"أنا مش كافر"... متى يحزم اللبناني حقائبه؟

الثلاثاء 19 أكتوبر 202112:26 م

قد لا نتمكّن من فهم الوجود إلا ونحن على حافة الانكسار أو العدم. لمعرفة هذه الخلاصة يكفينا أن نتأمّل عبارة متداولة استلهمها اللبنانيون من أغنية زياد الرحباني "أنا مش كافر؛ بس الجوع كافر!".

لم تصبح أيقونة إلا لتكثيفها الهزلي للوضع البائس، وحين يتحدّث اللبنانيون عمّا آلت إليه أوضاعهم، فخطابهم ليس بمعزل عن مطلب الكرامة أوّلاً، ربطاً بخطاب السلطة السياسية. وإذا انجدل في أغنية الرحباني خِطابا الجوع/ الكفر والسلطة الدينية، فليس إلا لأنّ التركيبة السياسية اللبنانية على صلة وثيقة بالديني الذي يرسم حدود المعاني الوجودية.

   انطلقت من أغنية "أنا مش كافر" وارفة الظلال بعنوانها، لا لأتحدّث عن علاقة الفقر بالجنون والانتحار، مثلما شهدت - وتشهد- البيوتات اللبنانية من أزمات سوسيو-اقتصادية حادّة، ومن ضمنها الانتحار، مع رسالة يتركها أحد المنتحرين تحمل هذه العبارة-الترند، بل لأذهب في اتجاه جدلي آخر، وهو علاقة الفقر ومفرزاته بالهجرة.

وقد باتت علاقة تنفتح على معنى الوطن، ومفهوم الانتماء في ظلّ غياب أدنى مقوّمات العيش الكريم، ولضبابية أفق التغيير الجذري.

لدى أي أزمة وجودية يحزم اللبناني حقائبه

الانتشار اللبناني في بلاد الاغتراب قديم العهد؛ قد لا تختلف الأسباب بين الماضي والحاضر وإن اختلفت مسمّيات السلطة الحاكمة مضافة إلى أسباب طبيعية، على غرار ما يتّضح في منجزين روائيين، هما "الرغيف" (1939) لتوفيق يوسف عوّاد، و"الفراشة الزرقاء" (1996) لربيع جابر.

قد لا نتمكّن من فهم الوجود إلا ونحن على حافة الانكسار أو العدم. لمعرفة هذه الخلاصة يكفينا أن نتأمّل عبارة متداولة استلهمها اللبنانيون من أغنية زياد الرحباني "أنا مش كافر؛ بس الجوع كافر!"

ظهّر المنجزان الروائيان مآسي الجماعات، وقد بدت مبالغاً في وصفها وفي الإلحاح على مسبّباتها؛ حتى ليظنّها القارئ ضروباً من التخييل ليس إلّا. لكن عبر التنقيب في مرجعية النصّين يكتشف خطأ الظنّ، ويتبين أنّ الواقع أكثر غرابة ومأسوية ممّا صُوّر في السرد. إذ إنّ "القليل من المشاهدة أكثر من الكثير بالسماع"، على ما يذهب المؤرّخ المصري المقريزي.

تعود الأحداث الرئيسة بزمنيتها في كلا الروايتين، إلى بدايات القرن العشرين، بحكم اتّكائهما على أحداث الحرب الكبرى الأولى، والمجاعة، والحصار، واجتياح الجراد، وبوار مواسم الحرير؛ وما خلّف ذلك من موت، وعزلة، وما أفرزه من هجرة واسعة.

هذه المرحلة الحرجة من تاريخ لبنان المأسوي شكّلت منعطفاً تاريخياً واجتماعياً، وانحفرت عميقاً في الذاكرة اللبنانية، وحرّضت الروائيين على تبنّي خطاب القلق على مصير جماعة جائعة، فقيرة، مستغلَّة، ومحاصرة من خمس جهات، إذا ما كانت السماء الحدّ الاستعاري الخامس للقرى الجبلية.

صوب مصر والأميركيتين

ما أقرب الأمس من اليوم إذا ما عقدنا مقارنة بسيطة. فالاستبداد العثماني المغير بجنده -آنذاك- على الأرزاق، تعضده طبقة فاسدة من الاستغلاليين والمنتفعين، فضلاً عن بيئة معادية بأوبئة كانت قد انتشرت وتحكّمت بعيش الناس، مثل السلّ والحمّى.

وما زاد في اضطراب الأوضاع بوار مواسم الحرير التي كانت ركيزة اقتصادية يعتاش منها الجبليون؛ الأمر الذي أدّى إلى موجات هجرة واسعة صوب الأميركيتين ومصر، وإلى نزوح نحو بيروت.

الانتشار اللبناني في بلاد الاغتراب قديم العهد؛ قد لا تختلف الأسباب بين الماضي والحاضر وإن اختلفت مسمّيات السلطة الحاكمة مضافة إلى أسباب طبيعية، على غرار ما يتّضح في منجزين روائيين، هما "الرغيف" (1939) لتوفيق يوسف عوّاد، و"الفراشة الزرقاء" (1996) لربيع جابر

أورد فوّاز طرابلسي في كتابه "إن كان بدّك تعشق - كتابات في الثقافة الشعبية"، أنّ عشية الحرب العالمية الأولى، أصيب اقتصاد الحرير بانتكاسة كبيرة جرّاء اكتشاف الحرير الاصطناعي (النباتي) الذي أدّى إلى تدهور الطلب على الحرير الطبيعي في الحواضر الأوروبية، فأقفلت المعامل، وعمّت البطالة، وساد الفقر والجوع، فسلك المزيد من اللبنانيين طريق الهجرة.

تكتمل فصول المعاناة مع الطبيعة وقد حبست أمطارها، فأجدبت الأرض، واجتاحها الجراد آكلاً الأخضر واليابس. وهذا ما ذكره عصام خليفة في كتابه "لبنان 1914-1918 من خلال أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية"، في أنّ الجراد ظهر في سماء يافا الفلسطينية في 22 آذار 1915، وسهّلت الرياح الشرقية الطريق لعبور الحشرات إلى جبل لبنان في 9 نيسان، حاجبة نور الشمس لمدة أسبوع.

وظلّت حتى 19 تموز مستنتجاً أنّ مضارّ الجراد وفتكات العساكر كانت من أهمّ مسبّبات الغلاء والشقاء والجوع والموت في البلاد.

بوار مواسم الحرير، الجراد والتغيير الديمغرافي

ثمة تحوّل ديمغرافي يتداخل مع التغيرات الاقتصادية-السياسية والأوضاع الصحية والبيئية العامّة. يتبدّى ذلك في مآزق الشخصيات الروائية إزاء مثلث الحرب (والحصار ضمناً)، وكساد مواسم الحرير (والبطالة تالياً)، والهجرة.

بحيث كانت "ساقية المسك" (الرغيف) تعيش قبل الحرب الكبرى على مواردها المحلية، من زراعة الكرمة وتربية دود الحرير، وعلى حياكة الديما. وكان سعيد، زوج وردة كسّار، مهاجراً في أميركا.

يوصف بيت بو سعيد بأنّه "حارة بعمودين"، تُخصّص أقسام منه للقزّ، ولأجران الصباغ، وللأنوال. "كان هذا العهد عهد الرخاء المادي... وبعد أن نشبت الحرب... انقطعت النساء والصبايا عن أغانٍ كنّ يوقّعنها على طقطقة المكّوك".

إذا كان الاتجاه السردي اللبناني بغالبيته مبني على الحروب اللبنانية، فهو منجدل في بنيته مع مسألة الهجرة. أثناء زمن السلم، بدأت الهجرة الواسعة إلى أميركا وأفريقيا؛ فالناس لا يتركون بلادهم في زمن الحرب. هذا ما يخبر به الراوي في "تقرير ميليس" لربيع جابر؛ حيث إنّ البشر يخافون عودة "الوقت الأسود"

نجد تعليلاً آخر لما جرى لمواسم الحرير، في "الفراشة الزرقاء" في محمول خطاب الطبيعة حين تعتو، وترتفع درجات الحرارة:

"كانت هناك تلك السنوات الخطرة حين تأتي موجات الحرّ في وقت مبكر من السنة فتهدّد الديدان بالموت، لأن بيت القزّ كان خالياً من النوافذ... سكن الهواء ... وحدثت شلهوبة مريعة، فارتفعت درجة الحرارة إلى تسع وعشرين درجة في الظل، وذبلت ديدان القزّ ولم تعد قادرة على التهام ورق التوت... هكذا أصابت القرية الكارثة، إذ مات ما يزيد عن نصف الديدان، ومُني موسم الحرير بخسائر هائلة في لبنان كلّه".

يتابع الراوي بالقول إنّ "هذه الكارثة ستبقى في الذاكرة حتى تحلّ كارثة الجراد بعد عشر سنوات تقريباً، فتمحو كل الكوارث التي جاءت قبلها، وترمي بها إلى النسيان... وبعد الجراد، هبّت رياح الخماسين، لتقضي على كلّ خضرة متبقية".

بالمثل، يُخبر الراوي في "الرغيف" واصفاً أهل القرى في الجبل اللبناني بقوله: "قعد همّ الرغيف بمن قعد في بيته ونفر بمن نفر إلى بيروت، وقتل البقية. وكأنّ الربيع ذهب مع سائر خيراتها. ما عافه الجراد أو لم يقدر عليه أتى عليه الأتراك وبغالهم".

مهما يكن من أمر انحسار تربية دود القز وحياكة الديما قُبيل الحرب (الرغيف)، أو بُعيد كارثتي الجراد والشلهوبة التي قضت على دود القز، وأدّت إلى إقفال معامل غزل خيوط الحرير، وزوال بساتين التوت من الجبل (الفراشة الزرقاء). فإنّ الحصيلة أتت واحدة: بطالة، جوع، أمراض، ذلّ، موت، وهجرة.

يذكر شفيق سليمان في كتابه "تاريخ لبنان كما كان"، أنّ في مطلع القرن العشرين أصبحت الهجرة أوسع انتشاراً، ولم تكن الحالة الاقتصادية المنهارة السبب الوحيد فيها، بل تشتمل الأسباب على الحالة السياسية.

حالما ضاعت الآمال بالحصاد، هاجر الأخوان جوزف وجورجي بابازواغلي (شخصيتان في "الفراشة الزرقاء") إلى مصر، والبلاد كلها مازالت جائعة، تاركين أماً وحيدة شبه عاجزة. أما "ساقية المسك" فقد كان موردها الأعظم من مهاجري أبنائها إلى أميركا، وانقطع هذا المورد جرّاء الحصار.

ومع الجدب دُفع الأبناء من جديد إلى المغادرة، لتفرّغ القرى من سكّانها إمّا موتاً أو هجرة. يستند عصام خليفة إلى إحصاء الصليب الأحمر الأميركي، في تقديره لعدد ضحايا الجوع في جبل لبنان عام 1917 بما لا يقلّ عن 250 ألف نسمة، من أصل 400 ألف (العدد الإجمالي للسكان)؛ آخذين بعين الاعتبار لبنان بوصفه متصرّفية جبل لبنان وحسب، ما قبل توسيع حدوده ليغدو دولة لبنان الكبير عام 1920.  

مقهور ... ومش قادر هاجر

قلّما توجد عائلة لبنانية إلا وقصد أحد أفرادها بلاد الاغتراب، وثمّة عائلات بأكملها هاجرت بغير رجعة، إبّان الحروب اللبنانية المتكرّرة وما رافقها من أوضاع معيشية بائسة. فتبرز الهجرة خياراً قائم الاحتمال بوصفه أحد الاتجاهات للخروج من المآزق السابقة، لتخلق من نفسها مأزقاً جديداً.

عندما يسخر الشعب من آلامه يصبح الجوع نكتة يتداولها الناس؛ حتى الموت تنسج حوله الطرائف

وإذا كان الاتجاه السردي اللبناني بغالبيته مبني على الحروب اللبنانية، فهو منجدل في بنيته مع مسألة الهجرة. أثناء زمن السلم، بدأت الهجرة الواسعة إلى أميركا وأفريقيا؛ فالناس لا يتركون بلادهم في زمن الحرب. هذا ما يخبر به الراوي في "تقرير ميليس" (2005) لربيع جابر؛ حيث إنّ البشر يخافون عودة "الوقت الأسود".

عندما يسخر الشعب من آلامه يصبح الجوع نكتة يتداولها الناس؛ حتى الموت تنسج حوله الطرائف. ليس الجوع وحده ما حدا باللبنانيين، ماضياً وحاضراً، لترك البلاد، غير آسفين على خسارة البهجة التي تثيرها رائحة التراب بعد "الشتوة الأولى"، بل مطلب الكرامة والحياة.

يتابع زياد في أغنيته رادّاً الكفر إلى مكفّريه من منظومة دينية- سياسية تمعن فساداً في إدارة الحكم، ويحشد العناصر في أنّ الذلّ كافر، والفقر كافر، وأقصى ما يمكن أن نتصوّره في أوضاع مماثلة لما نحن عليه، هو البقاء في الوطن لقلّة حيلة، لا حبّاً به: "وأنا مقهور ببيتي ومش قادر هاجر!"؛ صرخة تعني كفراً بالوطن.

ولنا أن نسأل اليوم: أيهما أرحم: ناهبو أموال اللبنانيين أم الجراد؟!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard