"تلقّيت تهديدات بالسجن، والسحل، والقتل"... حصار افتراضي لمعارضي سعيّد

الثلاثاء 19 أكتوبر 202102:35 م

رَفَع، يوم الأحد 3 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، أنصار الرئيس التونسي قيس سعيّد لافتةً تحت عنوان "القائمة الأولية للخونة"، تضمّنت أسماء عدد من معارضي تدابير الرئيس سعيّد الاستثنائية، التي أعلنها يوم 25 تموز/ يوليو الماضي، وجمّد بموجبها البرلمان، ورفع الحصانة عن نوابه كافة، وأقال رئيس الحكومة السابق، هشام المشيشي.

وتشهد تونس، منذ ذلك التاريخ، انقساماً حاداً في صفوف الطبقة السياسية والشارع، بين مؤيّدي إجراءات سعيّد، الذين عدّوها تصحيحاً للمسار، وبين معارضيها الذين وصفوها بالانقلاب على الدستور، إذ يتداول الطرفان على التظاهر، كل يوم أحد، في شارع الحبيب بورقيبة "الرمز"، كلٌّ للدفاع عن موقفه.

وصلتني من شخص كانت تجمعني به علاقة طيبة، رسالة ينبهني فيها إلى أن "سعيّد رئيسنا... التزمي الصمت، وردّي بالك (احذري)". حصار إلكتروني لمنتقدي قرارات سعيّد في تونس

لم يقتصر هذا الانقسام والخلاف على الميدان، بل تحول الصراع إلى العالم الافتراضي، ووسائل التواصل الاجتماعي، إذ يواجه معارضو قيس سعيّد حملات تشويه واسعة النطاق، بسبب رفضهم خطوات الرئيس فحسب، وفق تأكيدهم.

"رأيتُ في تدابير سعيّد، وأنا لا أنتمي إلى أي خط سياسي، أو حزبي، تهديداً لمكتسبات الثورة، وللحريات العامة، ورأيت فيه شخصاً يسعى إلى الانفراد بالسلطات كلها، وهذا سيحيلنا على الدكتاتورية، والقمع، والاستبداد، الذين عشناهم طيلة 23 سنة مضت مع النظام السابق"، تقول الناشطة الإعلامية والسياسية فادية ضيف، لرصيف22.

تهديدات ومضايقات

فور إعلانه قراراته، عارضتها فادية مباشرةً، وعبّرت عن موقفها على صفحتها على فيسبوك، فتلقت كميات هائلة من التعليقات المسيئة، والبذيئة، والتهديدات، والمضايقات، من بينها رسالة يوم 26 تموز/ يوليو الماضي، من شخص كانت تجمعها به علاقة طيبة، ينبهها فيها إلى أن "سعيّد رئيسنا... التزمي الصمت، وردّي بالك (احذري)"، تضيف.

عادةً، تنشر ضيف الرسائل البذيئة التي تصلها على صفحتها، ولكنها فضّلت هذه المرة الامتناع عن ذلك، احتراماً لمتابعيها من العائلة والأصدقاء المقربين، فيما قامت صديقتها المحامية بمعاينة هذه الرسائل، "حتى أحمي نفسي، لأن المسألة تكرّرت، واستمرت، وصارت تمس أسرتي وشرفي"، تؤكد.

تستغرب فادية من "كمية العنف والتطرف المخيفة التي تتضمنها الرسائل التي تصلها هي وأصدقاءها الذين عارضوا إجراءات الرئيس"، وتشدد على أنها فقدت علاقات صداقة عدة مقربة، "فقط لأني خالفتهم الرأي، وللأسف هم يرحبون بهذه الدكتاتورية الصاعدة"، حسب تعبيرها.

وتتابع ضيف: "أصبحنا نخاف من الحديث والتعبير عن آرائنا عبر الهاتف، أو واتساب، أو مسنجر، ونهرب إلى تلغرام. عدنا إلى الخوف من المنظومة البوليسية القديمة، وما يحدث افتراضياً هو نوع من الهَسْترة غير الطبيعية، حتى وصلنا إلى مرحلة غير مسبوقة من الانقسام داخل المجتمع التونسي".

وعلى الرغم من ذلك، تؤكد فادية أنها قررت الاستمرار، لأن "جدار الخوف سقط يوم 14 كانون الثاني/ يناير 2011، ولن يعود، والتحدي اليوم في تونس، هو المحافظة على مكتسبات الثورة، وأهمها حرية الرأي والتعبير".

وترى أن التشويه الافتراضي للمعارضين، "هو نتيجة حتمية لانتشار الخطاب العنيف الصادر عن مؤسسة رئاسة الجمهورية التي من المفترض أن تكون المثل الأعلى، والمجمعة والموحدة للشعب، والتي تتحدث بـ'نحن'، و'هم'، ونتيجة أيضاً للعنف المتبادل الذي كان منتشراً داخل البرلمان، بين مختلف النواب، وممارسة إعلامية غير محايدة، وغير أخلاقية".

وتحمّل الناشطة الإعلامية والسياسية الرئيس قيس سعيّد، ومنظومته، مسؤولية تصاعد العنف الافتراضي ضد معارضيه، والانقسام داخل الشعب التونسي الموحّد.

كما تشير إلى "استخدام سعيّد القضاء العسكري، لمحاكمة إعلامي، وسجنه، بسبب قراءته قصيدة في برنامجه التلفزيوني، بينما يرى أمامه ناشطين، وأشخاصاً، وصفحات، يتحدثون باسمه، ويحرّضون على سجن معارضيه وسحلهم، والانتقام منهم، ويحرقون الدستور، ويصمت، ولا تتم محاسبتهم قانونياً"، تقول.

بدوره، يُعدّ الأكاديمي والناشط السياسي، الأمين البوعزيزي، من أشد معارضي تدابير سعيّد الاستثنائية، إذ كرّس صفحته على فيسبوك، والتي حُجبت مرات عدة، لنقد ممارسات الرئيس، وللدعوة إلى التظاهر ضده، ودعم الاحتجاجات المنادية بإسقاط ما يعدّه "انقلاباً على الدستور".

أسلوب شعبوي

يقول البوعزيزي، لرصيف22، إن معارضته لإجراءات الرئيس، "ليست خصاماً أيديولوجياً، وإنما هي معارضة للأسلوب الشعبوي الذي اعتمده سعيّد، لأنه لم ينقلب، كما يقال، على البرلمان والحكومة، بل انقلب أولاً على الشارع المنتفض، لأنه (الرئيس) من النظام الذي تحرّك لإنقاذ نفسه، بعد عجز الحكومة والبرلمان عن ذلك".

ويرى أن أخطر ما يُشِيعه "الانقلاب الشعبوي، هو تضليل الرئيس للجمهور الملتحم به، وكأن الخلاص بيده، وما يفعله هو الحل، والتفاته إلى النخب التي تكسر جدار الخوف، وتعلن المواقف، ليقوم بترذيلها (النخب)".

ويقول: "إذا أظهرت الثورة التونسية أعظم ما في الناس من تضامن ومحبة، فإن الشعبوية أظهرت أبشع ما فيهم من تناحر، وأصبح التونسيون يعيشون اليوم حرباً أهلية كلامية افتراضية، ندعو الله ألا تتحول إلى الميدان"، وفق قوله.

لا تمر مواقف البوعزيزي الصريحة على صفحته على فيسبوك، من دون انتقادات لاذعة من أنصار سعيّد، "فكل من يعبّر عن موقفه، يتعرّض للّعن، والسب، والتخوين، واتهامه بالانتماء إلى طرف سياسي معين"، يؤكد.

ويستحضر بعض التعليقات التي تتهمه بتقسيم الشعب، وأخرى بالبعد عن القضايا الرئيسية والمصيرية للشباب العاطلين عن العمل، وبالصمت عندما عمّ الفساد البلاد، فيما حملت بعض التعليقات تهديدات عنيفة وخطيرة تقول إحداها: "لو كان مراد الثالث، لقطع رأسك قبل أن تكتب خزعبلاتك المهادنة للتكفيريين والفاسدين الذين سرقوا ثورة الجياع...".

ينتقد البوعزيزي ما قال عنه "زَعْمَ الرئيس قيس سعيّد احترامه الحريات، في الوقت الذي استولى فيه على السلطات كافة، وصمت أمام ما يجري من انتهاكات أنصاره، وهيجانهم، وإعدادهم قوائم خونة، ما يعني استباحة دماء المعارضين"، وحمّل سعيّد مسؤولية ما يحدث من تحريض ضد المعارضين كله، وما يجري من جرائم في تونس، وأولها الإمساك بالسلطات كلها في يده، وتخوين من يعارضونه كلهم".

خطر جاثم

ويقول: "تحدث الرئيس عن خطر جاثم يهدد البلاد، ولكن ليس ثمة ما هو أخطر منه عليها، لأنه يهدد وحدتها، ووحدة مجتمعها، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية كلها، لأنه أخذ موقع الرئيس المنقلب المعزول داخلياً وخارجياً، ويستنصر بجمهور هائج غرائزي، لأنه لا يخاطب عقول أنصاره، بل غرائزهم، وهو يثير أحقاداً أكثر من إثارة العقل والحالة ثورية"، حسب تعبيره.

من جهته، يرى الناشط السياسي المستقل، حاتم قزاح، في تدابير الرئيس التونسي، "انقلاباً على الدستور، وتجميعاً للسلطات كافة بيد شخص واحد، ومحاولة إخضاع مؤسسات الدولة، والعودة بتونس إلى ما قبل 2011، بالقضاء على الديمقراطية".

ويؤكد لرصيف22، أن أي محاولة إصلاح للواقع السياسي تحتاج إلى مسار مشترك يجمع أكبر عدد ممكن من الطيف السياسي والاجتماعي في تونس.

جرّاء تعبيره عن موقفه على صفحته على فيسبوك، يقول قزاح، إنه تعرض إلى هرسلة (تحرش) ممنهجة، "تضمنت السبّ، والشتم، والتخوين، واتهامات بالولاء لجهات خارجية، وتوعّد بالملاحقة، والغريب في الأمر أنها من أناس تربطنا بهم علاقات أسرية جيدة، ومن بينهم جيران وأصدقاء مقربون"، يضيف.

أساليب النظام السابق

ويقول: "تلقيت تهديدات بالسجن، والسحل، والقتل، وبالقضاء على معارضي الرئيس قيس سعيّد كافة، بتهم كلاسيكية جاهزة، فنحن في نظر أنصاره، فاسدون، ومرتزقة، وخونة، وإرهابيون، وعملاء للخارج، وهي ممارسات للأسف تذكّرنا بأساليب النظام السابق الدكتاتوري".

ويصف هذه السياسات الافتراضية المتّبعة لملاحقة معارضي سعيّد، بالخطيرة جداً، وغير المسبوقة في تاريخ البلاد، والتي تزرع التفرقة بين الشعب التونسي الموحد والمتجانس، محذراً من تداعياتها الخطيرة، ومن بينها انتشار مظاهر العنف على مستوى الشارع التونسي الذي سيضرب السلم الاجتماعي الذي تميّزت به تونس، والثورة التونسية.

التوجهات العامة للميديا الجديدة، تؤسس، في العمق، لانتشار ثقافة العنف والتنمّر في تونس، وتدفع إلى التحرّش بمعارضي سياسات الرئيس قيس سعيّد

ويرى حاتم قزاح، أن حملات التشويه الافتراضية المسلّطة على معارضي سعيّد، هي نتيجة "فشل نخبة سياسية طوال الأعوام العشرة الماضية، في تقديم أولويات المجتمع التونسي على حساباتها الحزبية الضيقة، بالإضافة إلى تعميق أزمة كورونا للفجوة بين المجتمع والسياسيين".

ويرى أن الرئيس التونسي ما هو إلا "مجرد انعكاس لهذه الفجوة، ولحالة التعبئة التي حدثت بين مختلف العائلات التونسية، وأنصارها، وأنه غير بريء، وهو المسؤول الأول عن تقسيم المجتمع التونسي، من خلال خطاباته التأجيجية، والشعبوية، إلى جانب حاشيته التي تضلله"، وفق تعبيره.

كما يحمّل أنصاره المسؤولية، ويؤكد على ضرورة المحاسبة القانونية للمعتدين افتراضياً على مواقع التواصل الاجتماعي بحق المعارضين، كلهم.

حرب إلكترونية

توضح الباحثة في الاتصال السياسي، سمية بالرجب، أن فترات الأزمات السياسية في تونس، في السنوات العشر الماضية، تميزت بظهور ما يُعرف بالحرب الإلكترونية التي جاءت كشكل متطور من حرب الموجات، وحرب الصور التلفزيونية.

وأشارت إلى الجدل الكبير في الفترة الأخيرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصةً منها فيسبوك، وتويتر، وإلى حرب التعليقات بين مناصري الإجراءات الاستثنائية لرئيس الجمهورية، بعد قرارات 25 تموز/ يوليو، وبين معارضيها من مناصري الأحزاب الحاكمة الممثلة في البرلمان التونسي المجمّد.

"تلقيت تهديدات بالسجن، والسحل، والقتل. نحن في نظر أنصاره فاسدون، ومرتزقة، وخونة، وإرهابيون، وعملاء". اعتداءات إلكترونية على منتقدي الرئيس التونسي

وأضافت بالرجب، في تصريح لرصيف22، أن هذا الجدل تطور إلى "منافسة واضحة بين الصفحات الفيسبوكية المؤيدة لقرارات الرئيس، والصفحات الفيسبوكية المؤيدة لحزب حركة النهضة، في نشر مواقف متضادة، تميزت ببث خطاب الكراهية، والتنمّر، والتكفير، والثلب، والشتم، ضد بعض الشخصيات التي ظهرت في الصورة، في الآونة الأخيرة، كشخصيات مناوئة للفترة الانتقالية الجديدة في المشهد السياسي التونسي.

وترى أنه، وإن كانت مواقع التواصل الاجتماعي تجمع بين الخطابَين المتضادين، فإنها تؤسس بنشر خطاب معيّن لحراك الشارع الذي ظهر في صورة نداءات فيسبوكية، ثم تحوّل إلى مسيرات ومظاهرات تميّز بعضها بالعنف، والسب، والشتم.

وتتابع، "وهو ما يحيلنا إلى قوة التجييش الاتصالي، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرتها على التأثير في التوجهات العامة للجماهير، وأثرها الكبير في تحويل ما يحدث داخل الفضاء الافتراضي، إلى ظواهر واقعية تتجسد في الميادين، وهو ما يطرح السؤال التالي: "هل نحن إزاء عصر اتصالي ينتصر فيه البعد الافتراضي على قوة العقل العميق والمستقل للأفراد؟".

وحسب بالرجب، فإن التوجهات العامة للميديا الجديدة، تؤسس في العمق لانتشار ثقافة العنف، والتنمّر، وهو ما يفرض على وسائل الإعلام التقليدية، والنخب المثقفة، "تحديات كبرى، لخلق توازن معيّن، مع ما يُنشر في الفضاءات الإلكترونية، من خلال نقدها، وإدانة بعض الممارسات العنيفة، وتوعية المتلقي بضرورة الابتعاد عن تيارات الدعاية والتجييش السياسي، والنأي بالنفس عن ممارسات العنف اللفظي المتجسد في التعليقات، والعنف الرمزي المتجسد في الصور والإيحاءات".

وتشدد على أن الاستقطاب السياسي، من خلال قنوات الاتصال المختلفة، سواء أكانت كلاسيكية، أو حديثة، لا يمكن أن يمثّل في الوقت الراهن، سوى ظاهرة خطيرة يجب على الجمهور العريض أن يتفطن لأثرها، ويتحاشى الانجراف في تيارها القوي، "فانجراف الجماهير في تيارات الدعاية السياسية، يطرح جانباً أخلاقياً ومعنوياً لا بد من مراعاته في التعبير عن الآراء والأفكار"، تختم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard