"الصورة ستسحق كل بوليس العالم"... التصوير الفوتوغرافي السوري في المنفى

الأربعاء 13 أكتوبر 202104:09 م

"وجدتُ نفسي في التصوير. أنا محمد، وأنا أصوّر، وهذه هي هويتي". هكذا عرّف المصوّر السوري محمد بدرة بنفسه، خلال ندوة حوارية عُقدت على هامش معرض التصوير الفوتوغرافي، "انظروا إلي، عشرة مشاهد من سوريا"، المستمر في العاصمة الألمانية برلين، والذي يُعدّ امتداداً لملف خاص يُنشر في موقع "حكاية ما انحكت"، ويناقش التصوير الفوتوغرافي السوري. يضمّ المعرض صوراً فوتوغرافية لعشرة مصوّرين/ ات سوريين/ ات، مترافقة مع نصوص صغيرة كتبها المصوّرون/ ات بأنفسهم/ ن.

أضاف محمد بدرة، خلال حديثه، أنّه يرى نفسه منعكساً في الصور، إذ يرى خياله منعكساً على زجاج إطارات اللوحات التي تعرض الصور، وعلى شاشات الموبايلات، والكمبيوترات، كأنّه جزء من هذه الصور. "بشوف حالي بورتريه موجود على كلّ شي"، يقول.

كذلك شارك المصوّران محمد العبد الله (آرتينو)، وأمير الحلبي، في الندوة التي أدارتها القيّمة الفنية غيفارا نمر، والتي قالت لرصيف22، إنّ خصوصية هذا المعرض تكمن في أنّ مصوّرين/ ات سوريين/ ات، يسألون أنفسهم بشكل جماعي عن هوية المصوّر/ ة التي يمتلكونها، سواء تشكّلت قبل العام 2011، أو بعده، كما أنّها المرة الأولى، حسب نمر، التي يُطلب فيها من مجموعة من المصوّرين/ ات السوريين/ ات أن يبنوا علاقة من هذا النوع مع بعضهم البعض، من أجل إنشاء هذا المعرض، ليصنع تجربة مُشاهَدة من قبل الجمهور، إذ إنّه، أي المعرض، لا يعرض وجهة نظر مصوّر واحد، كما أنّه لا يعرض وجهات نظر متكررة، ومتشابهة.

 ©️Frank Nürnberger/Friedrich-Naumann-Stiftung für die Freiheit

سوريا الأكثر توثيقاً

في مقدمة ملف التصوير الضوئي المنشور في موقع "حكاية ما انحكت"، باسم "تحت المجهر"، كتبت المصوّرة الصحافية، سيما دياب، أنّ كُتب التاريخ قد تذكر في المستقبل "أنّ الثورة السورية، والحرب اللاحقة، كانتا من بين الأكثر توثيقاً على الصعيد البصري، في التاريخ الحديث، وأنّ المصوّرين السوريين كانوا الأكثر وفرةً في أعمالهم".

هذا العدد الكبير من المصوّرين/ ات الذين ينتجون أعمالهم من سوريا، ولاحقاً من المنفى، جعل "القصة السورية" موضوعاً أساسياً على الصفحات الأولى، في المجلّات والصحف العالمية، في السنوات العشر السابقة. لكن، وعلى الرغم من وفرة الصور الواردة من سوريا، إلّا أنّ سياق كلّ صورة اختلف عن الأخرى.

هذا العدد الكبير من المصوّرين/ ات الذين ينتجون أعمالهم من سوريا، ولاحقاً من المنفى، جعل "القصة السورية" موضوعاً أساسياً على الصفحات الأولى، في المجلّات والصحف العالمية

عن هذا الأمر، وبشكل متصل بالمعرض، قالت غيفارا نمر لرصيف22، إنّ المعرض عرض مشاهد عشرة تُشكّل في ما بينها، ما يشبه خريطة عامة، لكن في الوقت ذاته، "كلّ مشهد يُمكن أن يكون موضوعاً منفرداً"، وأضافت أنّه وعلى الرغم من وجود هذا "السؤال العام"، فإنّ كلّ مصورّ/ ة يمكنه/ ا أن يتفاعل/ تتفاعل بطريقة مختلفة عن الآخرين، "وبإمكان الجمهور أن يرى العرض كلّه، من وجهة نظر واحدة، أو من وجهات نظر عدة".

استمر عمل التوثيق في سوريا بأشكال عديدة، ولم يقتصر على التصوير الفوتوغرافي، إذ ظهرت عشرات الأفلام الوثائقية التي عُرضت عبر قنوات تلفزيونية في معظم دول العالم، حتى ترشح بعضها لجوائز الأوسكار، وظهرت في السنوات العشر الأخيرة عشرات مراكز التوثيق الحقوقي، وآلاف التقارير الإخبارية، ومئات الآلاف، أو بالأحرى الملايين، من الصور، ومقاطع الفيديو، التي وثّقت جوانب "المأساة السورية" كلها، فضلاً عن مئات الآلاف من الوثائق الرسمية المُهرّبة.

لا يُمكن، في أثناء الحديث عن التوثيق، وعن التصوير الفوتوغرافي، إغفال ذكر صور قيصر، وهي "55 ألف صورة توثّق تعذيب نحو 11 ألف معتقل سوري، ومقتلهم، بين عامي 2011 و2013"، في أقبية النظام السوري وسجونه، وكانت هذه الصور هي السبب المباشر وراء إقرار تشريع أمريكي سُمّي "قانون قيصر"، والذي ألزم الحكومة الأمريكية بملاحقة المسؤولين السوريين وكلّ من يتعامل معهم، ومعاقبتهم.

لم يغب الجانب الشخصي أبداً

الجانب الشخصي بدا واضحاً في حديث المصوّر أمير الحلبي، في الندوة المُشار إليها. عرضَ الحلبي صوراً التقطها في سوريا، وكان المشترك في الصور كلها، وجود والده، العامل في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، والذي قضى في قصف قوات النظام على مدينة حلب. قال الحلبي إنّه نجا من الموت، لكن والده لم ينجُ، لذلك صوّر جزءاً من مشاعره، وعرضها في هذا المعرض.

المصّور محمد العبد الله (آرتينو)، قال إنّه ظلّ يبحث عن زاوية خاصة به، في الأماكن كلها التي عمل وعاش فيها، داخل سوريا وخارجها، كي يعيد بناء ذاكرته، وبناء "بيت" خاص به.

تحت عنوان "البحث عن أجمل صورة في العالم"، كتب المصّور السوري، مظفر سلمان، محاولاً إيجاد أجمل صورة قد يتخيلها الإنسان: "قد ارتسمت في مخيلته أجمل صورة في العالم، ومهما حاول تشكيلها في وعيه، فستعود إلى مخيلته من جديد، لأنّنا لا نملك شكلاً واحداً، ستكون تلك الصورة قارب نجاتنا الذي تركناه خلفنا، والتي ستسحق بثقلها كلّ بوليس العالم".

 ©️Frank Nürnberger/Friedrich-Naumann-Stiftung für die Freiheit

بين سوريا وأوروبا

يعيش عدد كبير من المصوّرين/ ات السوريين/ ات، في المنفى، في دول أوروبا، وأمريكا، ودول الجوار، وبشكل خاص في لبنان وتركيا. في هذا المنفى، مثالنا الحالي هو المعرض المُقام في الوقت الحالي في العاصمة الألمانية، إذ تنشأ علاقة تفاعلية بين التصوير الفوتوغرافي السوري، والمنفى الأوروبي.

يُقام معرض تصوير فوتوغرافي لمصوّرين/ ات سوريين/ ات في أوروبا، موضوعه سوريا، وهما مكانان بعيدان جغرافياً، إلّا أنّهما يتفاعلان من خلال هذه الصور. جمهور هذا المعرض هو خليط من سوريي المنفى، ومن أوروبيين محليين، تنشأ بينهم علاقة تفاعلية، في لحظة مشتركة، عند النظر إلى صورة واحدة مثلاً، أو عند حضور ندوة حوارية موضوعها التصوير الفوتوغرافي السوري، وقصص المصوّرين/ ات.

يعيش عدد كبير من المصوّرين/ ات السوريين/ ات، في المنفى، في دول أوروبا، وأمريكا، ودول الجوار، وبشكل خاص في لبنان وتركيا

هذه العلاقة التفاعلية ذات أهمية، حسب ما قالت غيفارا نمر لرصيف22، "لأنّنا نملك مساحة ما لنقول إنّ هذا فن، والفن، والجمال، والتذوق، والأحاسيس، هي لغات عالمية. صحيح أنّ المصوّرين/ ات سوريون/ ات، وأنّهم/ ن يحكون/ ين عن ذاكرتهم/ ن، ويسألون أنفسهم/ ن عن معنى أن يكونوا مصوّرين/ ات، لكن هذا سؤال عام نستطيع طرحه على مصورين/ ات من أي بقعة في العالم، وكلّ منهم/ ن سيبني/ تبني المشهد الذي يريد/ تريد، وكلّ مصوّر/ ة سيتفاعل/ تتفاعل بطريقة مختلفة، لذلك هو سؤال مهم، وتخصيصه سوريا، لا يعني تحديد جمهوره".

تضيف نمر أنّ عنوان المعرض هو "انظروا إلي"، ويُعدّ بمثابة دعوة من المصوّرين/ ات، موجّهة نحو العالم لكي يراهم كمصوّرين، ومصّورات، وكأفراد، أي أنّ الحدث هنا غير مهم، بل المهم هم المصوّرون/ ات أنفسهم/ ن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard