب العسكري ونقل أخبار محاولات الضغط على الأخير لإصدار بيان مؤيد للانقلاب.

أعلنت نقابة الأطباء السوادنيين الانسحاب من المستشفيات العسكرية، مع إعلان العصيان المدني والامتناع عن تقديم الخدمات الطبية إلا في الحالات الطارئة، وأعلن المصرفيون والطيارون المدنيون العصيان المدني الشامل

ورصد رصيف22 انقطاع الاتصال بالإنترنت في السودان نحو السادسة صباحاً بتوقيت الخرطوم، بالتزامن مع انتشار المجنزرات والمركبات العسكرية بالشوارع والطرق في العاصمة الخرطوم وإغلاق الطرق الرئيسية والمحاور والجسور. وهو الوقت عينه الذي تحرك فيه العسكريون لاعتقال عدد من أعضاء المكون المدني في مجلس السيادة والحكومة، على رأسهم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك.

وأعلنت نقابة الأطباء صباح اليوم الاثنين الانسحاب من المستشفيات العسكرية، مع إعلان العصيان المدني السياسي والامتناع عن تقديم الخدمات الطبية إلا في الحالات الطارئة، استجابة لنداء تجمع المهنيين السودانيين للتصدي للانقلاب العسكري. كما أعلن المصرفيون السودانيون العصيان المدني الشامل. وكذلك أعلنت نقابة الطيارين اللإضراب العام في إطار العصيان المدني الشامل والتوقف عن القيام بأية رحلات من وإلى مطار الخرطوم. وانضم اتحاد أساتذة جامعة الخرطوم إلى العصيان المدني والإضراب الشامل وأعلنوا إدانتهم لـ"المرحيلة الهزلية" التي يقوم بها المكون العسكري.


وكان تجمع المهنيين قد أصدر بياناً بالتزامن مع بدء التحركات العسكرية وقبل انقطاع الإنترنت، يدعو فيه الشعب إلى الخروج إلى الشوارع سلمياً للحفاظ على آماله في الانتقال المدني الديموقراطي وإفشال مخطط الانقلاب العسكري.

وتشهد الشوارع في محافظات بحري وأم درمان والخرطوم وبري وشرق النيل تظاهرات واسعة وأقامت لجان المقاومة المتاريس في شوارع المدن التي تشهد تظاهرات استعداداً لاستخدام العنف من قبل العسكريين. يذكر أن لجان المقاومة كان لها دور في حماية المتظاهرين عقب مجزرة اعتصام القيادة العامة.


وسبق للجيش استخدام القوة الغاشمة ضد المتظاهرين إبان الثورة التي أطاحت البشير في  كانون الأول/ ديسمبر 2019. وعلى مدار العامين الماضيين، عرقل العسكريون تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، كما عرقلوا إتمام التحقيقات وبدء محاسبة المسؤولين عن مجزرة اعتصام القيادة العامة.

وأعلنت وزارة الإعلام عبر حسابها الرسمي على فيسبوك أن قوة عسكرية تحاصر مقر الإذاعة والتلفزيون، وصرح مسؤولون فيهما إلى وكالة الأنباء الدولية رويترز أن الوزارة تتبنى موقف القوى المدنية وترفض الانقلاب العسكري، وستواصل عملها في تغطية ما يجري على الأراضي السودانية برغم الحصار. ودعت الوزارة إلى الإفراج الفوري عن المعتقلين والالتزام بالوثيقة الدستورية. إلا أن قوة عسكرية اقتحمت مقر مبنى الإذاعة والتلفزيون في مدينة ام درمان الواقعة ضمن مثلث العاصمة.


ويتوقع أن يصدر الفريق عبدالفتاح البرهام رئيس مجلس السيادة وقائد الانقلاب العسكري قراراً بتعليق العمل بالوثيقة الدستورية، التي تلزم العسكريين بتسليم السلطة إلى المدنيين بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

تشهد الشوارع في محافظات بحري وأم درمان والخرطوم وبري وشرق النيل تظاهرات واسعة وأقامت لجان المقاومة المتاريس في شوارع المدن التي تشهد تظاهرات استعداداً لاستخدام العنف من قبل العسكريين

وحاول البرهان ومعه الجنرال حمديتي قائد مليشيا الجنجويد السابق وقوات الأمن السريع حالياً والمنسوب إليه ارتكاب جرائم حرب أن يدفعا باتجاه إجراء انتخابات لدى إنهاء فترة حكم البشير، وهو ما رفضته القوى المدنية والديمقراطية "حتى لا يتكرر السيناريو المصري"، لأن الأحزاب والقوى القديمة التي سيطرت على المشهد السياسي في عهد البشير كانت وحدها جاهزة للانتخابات. كما يرفض المدنيون تولي المسؤولية في ظل فساد يضرب الأجهزة الأمنية وعلى رأسها الجيش. وحاولوا الدفع باتجاه إخضاع القوى الأمنية والعسكرية للمحاسبة والمراقبة وتظهير صفوفها من "فلول النظام السابق" وإخضاع المؤسسات الاقتصادية العسكرية للرقابة ومكافحة الفساد فيها وضمها إلى الخزانة العامة حتى يفيد منها اقتصاد السودان، وذلك بشكل تدريجي ووفق خريطة زمنية يتم الاتفاق عليها بين العسكريين والمدنيين. وهي كلها خطوات يرفضها العسكريون رفضاً تاماً.


اجتماع فانقلاب...

ويأتي الانقلاب العسكري بعد اجتماع امتد ساعات طويلة منذ مساء الأحد، بين قائد الانقلاب ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، ورئيس الوزراء المعتقل حالياً عبدالله حمدوك، ناقشا خلاله المقترحات التي قدمها المبعوث الأمريكي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان، والتي حملت عنوان إصرار الإدارة الأمريكية على التمسك بالوثيقة الدستورية التي تكفل الانتقال الديمقراطي في السودان، ورفض محاولات المكون العسكري العودة إلى الانفراد بالحكم. فيما يدفع المكون العسكري وعلى رأسه البرهان إلى إقالة الحكومة وتعيين حكومة جديدة يختارها المكون العسكري من "الكفاءات الوطنية". إلا أن محاولة الانقلاب الناعمة تلك فشلت مع إعلان القوى المدنية رفضها التام لطرح المكون العسكري، والإصرار على تسليم رئاسة مجلس السيادة إلى المدنيين في الموعد المتفق عليه في أول تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

ويتبنى رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك منهج التهدئة وعدم الصدام مع العسكريين وتنفيذ تطلعات الشعب عبر التفاوض والحوار بين المكونين المدني والعسكري.

الولايات المتحدة: أي تغيير في السلطة الانتقالية بالقوة سيؤثر على المساعدات الأمريكية إلى السودان

 ردود أفعال دولية

في سياق متصل أعلنت الخارجية الأمريكية على لسان مبعوثها إلى دول القرن الأفريقي جيفري فيلتمان رفضها لما يشهده السودان من محاولة انقلابية، وكررت إعلان موقفها الذي كررته مراراً خلال الأيام الماضية حول تمسكها بالانتقال الديمقراطي في السودان وتمسكها بتفعيل الوثيقة الدستورية.

وقال المبعوث الأمريكي إن أي تغيير في السلطة الانتقالية بالقوة سيؤثر على المساعدات الأمريكية إلى السودان. 

وقدمت الولايات المتحدة دعماً للسودان عقب إنهاء حكم البشير، واستجابت إلى دبلوماسية المكون المدني وقامت برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما أدى إلى انفراجة في الاقتصاد السوداني. وتصر قوى الحرية والتغيير على أن المكون العسكري عرقل كافة خطوات التقدم الاقتصادي وسعى إلى تأجيله حتى يسيطر على السلطة بشكل كامل. ويقوم مجلس السيادة الذي يسيطر عليه العسكريون بدور الحاكم الفعلي للسودان.

وأعربت جامعة الدول العربية عن "قلقها" مما يشهده السودان، وطالبت الأطراف بـ"العودة إلى طاولة الحوار" فيما لم تعلن إلى الساعة دول رئيسة على اتصال بالمكون العسكري السوداني وعلى رأسها مصر والإمارات، عن موقفها من الانقلاب العسكري، في وقت أعلن الاتحاد الأوروبي دعوته إلى عودة عملية الانتقال السياسي في السودان إلى مسارها "الصحيح" في إشارة إلى الوثيقة الدستورية وتسليم السلطة إلى المدنيين.  

وبالتزامن مع قطع الإنترنت وانتشار التظاهرات في الشوارع، فعّل السودانيون في المناطق التي لم ينقطع بها الاتصال والمهاجرون في الخارج هاشتاغ "الردة مستحيلة"، وينقلون من خلاله الأخبار والصور التي تردهم من ذويهم في السودان عبر الاتصالات الهاتفية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard