ضفادع نعيمة وموازين العقّاد ودعابات تقيّ الدين والقرش

الثلاثاء 26 أكتوبر 202112:22 م

كتب عبّاس محمود العقّاد مقدمة كتاب "الغربال" النقدي لصاحبه ميخائيل نعيمة؛ وهو كتاب يتضمّن مقالات تتناول -من ضمن ما تعالجه من قضايا أدبيّة- كتابَي "الديوان" و"الفصول".

وإن كان الكتاب الأول من وضع إبراهيم عبد القادر المازني والعقّاد، فإنّ الثاني مجموعة مقالات تخصّ هذا الأخير. ولمّا كان نعيمة يعرب عن نفوره من الموازين النقديّة المنصوبة والمقاييس الأدبيّة وتحديد المراتب والمقابلات، فإنّ سعيد تقيّ الدين يفصح عن كراهيته للاستفتاآت الأدبيّة بوصفها لا تخلو من الضبابيّة، ويتقاسم معه سعد القرش النفور من العبارات الجاهزة التي باتت مبتذلة في استسهال استخدامها.

ينطلق نعيمة من مثل شعبيّ لتفسير عنوان كتابه، ولرسم نهجه تالياً. وفي المثل: "من غربل الناس، نخلوه"؛ فويل للناقدين لأنّ الغربلة ديدنهم. إنّما ما يغربلونهم ليس الناس بشخوصهم، بل ما يدوّنونه من أفكار وشعور وميول، أي غربلة الآثار الأدبيّة لا أصحابها، مع تشديده على هذا المعيار.

ومحكّ نقدي آخر بمنزلة نبراس له يوجزه في ما يأتي من بلاغة كلام دالّ: "الكاتب قلب يخبّر، وعقل يفكّر، وقلم يسطّر. فحيث لا شعور فلا فكر. وحيث لا فكر فلا بيان. وحيث لا بيان فلا أدب". وعلى ذلك لا يجد حاجة إلى عقد المقابلات بين الأدباء، وتحديد مراتبهم مثلما يفعل غيره من النقاد. في هذا المنحى نظرة متقدّمة بالانتقال من النقد إلى القراءة، وإلى تجربة القارئ العادي.

لمّا كان ميخائيل نعيمة يعرب عن نفوره من الموازين النقديّة المنصوبة والمقاييس الأدبيّة وتحديد المراتب والمقابلات، فإنّ سعيد تقيّ الدين يفصح عن كراهيته للاستفتاآت الأدبيّة بوصفها لا تخلو من الضبابيّة

نقد النقد

يثني نعيمة على اتجاه كل من المازني والعقاد في نقدهما لأحمد شوقي والمنفلوطي على وجه الخصوص، بعدما حسب أنّ ما تنتجه مصر من نقد ليس إلا تعبّداً لزخرف الكلام ورصف القوافي وتزميراً لبهلوان.

غير أنّه اكتشف أنّ "مصر مصران لا واحدة. مصر ترى البعوضة جملاً... ومصر ترى البعوضة بعوضة... إنّ مصر تصفّي اليوم حسابها مع ماضيها". ويقول إنّه حين بدأ بمطالعة انتقاد العقّاد لشوقي، ظنّ أنّ فيه نزقاً وتحاملاً وإغراقاً في التنديد، كأنّ للرجل ثأراً عند الشاعر.

لكنّه حين قرأ قصيدة "ريشة صادق" استغفر العقّاد، وأدرك أنّ الناقد أراد من خلال نقده شوقي أن يطال من ورائه كلّ الذين حاك الجهل أو التزلّف على بصائرهم نقاباً كثيفاً؛ فبغيته تمزيق هذا النقاب ليس إلا. وبعد تثمين هذا التبصّر النقدي، يأخذ على الناقدين المصريين وخزهما في شخصيّات من ينتقدانهم، متمنياً لو ترفّعا عن ذلك لما كان على "الديوان" من غبار لوم وتثريب.

جاءت السطور السابقة على ذكر كراهية نعيمة لتحديد مراتب الكتاب والشعراء والمقابلة بين واحدهم والآخر، فيقول إنّه لو عثر على كاتب له الصفات التي ارتآها، من مجموع قلب وعقل وقلم، لشكر ربّه وترك للقارئ مهمّة المقارنة والمفاضلة والمحاسبة.

"مصر مصران لا واحدة. مصر ترى البعوضة جملاً... ومصر ترى البعوضة بعوضة... إنّ مصر تصفّي اليوم حسابها مع ماضيها"

هذا يعني أنّه انتبه مبكراً إلى تجربة القارئ الفرديّة باندراجها في تجربة النص؛ فيوضّح: "تقديرك الكاتب منوط بما تقرأ من نفسك وعنها في سطوره، لا بما يقرؤه سواك. فربّ كتاب أطالعه فألفيه ترديد أصداء بعيدة... ويطالعه سواي فيرى في كلّ سطر من سطوره فكراً جديداً وعاطفة جميلة. والعكس بالعكس".

على الرغم من تثمين نعيمة تبصّر العقّاد النقدي ومكانته، خالعاً عليه الصفات التي أوجزها سابقاً، فهو لم يتخلَّ عن دوره النقدي الجدلي. فيقول: "إنّ من شاء مجادلة العقّاد لا يعدم مأخذاً بل مآخذ لذلك. لكنّه لا يسعه إلا الاعتراف لهذا الكاتب بالإخلاص لنفسه ولقارئه".

غير أنّ سعيد تقيّ الدين يحمل على النقاد الذين لا يفهمون الفنّ المسرحي ويخشون الاعتراف بجهلهم. ويخصّ بالذكر سعيد فريحة، رئيس تحرير جريدة "الصيّاد"، حين انتقد مسرحياته؛ ويعقّب بالقول: "أحلم بأن أسمع من أديب عربي قوله (لا أعرف)... حينما يتناول بعض حملة الأقلام بيننا النقد، لأجمل بالواحد منهم أن يتثبّت من نفسه المقدرة على النقد".

ضفادع الأدب

يحيل "نقيق الضفادع"، وهو عنوان لأحد فصول "الغربال"، إلى ملهاة "الضفادع" للأثيني أريستوفان، بوصفها نصّاً أدبيّاً في نقد الشعر، طبيعة ووظيفة. ذلك بعد أن خلت أثينا من الشعراء برحيل كبارها وأصبحت تعجّ بالمستشعرين؛ فقرّر ديونيسوس إله المسرح النزول إلى عالم الموتى لإعادة يوريبيدس إلى عالم الأحياء.

إنما يقوم الأول بدور الحكم بين هذا الشاعر وخصمه أسخيليوس، وقد طلبا الاحتكام إليه لتزكية أحدهما للتربع على عرش المأساة. في حين أنّ نعيمة لا يعرّج على الملهاة الإغريقيّة وصاحبها، بل يذكر ملهمه نسيب عريضة بديوانه "الأرواح الحائرة"، وقد استلهم منه هذا التعبير، مفرّقاً بين ضفادع عريضة و"ضفادع الأدب" التي اقترحها توصيفاً للضجيج الذي يحدثه المتأدّبون.

"أحلم بأن أسمع من أديب عربي قوله (لا أعرف)..."

في هذه المقالة يستمر جدل الأسبقيّة للفظ أو للمعنى؛ فيقدّم نعيمة الأفكار والعواطف على اللغة بوصفها نحواً ومعجماً وصرفاً. فيقول إنّ القواميس ما أحدثت يوماً ثورة ولا أوجدت أمّة. وإنّ القصد من الأدب هو الإفصاح عن عوامل الحياة كلّها كما تنتابنا.

هنا يبرز الاختلاف بينه وبين العقّاد، وقد أوضح رأيه في مقدمة "الغربال". فيقول: "الكتابة الأدبيّة فنّ، والفن لا يُكتفى فيه بالإفادة ولا يعني فيه مجرد الإفهام... مجاراة التطوّر فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أنّ اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها في طريقنا". 

لكنّه يعود ليؤكّد أنّ الخلاف بينهما هو في مستوى التطبيق لا في الجوهر، مثمّناً أعمال كتاب الأميركيّتين (أدباء المهجر اللبنانيين) وقد ذهبوا بالحريّة اللفظيّة إلى أبعد من مداها. ويظهر أنّه ليس بعيداً عن الحداثة، ويعلم تمام العلم ما تجلبه الآراء المستحدثة على أصحابها من الغضب، مشيراً إلى جرأة نعيمة.

بين الأرض والسماء وعلى حنفية ماء

يعبّر تقيّ الدين عن رأيه في الأسئلة التي توجّهها الصحف اللبنانيّة للكتاب. فيقول إنّه لو نُصّب ديكتاتوراً أدبيّاً لمنع البحث في الأدب، وأخصّه النقد بعد أن تلوّث بالغرض. يأتي هذا الحنق على أثر طرح السؤال: لمن ولماذا يكتب؟ فيورد قصة طريفة عن صفع الجنود اليابانيين لأي سجين يبطئ في الإجابة، ويردّ ذلك إلى تعليل البطء بالكذب.

"الكتابة الأدبيّة فنّ، والفن لا يُكتفى فيه بالإفادة ولا يعني فيه مجرد الإفهام... مجاراة التطوّر فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أنّ اللغة لم تخلق اليوم فنخلق قواعدها وأصولها في طريقنا"

ليتوصّل إلى فهم الحقيقة بأنّها أبداً جاهزة. وعليه، فالإجابة الحقيقيّة عن سؤال مماثل ستكون: "لست أدري". وفيما ينكر أهميّة النقد -ولعلّه يستنكر طرقاً ساذجة- نجده يرسّخه في مقالاته، وفي هذا الموقف تحديداً؛ فينتهي إلى أنّه يكتب حين تهيب به حادثة ما، أمّا اللمعة فلا يعرف كيف تأتي، ليظل التدوين جهداً جسديّاً يرغم نفسه عليه.

لم يوفّر تقيّ الدين جهداً في رعاية الأدباء الناشئين أمثال علي أحمد سعيد الذي اتخذ اسم "أدونيس". بقدر ما كان رؤوفاً بالشعراء الموهوبين الناشئين وهو ينتقد نتاجهم ويصوّبه، فقد كان قاسياً مع البالغين الذين لا يفقهون من الشعر إلّا نظمه.

فيردّد: "أهذا شعر؟!"، وهي عبارة اشتهرت عنه حين كان يقولها كلّما نظم أستاذه ورئيس الدائرة العربيّة في الجامعة الأميريكية، أنيس الخوري المقدسي، حلقة من سلسلة قصائده: "وقفة على بردى"، "وقفة على النيل"، "وقفة على التايمز". ولما كثرت الوقفات، نظم سعيد قصيدته الساخرة بعنوان "وقفة على حنفيّة ماء"، ونشرها في مجلة "العروة الوثقى" التي كان يرأس تحريرها.

كما يفرّق بين العلم بما هو وضعي بحت لا يتأثّر بإقليم، وبين الأدب الذي ينبغي ألا يتملّص من طابع الإقليم. وفيما هو لا ينكر أهمية أن يكون الأدب إنسانيّاً وعالميّاً، يؤكّد ضرورة عدم اتصافه بالدخانية الحائرة، ليحلّق من الوهم بين الأرض والسماء. بحيث إنّ حياتنا مطبوعة على شكل العالم المادي الذي يحتويها، وفق برغسون.

في وداع مهنة الصحافة "بيّاعة الفحم"

غالباً ما كان النقد الأدبي ينشر في الصحف والمجلات، لتجمع المقالات لاحقاً في كتاب. فللصحافة دور جليل ورائد في هذا المجال. لكن حين تختصّ بنشر أخبار المآدب والأعراس والمآتم والانتصارات المدرسيّة، وتخصّص صفحاتها الأولى لصور مأدبات الاجتماعات لا توصياتها ونتائجها، فتجد طريقها إلى ما وصفها به تقيّ الدين بأنّها "بيّاعة فحم".

لو رجع المؤرّخ بعد خمسين سنة إلى صحفنا لأيقن أنّ أعظم أعمالنا في هذا الجيل هو الأكل، الأكل الذي لم يعد وسيلة للاجتماع بل غاية في نفسها

يقول: "لو رجع المؤرّخ بعد خمسين سنة إلى صحفنا لأيقن أنّ أعظم أعمالنا في هذا الجيل هو الأكل، الأكل الذي لم يعد وسيلة للاجتماع بل غاية في نفسها". ويتابع بأنّه لو أعطي أمر الإشراف على الصحافة لوضع الرقابة على التفاهة، ليتلف أنباء المآدب وغيرها مما يعدّده. فالأعمدة البيضاء التي تظهر نتيجة الحذف، أقلّ ضرراً من أن تبقى سوداء بمثل هذا الفحم.

هذا الكلام يحيل إلى ما عبّر به سعد القرش - في تهكّم مماثل - في نعيه لمهنة الصحافة في كتابه "قبل تشييع الجنازة- في وداع مهنة الصحافة"(2020)؛ حيث يقول: "لنفترض هبوط كائن فضائي، واطلاعه على 50 مطبوعة، أو صعود هذه العبء "الورقي" ثقيل الوزن خفيف المضمون إليه، فهل يتخيّل أن لمصر علاقة بمحيط اسمه العالم العربي؟".

ويؤكّد أنّ مهنة الصحافة التي ارتبطت بالحداثة والتطوّر، باتت تعمل على شراء الزمّار والمزمار، ويردّد مع أحمد شوقي قوله: "لكلّ زمان مضى آية/ وآية هذا الزمان الصحف". ولا يريد القرش (رئيس تحرير مجلة "الهلال" سابقاً) لما ينشر على صفحاتها أن يُنعت بوصف تلخصه كلمتا "كلام جرايد"، وما يعني الناس يبقى غلياناً مكبوتاً يصحّ فيه ما قاله عالم الاجتماع سيد عويس: "هتاف الصامتين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard