يوميات في الحجر: الخروج من السجن الكبير

السبت 23 أكتوبر 202101:34 م

 حِياكةُ الكلام

كنت أعاني كثيراً من ضيق الوقت، فضلاً عن تراكم الالتزامات على تنوُّعها واستمرارها، بالكاد أجد الوقت للاستمتاع  بمتابعة فيلم سينمائي. اختلف الوضع مع الحجر الصحي، وما رافقه من ملل، وضجر، وأرق. تغيّر كلي وغير مألوف أيضاً في نمط وروتين الحياة!

وجدت في السّينما ملاذاً يكاد يكون الوحيد بعد القراءة والمطالعة في محنة كورونا. وعند الموجة الثالثة من الوباء، أحسست بلا جدوى القراءة والكتابة. في هذا السجن الكبير، كان الهروب إلى السينما هو المنفذ الوحيد لمقاومة الفراغ، الخواء، اللاجدوى، الرعب. إذ ذاك شاهدت مجموعة من الأعمال السينمائية التي لم تتح لي من قبل فرصة مشاهدتها، إما عبر الإنترنت، أو في القنوات التلفزيونية، أو على منصات بعض المهرجانات أو المراكز السينمائية.

السينما ومحاولة محاكاة أو استعادة ما يحدث على الأرض

بعد يوم من سيطرة حركة "طالبان" المتشددة على العاصمة الأفغانية دون قتال أو أدنى مقاومة تذكر. بدت شوارع كابول مهجورة، الفيديوهات المنشورة على الإنترنت تظهر مئات المدنيين تكدسوا في المطار سعياً للهرب، حاملين أمتعتهم وحقائبهم، وقد فر قبلهم رئيس البلد والقيادات وقوات الجيش، حاملا معه حقائب مليئة بالأموال والثروات. ومشاهد موت بالجملة مخزية ومؤلمة في الوقت ذاته، جراء سقوط مواطنين أفغان من الطائرات، كانوا قد تشبثوا بها قبل الإقلاع. أكبر خطر يواجه العالم الإسلامي هو اجتماع الغباء مع التخلف والاستبداد!

عند السّاعة السّادسة وثلاث وخمسون دقيقة زوالاً، خرجت من الشّقة. اقتنيت بعض المشتريات. عدت أدراجي مهرولاً. السّاعة الثّامنة وربع ليلاً، تجاوزت زمن الحجر بربع ساعة. تناولت وجبة العشاء. شاهدت فيلم 12Strong، حول أفغانستان وطالبان والجيش الأمريكي. يستعيد الفيلم تداعيات أحداث 11 سبتمبر، من خلال إنزال مجموعة من أفراد القوات الخاصة الأمريكية في أفغانستان، في مهمة خاصة، أين يتعاونون مع إحدى القبائل الأفغانية لتحقيق الهدف الذي قدموا من أجله، وهو التخلص من قوات حركة طالبان التي تنفذ عمليات ضد الأمريكيين في أفغانستان.

أفلام عن العزلة، الوحدة والاغتراب

يومها كنت أفكّر في البحث عن فيلم فيه شيء من العزلة والغرائبية غير السّحرية طبعاً، علّني أخرج بعض الشيء من المناخ المحبط. عثرت على فيلمMin's Island؛ فتاة صغيرة في جزيرة نائية برفقة والدها عالم الأحياء البحرية، تتواصل مع روائية تعاني من رهاب الخروج والتّعامل مع الناس، ظناً منها أنّها تتواصل مع بطل رواياتها. بعد مغادرة والدها إلى مكان آخر لأجراء بعض الأبحاث.

تقع تلك الفتاة في ورطة كبيرة تستنجد بالرّوائية اعتقاداً منها أنّها بطلها المعروف الذي لطالما قرأت عن مغامراته في صفحات الكتب، بعد أن باءت كل محاولات الرّوائية في طلب النّجدة بالفشل، تقرر على مضض خوض مغامرة السّفر آلاف الأميال لمد يد العون للفتاة الصغيرة. وهكذا تستمر أحداث الفيلم أين تبدأ قصة أخرى بين الكاتبة والعالم.

بعد ذلك شاهدت فيلم Black Mass. ثم بقي التّلفاز يشتغل لوحده وأنا مسمر أمامه كالأبله أحدق في الفراغ، كنت مسنداً ظهري إلى وسادة يدعمها الجدار من خلفي.

الزّمن توقف في فترة الوباء، لا حركة، لا تحول، لا مكان، لا تغير، لا انتقال، لا تتابع، عدا أنّ الزّمن أضحى ينطوي على مأساة الموت بكل ما تحمله الكلمة من ثقل، ورهبة، وألم، وعذاب، وخلاص، وغيرها من المحمولات الأخرى الممكنة وغير الممكنة... مجاز في رصيف22

كانت السّاعة الواحدة بعد منتصف الليل، عندما شاهدت فيلم مدينة صامتة Silent City، بطلته امرأة شابة، اسمها روسا. تضطر إلى السّفر إلى طوكيو من أجل أن تتعلم من أستاذ ياباني شهير فن تحضير السمك. حيث تجد في البداية صعوبة كبيرة في التواصل مع ثقافة منغلقة وأحادية اللغة، وفي مدينة تحوّل الإنسان إلى مجرد آلة أو رقم، جراء شعوره بالاغتراب والوحدة بشكل طاغٍ، على شاكلة ما نعيشه اليوم بسبب الوباء.

من أجل هذا الهدف لابد أن تتعلم طبيعة السّمك. إن العيش في عاصمة يابانية هو مثل العيش في الماء، يمكن أن تعوم ولكن يمكن أيضاً أن تغرق. ومع كلّ الإكراهات والتحديات التي واجهتها، تنجح في النهاية على تحقيق الرّهان الذي سافرت من أجله.        

أفلام مصرية، بين الجودة والسّطحية!

على الشّاشة يعرض فيلم "مع الذكريات" بطولة أحمد مظهر ومريم فخر الدين. أحياناً أنغمس كلية مع أحداث الفيلم، مشغولاً بالديكور ومسار تحرك الكاميرا، وغيرها من التّفاصيل الأخرى التي شدت انتباهي، لست أدري لماذا شعرت أن هذا الفيلم أنجز في ذلك الزّمان على طريقة السينما الأمريكية. وطوراً أنقطع عن المتابعة وأغرق في التّفكير، ساهياً عن جلّ ما حولي. لست من هواة متابعة الأفلام المصرية، ومع ذلك أعتقد أنّ ما أنجزته السّينما المصرية الكلاسيكية أجود بكثير من السّطحية، والضّحالة، والتّكرار، والتّفاهة، التي غرقت فيها تلك السّينما اليوم، للأسف الشديد!

رأسي كاد ينفجر، شعرت بصداعٍ حادٍ جداً. لم أخرج يومها، الجمعة متعبة جداً. كنت في عزلة، القلق، التّوتر، الرّعب، الغروب، الحرائق، الوباء، شعرت بأنّ جدران الشّقة تزداد اتساعاً، تكاد تكون أكثر سمكاً من الشّقة في حد ذاتها. لا تكسر صلابتها محاولة التّظاهر وإقناع نفسي بأنّني بخير، ولا محاولة التّسلية عن النفس وتزجية الوقت بمشاهدة الأفلام، أو بمتابعة وسائل التّواصل الاجتماعي.

تعود بي الذاكرة إلى يوم آخر، حينما ارتميت على السّرير، وتسمرت أمام التّلفاز لمشاهدة العرض الأوّل من الفيلم التجاري "سبع البرمبة"، بطله رامز جلال صاحب برامج الكاميرا الخفية الأعلى تكلفة والأكثر تهريجاً وضحالةً في المنطقة العربية. مازلت عند رأيي فيما يتعلق بسطحية الموضوعات والمشاهد في السّينما المصرية المعاصرة، ومع ذلك غامرت، لا شيء آخر يستحق المشاهدة.

الأمر كان مختلفاً تماماً مع فيلم "الفيل الأزرق 2"، المقتبس من رواية أحمد مراد. الفيلم شدني من المشهد الأوّل، وكنت أتتبع بشغف بقيّة المشاهد التي جاءت في مزيج من الخيال، علم النّفس، الأساطير والفنتازيا، التشويق، الرّعب، الجريمة والإدمان. هناك عالمان متوازيان؛ عالم خيالي وعالم واقعي في قالب من التخييل والواقعية السحرية والعجائبية، التي تغرف من دون أدنى تردد من التّاريخ والتّراث العربي والإسلامي، وهذا الذي يستدعي السّؤال عن أصالة النص المقتبس منه للسينما، ومع ذلك كانت التجربة موفقة إلى حد بعيد في تجسير الهوة بين الرّواية والسّينما؛ طبعاً، على ندرتها بالمنطقة العربية.

أفلام عن جموح شبكات التواصل

أفقت في العاشرة صباحاً، غسلت وجهي، ثم تناولت إفطاري وأنا أتملى من خلف زجاج النّافذة المنظر البانورامي للمدينة من عل. الشّمس ساطعة، والحياة عادت إلى الشّوارع، حركة المارة والسّيّارات لا تهدأ. شغلت التّلفاز. عثرت بالصّدفة على فيلم The Social Network؛ جموح شبكات التّواصل الاجتماعي التي أضحت مكاناً بديلاً للعيش، ولإثارة المخاوف والنّزاعات والحروب بين روادها، باتت أيضاً بؤرة لكل أمراض العصر الحديث!

لا أحب متابعة أي فيلم بعد أن يبدأ، أو من وسطه، أو عند نهايته، ومع ذلك تسمرت أمام الشّاشة متتبعاً شخصية السّيد مارك زوكيربيرغ في الفيلم، محاولاً اكتشاف بعض ما يحيط بها من غموض وجنون أيضاً، وكذلك أحداث عن صعود شركة فيسبوك، وغيرها من التّفاصيل الأخرى. عند السّاعة الواحدة بعد منتصف النّهار، ارتميت على السّرير وتابعت المشاهدة، إلى أن نمت. كانت قيلولة طويلة، صحوت منها عند الرّابعة والرّبع زوالاً.

أفلام عن الخلود والأبدية والموت

حالما شرعت في مشاهدة فيلم The Age Of Adaline، انتبهت قصة الفيلم جديرة بالمتابعة وغير مجترة، على الرغم من أن قصة الخلود، الأبدية والفناء جسدتها السّينما من قبل في عشرات الأفلام. أما بطلة الفيلم فهي فتاة جميلة أسمها أدالين، في يوم يتقلب فيه الطّقس، تنحرف سيارتها جراء عاصفة ثلجية إلى جرف، ثم تنقلب في بحيرة متجمدة تقريباً. تموت الفتاة في البحيرة، وبفضل صاعقة من السّماء، ضربت بشكل مفاجئ هناك، تعود الفتاة أدالين إلى الحياة.

ولكن الشّيء الغريب الذي حدث، هو أمر آخر تماماً، إذ بعد عودتها إلى الحياة وهي بعمر التّاسعة والعشرين عاماً، يصبح عندها "ثبات في العمر"، يجعل من عمرها لا يتقدم أبداً مهما مرت الأيام والأعوام. بينما كانت هي خالدة ودائمة الشّباب، كان النّاس من حولها يشيخون، ويموتون. الأحداث مشوّقة وصادمة. عاشت أدالين في أكثر من زمن ومع عدة أجيال، ومع ذلك ابتعدت عن مخالطة النّاس والارتباط بهم، خوفاً من أن يكتشف أمرها.

هل الكتابة نوع من أنواع التّطهر كما يعتقد هنري ميلر، هل بإمكاننا أن نلفظ سمومنا الخاصة من الآلام والنكبات والهزائم والأخطاء على الورق حتى نستطيع الحياة بعد ذلك؟ أم هل يعدو ذلك مجرّد مبالغة لا علاقة تربطها بالواقع الصّادم، القاتم، المتوحش، والممعن في العمى؟... مجاز في رصيف22

كانت تعاني، خصوصاً بعد أن لاحقتها عدة جهات في البداية لاستغلال ما حدث لها. غيّرت اسمها مرات ومرات، كما غيّرت مكان إقامتها إلى أمكنة مختلفة، إذّاك دخلت في عزلة اختيارية عاشتها بعيداً عن سائر البشر. إلى أن تقابل آدالين رجلاً استثنائياً ومختلفاً، يعيد جذوة شغفها بالحياة والرومانسية. لاحقاً تدخل المستشفى جراء حادث سير خطير، صدمة كهربائية أرجعت لها مسار الشّيخوخة الطّبيعي، علاوة على الاطمئنان، والرّاحة النّفسية، خصوصاً حينما تكتشف ظهور شعرة بيضاء بين شعر رأسها.

في يوم آخر، وبينما كنت مستلقياً على السّرير، على شمالي الريموت كونترول، وجهاز تشغيل المكيّف، ونظارات القراءة، والكتاب ذاته غير المكتمل عن خوان غويتيسولو، وكتاب آخر عنوانه "الزّمن". على الشّاشة أمامي جينيرك فيلم Dalida، يبدأ الفيلم مباشرة بمحاولة انتحار الفنانة داليدا بفرنسا. ومع ذلك، أشعر مرة أخرى بوطأة وثقل الزّمن، كأنما هو مادة طيعة في يد الوباء، تتلاعب بها أنى شاءت؛ تمطط اللحظات المرعبة وتقلص اللحظات المبهجة! اختلط عليّ الماضي بالحاضر، الحاضر المستمر في قض مضجعي، والمستقبل الذي لم يجيء بعد.

الزّمن توقف في فترة الوباء، لا حركة، لا تحول، لا مكان، لا تغير، لا انتقال، لا تتابع، عدا أنّ الزّمن أضحى ينطوي على مأساة الموت بكل ما تحمله الكلمة من ثقل، ورهبة، وألم، وعذاب، وخلاص، وغيرها من المحمولات الأخرى الممكنة وغير الممكنة.

أفلام عن الثورة وحلم العودة إلى فلسطين

بينما كنت أتصفح فيسبوك مر علي إعلان ترويجي عن فيلم بعنوان "لما شُفتك.."، للمخرجة آن ماري جاسر، متاح للمشاهدة مجاناً لغاية هذا الخميس 9 سبتمبر. العديد من الهيئات والمؤسسات سمحت بمشاهدة الأفلام من دون مقابل خلال فترة الكوفيد_19. في الحقيقة استمتعت بمشاهدة أحداث الفيلم المشوقة، والتي دامت تقريباً ساعتين. بطل الفيلم طارق، يبلغ من العمر أحد عشر عاماً، فضولي، ذكي، وبارع في سرعة التّفكير الذهني والرّياضيات، يعيش مع والدته بمخيم اللاجئين في الأردن. كان غير راضٍ تماماً عن الظّروف القاهرة وصعوبة التّكيف وإكراهات الحياة بالمخيم. فضلاً عن رغبته الملحة في العودة إلى فلسطين، ولقاء أبيه. يهرب طارق فجأة من المخيم، يبقى طيلة أيام متتالية بين التّيه والضياع في طرق ودروب وعرة، إلى أن يعثر عليه بحالة مزرية في الخلاء فدائي فلسطيني غير بعيد عن مخيم التّدريب. يأخذه معهم، رويداً رويداً ينسجم مع مجموعة الثوار، ويعتاد الحياة هناك، يتلقى التدريبات. إلى أن تلتحق به أمه هناك، ومع ذلك يرفض الرجوع معها. لأنّه كلّه أمل في الرّجوع إلى فلسطين رفقة الفدائيين. وفي النّهاية بفضل روحه الحرة وطبيعته الفضولية وفطنته أيضاً، سيعانق حلمه، ويدخل أرض فلسطين.

الأفلام الوثائقية كان لها نصيب أيضاً، فقد شاهدت فيلماً وثائقياً عن يهود تونس من الغرانا إلى تل أبيب، وكيف تدرب اليهود الصّهاينة على القتال وحمل السّلاح في تونس استعداداً للذهاب إلى القتال في فلسطين لتأسيس دولتهم هناك. وكيف تمت معاملتهم هناك بدونية من قبل اليهود القادمين من الغرب الذين كانوا رافضين لقدومهم من البداية، لولا أنّ بن غوريون استنجد باليهود العرب كبروليتاريا بديلة للبروليتاريا اليهودية المقيمة بالغرب والتي تبخرت في أفران النّازية.

أفلام لم تكسر أفق انتظاري

كان كتاب غويتيسولو مقلوباً على سطح الطاولة البيضاء، لم أقربه. شغلت التلفاز، شرعت في مشاهدة فيلم Tombe Raider، وسماعات الموبايل على أذني، كانت ريم حقيقي تؤدي ببراعة أغنية أندلسية صوفية حول سيدي بومدين، أحيانا أرغب في أن أقوم بشيئين أو ثلاثة أشياء في الوقت عينه مثل إعلانات الشامبو: اثنان أو ثلاثة استعمالات في واحد، كما يتشدقون باستمرار على شاشات التلفاز ولوحات الإعلانات. على كل، الفيلم لم يكن في مستوى انتظاراتي، ومع ذلك واصلت مشاهدته. رائحة الشواء تسربت إلى الشقة، شعرت ببعض الجوع يتسلل من فتحتي أنفي إلى معدتي.

يومها تركت الموبايل جانباً، وأخذت الريموت كونترول، عثرت على فيلم K-PAX، حاولت أن أشاهده علّني أخرج بعض الشيء من الحالة العبثية التي أدخلنا فيها الوباء. لاحقاً، تابعت فيلماً آخر Kin، بينما كنت أقرمش كعك التّين مع كأس من الحليب.

إعادة اجترار أفلام مكررة

أعددت يومها قهوة مضبوطة، مع قطع الموز وكعك التين وكأس حليب، ثم استلقيت على الفراش وشغلت المكيف والتلفاز في ذات الوقت، وبدأت أقلب في القنوات، إلى أن عثرت على فيلم سبق وأن شاهدته وأعجبني، فقررت إعادة مشاهدته، كان عنوان الفيلم The Ghost Writer، على كل استمتعت مرة أخرى برؤية ومشاهدة الفيلم مجدداً كما لو أشاهده للمرة الأولى.

كما كررت متابعة أحداث فيلم Crazy, Stupid, Love، كنت قد شاهدته قبل يوم فقط من ذلك، فلا شيء مهم أقوم به، وجلّ البرامج التي تعرض على التّلفاز مملة وبائتة، لا امتلك خياراً آخر غير الاستمرار في متابعة هذا الهراء الذي يعرض على شاشة التّلفاز.

أتذكر في يوم آخر، بعد أن فرغت من تناول وجبة الغداء قبل نصف ساعة، كنت ارتشف من فنجان القهوة وأقضم من كعك القرفة، وبين الحين والآخر آكل حبة كرز وقطعة صغيرة من الموز وحبة جوز من الصحن الخزفي على الطّاولة، وفي ذات الوقت أتابع في فيلم Tracers، سبق وأن شاهدته، مضى وقت طويل على ذلك، ومع ذلك ها أنذا أعيد متابعته لملء بعض فجوات الزّمن الثّقيل ورتق ثقوبه الموغلة في تذكيرنا باستمرار بالوحدة والضّجر اللذين يحوطاننا من كلّ الجهات في زمن الوباء.

الأمر ذاته تكرر معي عدة مرات، بينما كان ستار الغرفة مسدل، ها أنذا أتابع الآن في فيلم The Tourist، طرداً للملل والكآبة. سبق وشاهدت الفيلم، ومع ذلك أعدت متابعته، ببال مشغول وذهن مشتت. تراودني الآن جملة تساؤلات مقلقة: هل الكتابة نوع من أنواع التّطهر كما يعتقد هنري ميلر، هل بإمكاننا أن نلفظ سمومنا الخاصة من الآلام والنكبات والهزائم والأخطاء على الورق حتى نستطيع الحياة بعد ذلك؟ أم هل يعدو ذلك مجرّد مبالغة لا علاقة تربطها بالواقع الصّادم، القاتم، المتوحش، والممعن في العمى؟

ترجع بي الذاكرة لما عدت أدراجي إلى شقتي، كان الجوّ يومها أشبه بقطعة من الجحيم سقطت سهواً على كوكب الأرض، قيظٌ قائظٌ ورطوبة خانقة، كنت أتصبب عرقاً في الطّريق، وجسدي مبلل بالكامل، فضلاً عن ذلك، المدينة يومها غارقة في القمامة بعد إضراب عمال النظافة. وصلت إلى شقتي على السّاعة الثّانية ونصف زوالاً، تخلصت من ملابسي وأخذت دشاً منعشاً، جففت جسدي، شربت قهوتي، وقارورة مياه معدنية كاملة، وأكلت قطعة آيس كريم فانيلا. وبعد نصف ساعة استلقيت كجثة منهكة على السّرير. على الشّاشة يعرض فيلم Hulek، لم أكن أستسيغه قط، ومع ذلك لم أغيِّر القناة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard