موعود بني أمية وعدو المهدي المنتظر... شخصية السفياني في روايات السنة والشيعة

الثلاثاء 10 مارس 202003:51 م

على الرغم من تعدد الشخصيات الأسطورية التي اشتهرت في التاريخ الإسلامي، فقد حظيت شخصية السفياني، على وجه التحديد، بأهمية كبرى في العقل الإسلامي الجمعي. فمن جهة ورد ذكر مجموعة من أوصافها وسماتها في بعض المصادر السنية الحديثية والتاريخية المهمة، ومن جهة أخرى قدمتها المصادر الشيعية الإمامية شخصية موازية لشخصية المهدي المنتظر.

ولعب هذا الزخم الأسطوري الذي أحاط بشخصية السفياني دوراً مهماً في إدخالها الحيز السياسي العام، إذ ارتبطت شخصيات ثورية عدة باسم السفياني، وحاولت أن تستفيد من الروايات والأحاديث التي وردت بشأنه.

السفياني عند السنة بين الإثبات والنفي

مع أن شخصية السفياني تُعدّ من الشخصيات المهمة في أحداث آخر الزمان في الثقافة الشيعية على وجه الخصوص، لكنها ظهرت كذلك في العديد من الأحاديث والروايات التي وردت في المصادر السنية.

هناك اتفاق بين تلك المصادر على انحدار السفياني من الفرع الأموي، وبالتحديد من نسل أبي سفيان بن حرب، وأنه - أي السفياني- سيحارب العباسيين.

على سبيل المثال، يذكر المتقي الهندي في كتابه "كنز العمال" أن الرسول قد تحدث عن بني العباس ودولتهم ذات يوم، ثم التفت إلى أم حبيبة بنت أبي سفيان وقال: "هلاكهم على يدي رجل –يقصد السفياني- من جنس هذه".

على الرغم من كثرة الروايات حول السفياني في المتون الحديثية والتاريخية السنية، فإن هناك اتجاهاً قوياً للتقليل من شأنها بالقول إنها ما ظهرت ولا انتشرت إلا تلبيةً لبعض الدواعي  السياسية الطارئة.

بعض الروايات السنية اهتمت بذكر تفاصيل عن مكان خروج السفياني، وأتباعه وأفعاله. ويورد أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في كتابه "المستدرك على الصحيحين" رواية منسوبة إلى الرسول جاء فيها: "يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء أو يقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها...".

وينقل نعيم بن حماد المروزي في كتابه "الفتن" رواية أخرى منسوبة لعلي بن أبي طالب، يقول فيها: "السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة بوجهه آثار جدري وبعينه نكتة بيضاء يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له وادي اليابس، يخرج في سبعة نفر مع رجل منهم لواء معقود يعرفون في لوائه النصر يسير بين يديه على ثلاثين ميلاً لا يرى ذلك العلم أحد يريده إلا انهزم".

وعلى الرغم من كثرة الروايات حول السفياني في المتون الحديثية والتاريخية السنية، فإن هناك اتجاهاً قوياً للتقليل من شأنها بالقول إنها ما ظهرت ولا انتشرت إلا تلبيةً لبعض الدواعي السياسية الطارئة.

كان من أوائل من شكّك في تلك الروايات عالم الأنساب مصعب الزبيري في كتابه "نسب قريش"، حيث ذكر أن خالد بن يزيد بن معاوية كان أول من روّج لأحاديث السفياني، بالقول: "زعموا أنه هو الذي وضع ذكر السفياني وكثره، وأراد أن يكون للناس فيهم طمع، حين غلبه مروان بن الحكم على الملك، وتزوج أمه أم هاشم...".

ومن أعلام أهل السنة الذين وافقوا الزبيري في هذا الأمر المحدث الشهير ابن حجر العسقلاني الذي يقول في كتابه "تبصير المنتبه بتحرير المشتبه": "السفياني المذكور في كتب الملاحم والفتن ويخرج في آخر الزمان يقال إن بعض آل أبي سفيان وضع خبره لما زالت دولتهم".

أما المؤرخ المملوكي المعروف ابن تغري بردي فيذكر في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة": "وقيل إنه –أي خالد بن يزيد- هو الذي وضع حديث السفياني أنه يأتي في آخر الزمان...".

ابن تغري بردي

وفي العصر الحديث، انتقد بعض الباحثين فكرة السفياني وشرح عوامل ظهورها وأسباب انتشارها، ومنهم المفكر المصري أحمد أمين في كتابه "ضحى الإسلام" عندما ربط بين فكرتي السفياني والمهدي المنتظر.

المفكر المصري أحمد أمين

يقول أمين: "انتشرت في العصر الأموي فكرة المهدي المنتظر، وكان أكثر دعاة المهدي من الشيعة، ورأينا لبعض البيت الأموي مهدياً آخر لا يسمى المهدي، ولكنه يلقب بالسفياني، وذاعت أخبار السفياني هذا في البيئات الأموية وغيرها، وكان السفياني المنتظر كالمهدي المنتظر".

عند الشيعة... العدو الرئيسي للمهدي المنتظر

إذا كانت اختراع شخصية السفياني يُنسب للأمويين من أجل خدمة بعض أهدافهم السياسية، فسنجد أن الذهنية الشيعية استثمرت ذلك الاختراع، وطوّرته وأعادت صياغته خدمة لمعتقداتها وسرديتها الخاصة.

تحظى شخصية السفياني بمكانة مهمة في أحداث آخر الزمان وفق الاعتقاد الشيعي الإمامي الإثني عشري، وبحسب هذا الاعتقاد فإن السفياني سيكون قائد معسكر الشر والظلم والجور، فيما سيقف محمد بن الحسن العسكري –مهدي الشيعة الغائب- على رأس المعسكر المطالب بتحقيق دولة العدل الإلهي، وسيكون خروج السفياني وتأسيس ملكه من العلامات المهمة التي ستتزامن مع ظهور المهدي المنتظر وانتهاء فترة غيبته الكبرى.

على الرغم من تعدد الشخصيات الأسطورية التي اشتهرت في التاريخ الإسلامي، فقد حظيت شخصية السفياني تحديداً بأهمية كبرى في العقل الإسلامي الجمعي... فئة تراه "موعود بني أمية" وأخرى تعتبره "عدو المهدي المنتظر"

وتجعل الرواية الشيعية من قتال المهدي للسفياني امتداداً لأحداث تاريخية أقدم، إذ يروي محمد باقر المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" عن الإمام الصادق أنه قال: "إنا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله عز وجل، قلنا صدق الله، وقالوا كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقاتل معاوية بن أبي سفيان علياً بن أبي طالب عليه السلام، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي عليه السلام، والسفياني يقاتل القائم".

من هنا، صار السفياني نموذجاً خالصاً للشر المطلق في العقل الشيعي، واحتل المكانة التي يشغلها المسيح الدجال في العقل السني، وهو الأمر الذي ظهر في وصف علي بن أبي طالب له بأنه "رجل ربعه وحش الوجه ضخم الهامة، بوجهه أثر جدري، إذا رأيته حسبته أعور"، وبأنه "سيقتل كل من عصاه وينشرهم بالمناشير ويطبخهم بالقدور"، كما يذكر رجل الدين الشيعي المعاصر علي الكوراني في كتابه "عصر الظهور".

من المُلاحظ كذلك أن بعض الروايات الشيعية تتحدث عن شخصين، كل منهما يُدعى السفياني، وأن أولهما يمهد الأمر للثاني، وقد يأتي ذلك متسقاً مع الروايات الشيعية الأخرى التي تتحدث عن بعض الشخصيات التي ستسبق ظهور المهدي، وستمهد له، ومنها النفس الزكية واليماني والقحطاني.

وبحسب المصادر الشيعية، فإن السفياني الثاني سوف يظهر في بلاد الشام التي ستكون نقطة انطلاق له، وسيتمكن من فرض سيطرته على جميع أراضيها، ثم يرسل جيوشه إلى العراق والحجاز، ويضطهد الشيعة على وجه الخصوص. وفي طريقه إلى العراق، سيشارك السفياني في أحداث معركة عظيمة، هي تلك التي تُعرف بمعركة قرقيسيا.

خارطة تقريبية لقرقيسيا

ويفسر الكوراني وقوع تلك المعركة بـ"ظهور كنز في مجرى نهر الفرات أو عند مجراه، حيث تحاول عدة أطراف السيطرة عليه، وتنشب في ما بينها الحرب هناك، فيقتل منهم أكثر من مئة ألف، ثم لا ينتصر طرف منهم نصراً حاسماً، ولا يسيطر أحد منهم على الكنز، بل ينصرف الجميع عنه وينشغلون بأحداث أخرى".

وتحدد الروايات الشيعية طريقاً إعجازياً للقضاء على جيش السفياني، فيذكر ابن أبي زينب النعماني، وهو من علماء الإمامية في القرن الرابع الهجري، في كتابه "الغيبة" عن الإمام الباقر: "يرسل السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفاً يترقب على سنة موسى بن عمران، فينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي مناد من السماء: يا بيداء، بيدي القوم، فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلاّ ثلاثة أنفار"، وهكذا، يصير هذا الخسف الإعجازي مقدمة تسبق ظهور المهدي، وبدء ثورته ومبايعة أنصاره وشيعته له.

السفياني... شخصية تحظى بمكانة مهمة في أحداث آخر الزمان وفق الاعتقاد الشيعي الإمامي الإثني عشري، فيكون قائد "معسكر الشر والظلم والجور"، ويكون خروجه من علامات ظهور المهدي

وفي فلسطين، بالتحديد في الرملة، تقع المعركة الأخيرة للسفياني، عندما يواجه المهدي المنتظر، وهي المعركة التي تُعرف بـ"يوم الأبدال"، ويخرج فيها بعض الشيعة فينحازون للسفياني، فيما ينحاز بعض الشاميين للمهدي، ثم تندلع المعركة الطاحنة، ويُهزم السفياني، ويُقتل في المعركة بحسب بعض الروايات، بينما يقع أسيراً ويذبحه المهدي بيده في روايات أخرى.

كيف وُظفت أسطورة السفياني سياسياً؟

يمكن القول إن ظهور الروايات الأسطورية بشأن السفياني في فترة مبكرة من التاريخ الإسلامي، سببه أن العديد من الثوار والباحثين عن السلطة ادعوا أنهم المقصودون، وذلك في محاولة للاستفادة من كل ما يحيط بها من زخم عقائدي وسياسي.

أولى تلك الشخصيات الأمير الأموي أبو محمد زياد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان بحسب ما يذكر البلاذري في كتابه "أنساب الأشراف"، قد ثار عام 126هـ على مروان بن محمد، آخر خلفاء الدولة الأموية، لكنه هُزم، فتوارى بعض الوقت، ثم عاد للثورة من جديد على العباسيين.

ويذكر ابن عساكر في كتابه "تاريخ دمشق" أن زياد "خرج بقنسرين ودعا إلى نفسه فبايعه ألوف، وزعموا أنه السفياني، ثم لقيه عبد الله بن علي فكسره، فهرب ولم يزل مستخفياً حتى قُتل بالمدينة".

الشخص الثاني الذي اشتهر بالسفياني، هو أبو العُميطر، علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، وكان قد استغل انشغال العباسيين بالحرب الأهلية بين محمد الأمين وعبد الله المأمون، وضعف قبضتهم على بلاد الشام، فسيطر على دمشق.

ويذكر ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك" أحداث عام 195 هـ، ويقول: "في هذه السنة ظهر بالشام السفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية، فدعا إلى نفسه، وذلك في ذي الحجة منها، فطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق...".

بدوره، يتحدث شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء" عن ربط أبي العميطر بشخصية السفياني، فيقول: "وكانوا - بنو أمية - يروون في أبي العميطر الروايات، وأن فيه العلامات...".

وبرغم النجاح الذي حققه أبو العميطر في بداية ثورته، سرعان ما فشلت عام 198هـ، لتعود الشام مرة أخرى إلى السلطة العباسية.

لم يتوقف الربط بين السياسيين وشخصية السفياني قط، فنجده حاضراً على مسرح الأحداث المعاصرة المتلاحقة، عند الحديث عن مجموعة من الشخصيات السياسية باعتبار كل منها هو السفياني.

أما ثالث أشهر من تم ربطهم بشخصية السفياني، فهو أبو حرب تميم اللخمي، الذي اشتهر بالمبرقع السفياني، وكان قد أعلن ثورته في فلسطين زمن الخليفة العباسي المعتصم بالله.

بحسب ما يذكر الطبري، فإن سبب تلك الثورة أن أحد الجند العباسيين الذين يجمعون الخراج، كان قد اعتدى على زوجة أبي حرب أثناء غيابه عن بيته، فلما رجع وعرف بما جرى، ذهب إلى الجندي وقتله "ثم هرب وألبس وجهه برقعاً كي لا يُعرف، فصار إلى جبل من جبال الأردن، فطلبه السلطان فلم يُعرف له خبر...".

ويبدو أن الأوضاع السيئة التي عاناها أهل فلسطين في تلك الفترة، وخصوصاً تأدية الضرائب والمكوس والخراج، تسببت في إذكاء نار الغضب على الحكم العباسي، وهو الأمر الذي استثمره المبرقع على الوجه الأمثل، فقد كان"يظهر بالنهار فيقعد على الجبل الذي أوى إليه مُتبرقعاً، فيراه الرائي فيأتيه، فيُذكّره ويحرّضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، ويَذكر السلطان وما يأتي إلى الناس ويعيبه، فما زال ذلك دأبُه حتى استجابَ له قومٌ من حراثي أهل تلك الناحية وأهل القرى، وكان يزعم أنه أموي، فقال الذين استجابوا له: هذا هو السفياني..."، بحسب ما يذكر الطبري.

وكان المعتصم قد أرسل جيشاً كبيراً بقيادة رجاء بن أيوب الحضاري للقضاء على ثورة المبرقع، ولكن الحضاري لما تأكد أن أغلبية الثائرين من الفلاحين آثر أن يؤخر المعركة حتى يحين موسم الحرث، وبالفعل لما انصرفت حشود الفلاحين عن المبرقع، وقعت المعركة عام 227هـ، وقُتل نحو عشرين ألفاً، ثم اقتيد المبرقع إلى سجنه وقُتل هناك.

ولم يتوقف الربط بين السياسيين وشخصية السفياني قط، فنجده حاضراً  على مسرح الأحداث المعاصرة المتلاحقة، عند الحديث عن مجموعة من الشخصيات السياسية باعتبار كل منها هو السفياني، ومن هؤلاء الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والرئيس السوري بشار الأسد، وزعيم داعش الجديد أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard