هكذا عرّت فضيحة ملعب البليدة الرياضةَ في الجزائر

الثلاثاء 12 أكتوبر 202103:17 م

"تبدو أرضية المعلب جيدةً، من المدرجات، أو عبر شاشة التلفزيون، لكن بالاقتراب منها، ستكتشف أنها سيئة جداً، ومليئة بالرمال، وغير صالحة لممارسة كرة القدم، وهذا ما أثّر علينا في الشوط الأول من المباراة. لا أستوعب لماذا يحدث هذا في بلدنا، ومع منتخب حقق هذه الإنجازات كلها، وأدخل الفرحة إلى قلوب الشعب. حقاً هذا غير مفهوم!".

كانت هذه تصريحات صادمة، لنجم مانشستر سيتي رياض محرز، بعد نهاية المباراة التي جمعت المنتخب الجزائري لكرة القدم، مع ضيفه منتخب النيجر، في الجولة الثالثة من التصفيات الإفريقية المؤهلة إلى كأس العالم، على ملعب مصطفى تشاكر، في البليدة، غرب العاصمة الجزائر، والتي انتهت بستة أهداف مقابل هدف لصالح أصحاب الأرض.

تصريحات أحدثت زلزالاً لدى الرأي العام، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وأعادت إلى الواجهة، الجدل القائم حول جودة المنشآت الرياضية في الجزائر، والتي لم يسلم منها المنتخب الجزائري، بطل إفريقيا، وصاحب الرقم القياسي الإفريقي، بعدم تلقيه أية هزيمة خلال 30 مباراة، في السنوات الثلاث الأخيرة. وعلى الرغم من هذه الأرقام والإنجازات التاريخية، وجد المنتخب الجزائري نفسه، في عزلة بلا ملعب.

محرز لم يكن الوحيد الذي أطلق تصريحات نارية، تتهم المسؤولين في ملعب مصطفى تشاكر في البليدة، بالتقصير، والإخفاق في مهمة تحضير أرضية الملعب، إذ سبقه المهاجم إسلام سليماني، الهدّاف التاريخي الجديد "للأفناك"، مخاطباً الجمهور والمسؤولين بقوله: "أداء الفريق السيء في الشوط الأول، سببه أرضية الملعب الكارثية، وعار على المسؤولين، أن يلعب منتخب كبير بحجم الجزائر على أرضية مماثلة".

انفجار وسائل التواصل الاجتماعي... الجمهور الجزائري في قمة الغضب

على وسائل التواصل الاجتماعي، انفجرت الجماهير الجزائرية، واستشاطت غضباً، معلنةً تضامنها التام مع منتخب بلادها، ضد سوء التسيير الذي قد يرهن حظوظه في التأهل إلى نهائيات كأس العالم التي ستقام في قطر، بعد عام من الآن.

المعلّق الرياضي الجزائري الشهير حفيظ دراجي، كتب على صفحته في فيسبوك مطالباً من لا يقدر على تحمل مسؤولية تسيير شؤون الكرة بأن يرحل.

ووصف الصحافي في التلفزيون الجزائري عبد العالي مزغيش، أرضية الميدان بـ"الزفت"، وطالب بتطبيق سياسة العقاب، من دون رحمة.

ما قاله هؤلاء، يعبّر عن الاتجاه السائد لدى الجمهور الرياضي، الذي يؤكد وجود مقاومة من داخل العائلة الرياضية، لوقف سلسلة النتائج التي يحققها المنتخب الجزائري لكرة القدم، بقيادة المدرب الشاب جمال بلماضي، والذي وصل إلى ثلاثين مباراة من دون هزيمة، وهو رقم مرعب، أزعج البعض، حسب آراء المتابعين لشؤون الكرة الجزائرية، وهذه عيّنة منهم.

محرز لم يكن الوحيد الذي أطلق تصريحات نارية، تتهم المسؤولين في ملعب مصطفى تشاكر في البليدة، بالتقصير، والإخفاق في مهمة تحضير أرضية الملعب، إذ سبقه المهاجم إسلام سليماني، الهدّاف التاريخي الجديد "للأفناك"

هل شارك التلفزيون الجزائري في مؤامرة ضد المنتخب؟

هذا الغضب كله، من أرضية الملعب التي أُجريت عليها مباراة المنتخب الجزائري ونظيره النيجيري، كان رد فعل حتمي، لصورة محسنة أو مجملة، بثها التلفزيون الجزائري الحكومي، الذي يملك حصرية التغطية، إذ أكد في تقرير مصوّر، بُثَّ قبل 24 ساعة من المباراة، أن "كل شيء جاهز في ملعب الشهيد مصطفى تشاكر في البليدة، لاحتضان مباراة الجزائر-النيجر، وأرضية ميدان الملعب الشاهدة على انتصارات المنتخب الوطني، في "أبهى حلّة".

هذا الوصف بالذات، "أبهى حلّة"، استفز اللاعبين داخل التشكيلة، وانبرى للرد عليه كل من المدافع جمال بلعمري، وصانع الألعاب يوسف بلايلي، والمهاجم بغداد بونجاح، ونشروا صوراً على إنستغرام للحالة الحقيقية والسيئة لأرضية الميدان، مع تعليق ساخر: "أبهى حلّة"، في إشارة إلى التقرير المغلوط للتلفزيون العمومي.

هذه "الخرجة" غير المتوقعة، ومحاولة إخفاء الحقيقة عن الجمهور واللاعبين، الذين كانوا تحت الصدمة يوم اللقاء، أثارت الشكوك حول وجود مؤامرة تحاك ضد الفريق الجزائري، لمنعه من التأهل إلى المونديال، وهو ما رمى إليه الصحافي الرياضي في قناة النهار، كمال مهوي مؤكداً لرصيف22، أنه: "حين يزيّف التلفزيون العمومي التابع للدولة، الحقائق، ويؤكد قبل 24 ساعة من المباراة بأن أرضية الميدان التي ستُجرى عليها المقابلة، في ‘أبهى حلّة’، فهو يتعمد الكذب على الجمهور، إذ يرفع الإضاءة، ونسبة الألوان في الكاميرات، ويعطي صوراً بعيدة، ليبدو العشب أخضر، وبحالة جيدة، لكنهم فُضِحوا بتصوير اللاعبين للأرضية، وبعدها بتصريح نجم الفريق الأول رياض محرز، والهدّاف التاريخي للفريق إسلام سليماني. ما حدث سيبقى وصمة عار على جبين مؤسسة التلفزيون الجزائري".

العصابة موجودة في ملعب تشاكر

كأول رد فعل متوقع من السلطات، لمحاولة احتواء الفضيحة، التي تخطّت حدود الجزائر، وتجاوزت الرياضة، لتطرق أبواب السياسة، وتؤكد أن حرس القديم، لازال مسيطراً داخل السلطة، أصدر وزير الرياضة عبد الرزاق سبقاق، قراراً رسمياً يقضي بإقالة كمال ناصري، مدير ملعب مصطفى تشاكر في البليدة، بعد تكرر فضيحة الأرضية، أمام منتخبَي جيبوتي والنيجر، في الجولتين الثانية والثالثة على التوالي، في التصفيات الإفريقية المؤهلة إلى المونديال.

كما أعلن الوزير عن منح صلاحية تسيير الملعب، إلى الاتحادية الجزائرية لكرة القدم.

وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، عبّر سبقاق، عن غضبه الشديد، قائلاً: "لقد تم خداعي، بطمأنة زائفة، وبإرسال صور وفيديوهات تؤكد أن أرضية الملعب بحالة جيدة. رئيس الجمهورية كان مُحقّاً، عندما تحدث عن العصابة".

الاستثمار في العشب الطبيعي... أرباح على أنقاض الأزمة

أردنا في رصيف22، أن نتقرب من المسؤولين في ملعب مصطفى تشاكر، لكن دون جدوى. الوحيد الذي تحدث معنا كان الموظف المسؤول عن العشب، وتجهيز الأرضية، عمّار، الذي اكتفى بالقول: "لقد قمنا بكل ما في وسعنا لتجهيز الأرضية للمباراة، لكن الله غالب، وكشف عمّار لنا أن مسؤولي الاتحاد الجزائري لكرة القدم، قاموا بزيارات عدة لمعاينة الأرضية، وكانوا على علم بحالها، قبل إجراء المقابلة".

"حين يزيّف التلفزيون العمومي التابع للدولة، الحقائق، ويؤكد قبل 24 ساعة من المباراة بأن أرضية الميدان التي ستُجرى عليها المقابلة، في ‘أبهى حلّة’، فهو يتعمد الكذب على الجمهور، إذ يرفع الإضاءة، ونسبة الألوان في الكاميرات، ويعطي صوراً بعيدة، ليبدو العشب أخضر، وبحالة جيدة، لكنهم فُضِحوا بتصوير اللاعبين للأرضية"

السؤال المطروح الآن، هو: لماذا تم اختيار ملعب مصطفى تشاكر في البليدة، لإجراء المباراة، علماً أن ملعب 5 تموز/ يوليو في العاصمة، كان جاهزاً، بعد إعادة تأهيل أرضيته؟

وقد أكد مصدر عليم لرصيف22، ما قاله لنا المسؤول عن تجهيز الأرضية المدعو "عمّار"، بخصوص إطلاع مسؤولي الاتحاد الجزائري لكرة القدم، بحالة الأرضية السيئة، وعلى الرغم من ذلك تم الإصرار على اللعب فيه.

ويوضح المصدر الذي رفض الكشف عن هويته، أن الأمر يتعلق بالرهان على الفضائح، لجني الأرباح بالعملة الصعبة، من وراء الاستثمارات الكبيرة في إصلاح الأرضية، خاصةً وأن اتحاد الكرة سارع بعد الحادثة، للتعاقد مع شركة برتغالية، لإعادة صيانة أرضية ملعب مصطفى تشاكر، وكذا الملحق الخاص بالتدرب في المركز التقني لسيدي موسى في العاصمة. حيث يتدرب المنتخب الوطني، ويقيم معسكراته التحضيرية، علماً بأن هذه الشركة البرتغالية، سبق التعاقد معها من طرف المكتب الفدرالي السابق، بقيادة الرئيس خير الدين زطشي.

نشر الغسيل الوسخ... إساءة إلى صورة الجزائر

حالة الغضب الشعبي جرّاء ما حدث مع المنتخب الجزائري لكرة القدم، الحائز على بطولة أمم إفريقيا المقامة في مصر عام 2019، لم تمنع بعض الأصوات من التعبير عن رأي مخالف، مؤكدين أن التشهير بالفضيحة، كان مقصوداً، لنشر غسيل داخلي، وإلحاق الضرر بالبلاد، ومنهم وكيل أعمال اللاعبين والصحافي حسين جناد، الذي قال في تصريح لرصيف22: مشكلاتنا الداخلية أصبحت حديث العالم، هؤلاء الذين انتقدوا اللجوء إلى الفيفا لفضح طريقة وصول رئيس اتحاد الكرة السابق خير الدين زطشي، ووصفوا كل من يقوم بذلك بـ"الحركي" (خائن لوطنه)، هم أنفسهم من نشروا صور أرضية ملعب تشاكر، وفضحوا بلادهم أمام العالم، ويستطرد جناد: "حسب المعلومات التي نشرها اللاعبون، فإن القائم على تسيير شؤون المنتخب الوطني أمين لعبدي، هو من حرضهم على نشر هذه الصور، حتى يسوّق للعالم بأن المنتخب الوطني لا يملك ملعباً يستقبل فيه منافسيه.

الجدل الواسع بسبب سوء أرضية ملعب مصطفى تشاكر، ما هو إلا نقطة في بحر الرداءة، وعدم تحمل المسؤولية، فحتى وزارة الرياضة استعملت فزاعة العصابة، وذريعة الغش والتعرض للخداع، كمبرر للتهرب من مسؤوليتها، بعدم المتابعة والمراقبة الميدانيتين

منشآت رياضية متآكلة يلتهمها الفساد

حاول مسؤولو ملعب مصطفى تشاكر أن يدافعوا عن أنفسهم مرات عدة، مرجعين سبب تدهور الأرضية إلى تعرضها لضربة شمس، وتأثرها سلباً بالحرارة المرتفعة، بعد سلسلة الحرائق التي شهدتها البلاد، خلال الصيف، وهو ما يدحضه خبراء ومهندسون في مجال زراعة العشب الطبيعي وصيانته، والذين أكدوا أن أرضية ملعب تشاكر، تعرضت للتلف والفطريات، بسبب إهمال الصيانة، وعدم سقيها بالكمية اللازمة من الماء، في فصل الصيف.

ويتساءل النقاد الرياضيون، إن كان ملعب مصطفى تشاكر، الذي يوجد تحت الأضواء، كونه الحديقة المفضلة لمنتخب محاربي الصحراء، على هذا الحال، فكيف هي حالة بقية الملاعب؟

''أسوأ كوادر وزارة الشباب والرياضة، موجودون في دواوين تسيير المنشآت الرياضية، ولذلك نشهد دائماً كوارث على مستوى الولايات كلها". هكذا يستهل يزيد غردي، حديثه مع رصيف22، وهو من كوادر وزارة الشباب والرياضة في الجزائر، ويضيف: "بالإضافة إلى افتقار الجزائر للمختصين في مجال زراعة العشب الطبيعي وصيانته، فإنه لا توجد سياسة مركزية للاعتماد على الأرضية المعشوشبة طبيعياً، ولهذا ضحّى الوزير بالمدير المركزي للاستثمار".

من جانبه، يعتقد رئيس نادي مولودية العلمة لكرة القدم سابقاً، عراس هرادة، أن وزارة الرياضة الجزائرية تقوم بسياسة الترقيع، تماماً كما يحدث في مشكلات البلاد كلها، قائلاً لرصيف22: "هناك ملاعب تابعة للوزارة، وأخرى للبلديات، وكلها ‘في الهوا سوا’، في حالة يرثى لها".

ويضيف هرادة: أتذكر حينما كنا نحتج بقوة على أرضية ملعب مسعود زوغار في العلمة، كيف كانوا يملؤونها بالرمل، ثم يقومون بتحديد الخطوط، حتى تظهر في الشاشة بـ"أبهى حلّة"، لكن حينما يدخل اللاعب إلى الميدان، يجدها ثقيلة، وتعيق اللعب، وتجعله عرضة للإصابات.

الجدل الواسع بسبب سوء أرضية ملعب مصطفى تشاكر، ما هو إلا نقطة في بحر الرداءة، وعدم تحمل المسؤولية، فحتى وزارة الرياضة استعملت فزاعة العصابة، وذريعة الغش والتعرض للخداع، كمبرر للتهرب من مسؤوليتها، بعدم المتابعة والمراقبة الميدانيتين، ويتساءل مراقبون: أين مفتشو الوزارة؟ وأين كوادرها والمسؤولون عن تجهيز المرافق والمنشآت التي تغرق في وحل الفساد واللامبالاة، وصيانتها ومتابعتها؟

ما حدث يفضح واقعاً أقسى من التسيّب، فالسلطات الوصية فشلت في تجهيز ملاعب الدويرة، وبراقي، وتيزي وزو، ووهران، التي انطلقت أشغالها قبل 12 سنة، ولم تنتهِ إلى اليوم، بينما بنت قطر في نصف هذه المدة، أو أقل، مدناً رياضية، وملاعب عالمية، وبتكنولوجيا عالية، متحديةً المستحيل، بترويض المناخ الحار والرطب... لأنها تملك الإرادة فحسب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard