الأنظمة التونسية بين "حَبّ الشباب" و"حُبّ الشباب"

الأحد 24 أكتوبر 202112:07 م

تعرّف الأمم المتحدة "الشباب" على أنهم "الأشخاص ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً". ونشأ هذا التعريف في سياق الأعمال التحضيرية للسنة الدولية للشباب 1985، وأقرّته الجمعية العامة في قرارها 36/28 لعام 1981.

 غير أن الشباب في تونس كلمة فضاضة لا نعرف لها حداً ولا تأويلاً، ويمكن أن توسعها بما شئت وكما شئت، كما وسع الرئيس قيس سعيد البند 80 من الدستور، والذي أقرّ بها الأحكام الاستثنائية في البلاد منذ 25 تموز 2021، والشباب كلمة كمساحة جلد الثور في رأس عليسة، مؤسسة قرطاج حسب الأسطورة، حيث طلبت من السكان الأصليين أن يبيعوها فقط مساحة جلد ثور، فإذا بها جزّأت الجلد إلى سيور دقيقة وأحاطت به هضبة قرطاج كلها، في أعرق عملية تحايل في الذاكرة التونسية ارتبطت هي الأخرى بحاكمة.

كلمة "شباب" في الذاكرة التونسية وارتباطها بالتهميش

وقد ارتبطت كلمة "شباب" في الذاكرة التونسية بالتهميش والازدراء والتقزيم والتحايل. ففي تونس عندما ينادي الواحد شخصاً بـ"يا شباب" ففي العبارة شيء من الاستصغار، وعندما تنعت الصحافة الأدبية كاتباً عمره تجاوز الخمسين سنة بـ"الكاتب الشاب" فهي تتعمّد تقزيمه، فهو لم ينضج، ولذلك يرتقي الكاتب التونسي بقدرة قادر، من الكاتب الشاب إلى الكاتب الكبير، بمجرّد أن يكبر في السن لا في التجربة الأدبية.

وتُسند عبارة "الكبير" كشكل من أشكال الاعتراف بالذنب الذي جعله شاباً، أي يافعاً، طوال حياته في الصحافة. فالكبير منحة نهاية الخدمة التي تسبق حفلة التخرّج: ذكرى الأربعينية التي يعتاش منها مجموعة من الكتبة بتقديم نصوص تأبينية هزيلة، في كاتب لم يقرؤوا له طوال حياتهم، ثم يدخل الكاتب في النسيان الأبدي.

يبدو أن كلمة شباب عبر تاريخ تونس، من زمن بورقيبة وزمن بن علي إلى ما قبل 25 تموز، مثل الكلمة "اللعنة" التي تهز عروش الحكام في تونس، فهل يستطيع قيس أن يعيد استثمارها لصالحه هذه المرة؟

وفي الذاكرة العربية والإسلامية ارتبطت عبارة الشباب بالمجاهدين الأفغان، وهم العرب الذين هاجروا إلى أفغانستان لتحريرها من الشيوعية، ثم عادوا إلى البلدان العربية وأسسوا نواة الجحيم الأخواني والإسلاموي، ومنه تولدت الجماعات الإرهابية.

أما "الشباب هو الحل وليس المشكل"، فهو شعار أطلقه نظام بن علي عندما بدأ يتداعى، وكان الشعار الشؤم الذي ذهب بالنظام. فرغم عمليات التحشيد التي قام بها النظام والإغراءات، فقد خرج ذلك الشباب نفسه وأطاح به في ثورة كانون الثاني/يناير 2011.

ولم يرتبط الشباب بشيء في هذه الأمة أصدق من الحَبّ في "حَبّ الشباب"، فلم ينظر إليه كطاقة خلاّقة أبداً، بل ورقة انتخابية وحطب نيران عبر كل الأنظمة. وحتى الرئيس الذي أوصله إلى كرسي الرئاسة هذا الشباب والذي يتوعد العالم كله بحوار معه لا يبدو أنه يعي كلمة شباب. فالشباب عنده هم الشباب الذين انتخبوه والذين وعدهم في حملته الانتخابية أن يغير حياتهم، وبعد سنتين من عهدة رئاسية لأربع سنوات، قرّر أخيراً أن يحاورهم.

فأن تدخل في حوار مع الشباب بالجمهورية كلها يعني أنك تحتاج إلى أشهر وأعوام حتى تصغي إليهم وتخرج بمخرجات مفيدة، وهذا مؤذن بطلب تمديد لولاية أخرى، وطبعاً تغييراً للنظام عبر الاستفتاء الذي سيشاركون فيه ويزكون النظام الرئاسي، وبذلك فهم يسقطون في ذات الاستغلال الأول، وكما أوصلوه للحكم سيجعلون من حكمه أبدياً.

لم نسمع طوال السنوات الماضية إلا عن انتحار الشباب، وعن غرق الشباب في البحار، وعن احترافه الجريمة، وعن حوادث الاغتصاب التي طالت العجائز، وعن انتشار المخدرات بينهم. كما أن هذا الشباب المتخرّج من الجامعات، من طول بقائه في البطالة، قد عاد إلى الأمية بحكم تغير العالم مع التطور التكنولوجي وطرق العمل. ومن ثم، فهو بحاجة إلى إعادة تكوين تستغرق أعواماً لكي يؤهل لسوق العمل. ولا ندري صراحة متى سيكون جاهزاً شابٌ في السابعة والأربعين، فقد مؤهلاته العلمية ولم يكسب أي خبرة في أي عمل سابق.   

إن المأساة التونسية هي أن تونس تبدو آخر بلد شيوعي في العالم، إذ يقوم نظامها المعيشي على توظيف الدولة للمواطنين لا على توفير الفرص للاستثمار الخاص وخلق الفرص لغيره

المأساة التونسية

إن المأساة التونسية هي أن تونس تبدو آخر بلد شيوعي في العالم، إذ يقوم نظامها المعيشي على توظيف الدولة للمواطنين لا على توفير الفرص للاستثمار الخاص وخلق الفرص لغيره. يولد التونسي لينتظر توظيف الدولة، وما يسمى "مسمار في حيط"، ويقصدون به المعاش الشهري الذي ستقدمه الدولة للموظف.

وهذا المسمار هو سبب كل المشاكل، فما إن يدق الموظف مسماره في الحائط، حتى يشنق فيه الكائن المنتج ويخلق كائناً آخر، كسولاً، يحاول جاهدا ألا يحرك ساكناً.

فالمسمار في الحائط والأجر الشهري سينزل في حسابه البنكي في وقته، لذلك يكون هذا الموظف أول المرحبين بأي دعوة للإضراب عن العمل. ومنذ 2011 حققت تونس أعلى نسب الإضراب في العالم، وربما لم تحققها دول عاشت حروباً لسنوات.

كل ذلك لأن هذا المواطن، الذي أصبح موظفاً دون تأهيل، ساهم بدوره في تفقير الدولة عبر كسله، فالآلاف من الموظفين في تونس يتقاضون أجوراً شهرية دون أن يذهبوا إلى العمل أبداً. يذكرنا مسمار الحائط في الثقافة الوظيفية في تونس بمسمار تشيخوف في تعريفه للقصة القصيرة، والذي يقول إنه إذا ما دق البطل مسماراً في الحائط في أوّل القصة فسيشنق نفسه فيه في آخرها.

لم نسمع طوال السنوات الماضية إلا عن انتحار الشباب، وعن غرق الشباب في البحار، وعن احترافه الجريمة، وعن حوادث الاغتصاب التي طالت العجائز، وعن انتشار المخدرات بينهم

وهذه الحتمية الفنية الأدبية صارت اليوم في تونس حقيقة واقعية،  فالمشانق التي يتدلى منها الشباب المنتحر كانت نتيجة سياسة توظيفية اسمها "المسمار في الحائط" أو "الشهرية"، دون مردود ودون محاسبة على المردود.

والشباب الذي يريد أن يحاوره قيس سعيد، وقبله أراد محاورته زين العابدين بن علي، هو نفسه ذلك الشباب الذي تحدث عنه أبي القاسم الشابي في يومياته، والذي دفعه إلى اليأس منه. يكتب الشابي سنة 1930:

"لقد أصبحت يائساً من المشاريع التونسية، ناقماً على التونسيين، لأنني أراهم يقولون كثيراً ولا يعملون إلا قليلاً، وإنني أراهم نبغاء في بسط نظرياتهم. والتحمس لها يدفعهم إلى أن تؤمّل الآمال الكبار، وتعتقد أنك تخاطب روحاً متجسدة في فكرة تلتهب، حتى إذا جاء دور العمل تمزقت تلك البراقع، وخمدت تلك النزوات.

وتكشف البرقع البرّاق عن وجه الحقيقة الأربد، وإنجاب طلاء الشباب ونضارة الفتوّة المستعارة عن تجعّدات الشيخوخة وقبور الخمول. إن التونسيين الآن ذوو نظريات فسيحة واسعة، ولكنهم يدورون في منطقة ضيّقة من الأعمال لا تكاد تنتج شيئاً".

لقد بدأ قيس سعيد مشروعه السياسي بعد 25 تموز بتعيين محافظ لولاية بنزرت (وهي من أهم محافظات البلاد، حتى أنها كانت آخر ما تمسك به الاستعمار الفرنسي) واحداً من الشباب الذي ساعده في حملته الانتخابية دون أن يكون قد مارس أي عمل سابق يؤهله لتقديم مشروع تنموي لهذه المحافظة/ الولاية، فهل يكفي أن نعين الشباب في مواقع قرار دون أي مؤهلات ولا خبرة؟

في الذاكرة العربية والإسلامية ارتبطت عبارة الشباب بالمجاهدين الأفغان، وهم العرب الذين هاجروا إلى أفغانستان لتحريرها من الشيوعية، ثم عادوا إلى البلدان العربية وأسسوا نواة الجحيم الأخواني والإسلاموي، ومنه تولدت الجماعات الإرهابية

ويدخل قيس سعيد في صراع مع العالم والمؤسسات الداعمة والاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى التعاون معه لإعادة رسكلة الشباب الذي طالت بطالته وارتد للأمية ليعيد إحياءه من جديد. ذلك الشباب الذي يسمع خطابات  قيس سعيد  وغادره "حَبّ الشباب" ويردد مع أبي العتاهية: ألا ليت الشباب يعود يوماً/ فأخبره بما فعل المشيب.

ويبقى  الجواب عن هوية هذا الشباب الذي يقصده سعيد مجهولاً، إذا لم يكن شباب حملته فهل سيشمل الشباب الذي يقاوم الجندرة، وهل سيشمل مثلاً المثليين الذي هاجمهم سعيد منذ سنتين؟

هل سيشمل  الحوار شباب الأحزاب المعارضة التي خوّنها قيس سعيد، من الأحزاب اليمينية الإسلاموية إلى شباب اليسار الشيوعي؟ هل سيشمل الشباب المنتشر في الخارج، يواصل دراسته أو يعمل، وهو شباب منحدر بعضه من عائلات ميسورة، يبدو خطاب الرئيس المليء بالحقد الطبقي يجعلهم في موضع اتهام؟ 

 يبدو أن كلمة شباب عبر تاريخ تونس، من زمن بورقيبة وزمن بن علي إلى ما قبل  25 تموز، مثل الكلمة "اللعنة" التي تهز عروش الحكام في تونس، فهل يستطيع قيس أن يعيد استثمارها لصالحه هذه المرة؟

هل يمكنه أن يحولها فعلاً إلى مفتاح وحل، وهي المشكلة الأزلية للبلاد، حتى أن بورقيبة لم يجد حلاً لها إلا بقوانين التنظيم العائلي والدعوة إلى الحد من التكاثر؟ هل دعوة قيس سعيد في خطابه الأخير للتقشف تشمل أيضاً التقشف في التزايد والإنجاب؟

يبدو أن قيس سعيد في خطابه السياسي يستحضر افتتاحية أول جريدة حملت عنوان "الشباب"، أسسها وترأسها محمود بيرم التونسي، ظهرت في 1936 وقضت نحبها سنة 1937.


اضحك أيها الشباب التونسي

حيث نقرأ في افتتاحية  العدد الأول منها، بتاريخ يوم الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر 1936، "من الشباب إلى الشباب": "وبعد، فاضحك أيها الشباب، لأن كل شيء حولك يسير على ما يرام.

نقرأ في افتتاحية العدد الأول منها، بتاريخ يوم الخميس 29 تشرين الأول/أكتوبر 1936، "من الشباب إلى الشباب": "وبعد، فاضحك أيها الشباب، لأن كل شيء حولك يسير على ما يرام.

بلادك تجود للعالم بأكبر محصول الزيت المبارك، وتخرج أجود أنواع التمر الشهي ومقادير هائبة من القمح الممتاز، وفيها مناجم غنية بالفسفاط والرصاص والبترول، ولكن آباءك وأعمامك هؤلاء يضعون أيديهم على خدودهم ويقولون والدموع تنهمر من أعينهم.

الله غالب، بلادنا فقيرة، معدمه، مجدبة، بائسة، وهم صادقون، فهذه المباني الشامخة المؤلفة من عشر طاقات ولا تخذه في الزيادة والامتداد، وهذه الفيلات الضخمة المحاطة بالحدائق الغناء، وهذه السيارات الخصوصية التي تبلغ عشرات الألوان، كل هذا جلبه الإفرنج في حقائبهم من الخارج ووضعوه فوق أرض تونس.

ولك أيها الشباب مجلس نيابي يجعل بلادك مساوية للبلاد البرلمانية من أنقلترا إلى موناكو، يمثلك في هذا المجلس نواب توفرت فيهم كل المزايا اللازمة للنواب الأكفاء، كالجهل بالقراءة والكتابة والتجرد من الوطنية الصادقة والكاذبة، والاستهانة بتونس ومن عليها، وقد قاموا لك بواجبهم النيابي على أكمل وجه، فاستطاعوا تأجيل ما عليهم من الديون وزوّجوا بناتهم وطهّروا أولادهم، وعلّقوا شهاداتهم وتشرفوا بمعرفة كبار الموظفين.

وحولك أيها الشاب متاجر ومخازن ودكاكين كلها على أساس متين ونظام حسن، فالقراج اليوم يتحول إلى إسطبل أو صالة غناء، ودكان الحجام إلى حمام ودكان العطار إلى فطايري أو خضار أو مكتب عدل، وبسبب هذا التقدم المطرد والحركة الدائبة اكتسبت تونس ثقة البيوت المالية مثل الكريدي الليوني والكنتوار ناسيونال وبنك فرنسا.

ولك نقابات وجمعيات يدخل فيها من بناء من الناصبين الأشراف والجواسيس المخلصين، والعاطلين العباقرة، وتتمتع هذه الهيئات بنعمة الخلاف والتناحر والانشقاق، لتصل بتونس إلى أوج المجد والعز كسائر التي تسير تحت الشمس. هذا هو محيط الذي تعيش فيه أيها الشاب، فاضحك، إذا شئت سافر منه، مودعاً له أقبح توديع، أو اضحك إذا شئت مبتهجاً، يستقبلك السعيد الذي هو أمامك والذي هو لك وحدك. أضحك على كل حال".

وإن كان قيس سعيد ينطلق  من هذا الخطاب وقد سبق أشهر صور لهذه الجريدة قبل الانقلاب، فهل قام بشيء لتأميم هذه الثروات؟ ألم يكن أول إجراء اتخذه بعد 25 تموز 2021 هو تجديد عقود الشركات الفرنسية؛ عقود التنقيب عن البترول واستغلاله؟ أستحضر هنا العبارة التي  ترافق عنوان جريدة "الشباب": "تصدر ضاحكة عابثة مازحة"، وأتساءل: أين نحن  الآن؟ هل في مرحلة الضحك أم العبث أم المزاح؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard