"الطريق المستقيم"... إشارة فلسطينية أقدم من دولة إسرائيل في فيلمٍ ليهودي

الثلاثاء 12 أكتوبر 202111:49 ص

إذا احتاج مدلّسٌ له قوة إرهاب الدولة إلى حجةٍ للسطو على تاريخٍ فقد يزوّر عُملة معدنية، ويكتب ‏عليها مثلاً: "سكّت هذه العملة سنة 48 قبل الميلاد". طرفةُ عبثيةٌ؛ لأن أحداً قبل ميلاد المسيح ما ‏كان يعلم بميلادٍ سيؤرّخ في العالم بما بعدهُ. ولم يتحقق للكيان العنصري الصهيوني شيءٌ ‏يدلُّ ‏على أن له في فلسطين تاريخاً أو أثراً، وإن أكسبته القوة كل ممارسات إرهاب الدولة. لكن ‏هذا الإرهاب تهزمه حقائق بسيطة، ومفرداتُ معيشةٍ تتناثر هنا وهناك، وتنتمي إلى فلسطين ‏التاريخية تحت الانتداب البريطاني‎.‎

هناك تفاصيل صغيرةٌ تتوارى في الزحام، ويمكن الاشتغال عليها، ووضعها في أُطرها اللائقة، ‏والإلحاح بها على الضمير البشري، حتى تصير جزءاً من الذاكرة الإنسانية. وتستطيع هذه ‏الإشارات هزيمة محاولات تهويد تاريخ فلسطين. ‏

لم يتحقق للكيان العنصري الصهيوني شيءٌ ‏يدلُّ ‏على أن له في فلسطين تاريخاً أو أثراً، وإن أكسبته القوة كل ممارسات إرهاب الدولة، لكن ‏هذا الإرهاب تهزمه حقائق بسيطة

من هذه العناصر الصور الفوتوغرافية، وقد يجادل العدو بأنها تتعرّض للتزييف، أما العناصر ‏المادية في اللقطة السينمائية المتحركة فهث دالٌة جداً، تتحدى وتستعصي على التزوير. مناسبة ‏هذا الكلام مصادفة رؤيتي للافتة إشارية في الطريق بين مصر وفلسطين، في الفيلم المصري ‏‏"الطريق المستقيم"، قصة وحوار وبطولة يوسف وهبي، وإخراج وسيناريو ومونتاج وإنتاج ‏توجو مزراحي‎.‎‏ لم يفكر صناع الفيلم، الذي عرض في 17 أكتوبر 1943، في أن هذه اللافتة ‏أقوى من جهاز دعاية الكيان العسكري الاستعماري. ‏


ينتمي الفيلم إلى القصص التقليدية لتلك الفترة. موظفٌ كبيرٌ يقع في حبائل امرأةٍ تشغله عن ‏أسرته، فيختلسُ أموالاً، ويدبران السفر إلى بيروت. هناك يتعرض لإذلال المرأة اللعوب، وتسوء ‏أحواله، فيقتلها، ويهرب عائداً بالقطار عبر معبر "القنطرة" على قناة السويس، ويتم البقض عليه ‏وترحيله إلى القاهرة، ويموت برصاص الشرطة‎.‎

في الفيلم مشهد ربما حزن على وجوده مزراحي، فعند عبور قناة السويس توجد لوحة "جمرك ‏الإسماعيلية"، وغرفة تفتيش حقائب المغادرين إلى سيناء ومنها إلى الشام. ويوجّه البطل سؤالاً ‏إلى المرأة: "أخوكِ علّم على الباسبورتات؟". هنا إشارةٌ إلى السفر من دولةٍ إلى دولةٍ حرةٍ ذات ‏سيادةٍ، حتى لو كانت تحت الانتداب. ويظهر كادرٌ يبدو عابراً، فلا يستغرق إلا ثانيتين اثنتين، ‏ولكنه مهم، في تقسيمه الحروفي، وفي ثقله الرمزي. على يسار الكادر "القاهرة"، ومن اليسار ‏ينطلق سهمُ إلى أقصى الشرق، حيث كتبت "فلسطين" بالعربية والإنكليزية، وبين الحروف ‏العربية والإنجليزية خطان مستقيمان؛ فلسطين على بعد 114 كيلومتراً‏‎.‎

في هذا الفيلم، وفي غيره من الأفلام المصرية، لا إشارة إلى إسرائيل. على حدود مصر الشرقية ‏توجد فلسطين، ومنذ وعد بلفور عام 1917 تشهد فلسطين ثوراتٍ واحتجاجاتٍ على ممارسات ‏عصابات صهيونية ترعاها قوات الانتداب البريطاني. وفي فلسطين مدنٌ وكيبوتزات أنشأتها ‏العصابات المسلحة. وبصعود هتلر ونشوب الحرب الأوروبية العظمى نشأ تواطؤ بين النازي ‏وزعماء الصهيونية. وكان السفر إلى القدس وإلى فلسطين ميسوراً بالقطار، من القاهرة عبر ‏نقطة القنطرة على قناة السويس‎.‎

يذكر محمد التابعي في كتابه "أسمهان تروي قصتها" أنه أقام خمسة أيامٍ في القدس، في أكتوبر ‏‏1941. وبعد أيامه الخمسة في القدس، قال التابعي لأسمهان إنه سيعود غداً إلى مصر، وكانت ‏ستعود في الغد إلى بيروت، وسألته: "هل سبق لك أن زرت تل أبيب؟"، وأجاب بالنفي. شجعته ‏على الذهاب، على أن يستقل القطار في اليوم التالي عائداً إلى القاهرة. كتب التابعي عن تل أبيب: ‏‏"والأثر الذي تركته هذه المدينة أنها أشبه بالمدن التي تشيدها ستوديوهات السينما في هوليوود ‏ليلتقطوا فيها حوادث فيلم سينمائي معين فإذا ما انتهوا من التقاط المناظر... هدموا المدينة وما ‏فيها! أي أنها مدينة ولكنها لا توحي إلى النفس بشعور الثبات والاستقرار!".‏


في ذلك الوقت، كان الراعي الرسمي البريطاني للكيان الدامي يرتب للتخلّي وإنهاء الانتداب ليلة ‏‏15 مايو 1948، تاركاً فراغاً للعصابات الصهيوينة. وكان الراعي الرسمي الإرهابي الجديد يقدم ‏أوراق دعمه، وتجسدت الرعاية في إعلان الرئيس الأمريكي هاري ترومان، في 14 مايو ‏‏1948، اعترافه بإسرائيل: "تم تلبيغ هذه الحكومة (الأمريكية) أن دولة يهودية قد تم إعلانها في ‏فلسطين، وقد تم طلب الاعتراف بها من قبل الحكومة المؤقتة؛ لذلك تعترف الولايات المتحدة ‏بالحكومة المؤقتة بصفتها حكومة أمر واقع للدولة اليهودية الجديدة". كان اعتراف ترومان ‏قراراً شخصياً فاجأ البريطانيين، كما فاجأ أيضاً أعضاء الوفد الأمريكي في الأمم المتحدة‎.‎

في ذلك الوقت لم يكن في فلسطين أثر يدل على وجود لظلالٍ عبريةٍ أكثر من الآلة العسكرية. ‏يسهل أن تجد تحت كل حجرٍ في فلسطين أثراً. في عام 1931 تأسست شركة "سكْب الحديد" ‏الفلسطينية في يافا. منتجات الشركة الوطنية سدّت احتياجات الفلسطينيين من المكابس والطواحين ‏ومضخات المياه، وأدت إلى تطوير عمليات الري، كما أسهمت في تنمية القدرات الفنية لحرفيين ‏وفنيين انتموا إلى الشركة تحمل بعض آثارها الباقية هذه البيانات، بالعربية والإنكليزية فقط: ‏‏"شركة السكب الفلسطينية المحدودة الأسهم. بلدية يافا". في حيفا أيضاً تجد غطاءً لبلوعات ‏المجاري تحمل بالعربية والإنجليزية فقط بياناتٍ للحكومة الفلسطينية‎.‎

هل ندم توجو مزراحي على المشهد الذي يقول إن البطل على مسافة 114 كيلومتراً من ‏‏"فلسطين"؟ تقول سيرة مزراحي (1901 ـ 1986) إنه شارك بالتمثيل في أفلامه الأولى باسم ‏‏"أحمد المشرقي"، وبين عامي 1930 و1945 أخرج 30 فيلماً، كان "الطريق المستقيم" رقم ‏‏24. وبداية من عام 1940 كان يخرج ثلاثة أفلامٍ في المتوسط سنوياً، فلماذا توقف وغادر ‏مصر؟ هل انتهى دوره مع اقترب إعلان الدولة فآثر المغادرة؟

في هذا الفيلم، وفي غيره من الأفلام المصرية، لا إشارة إلى إسرائيل. على حدود مصر الشرقية ‏توجد فلسطين، ومنذ وعد بلفور عام 1917 تشهد فلسطين ثوراتٍ واحتجاجاتٍ على ممارسات ‏عصابات صهيونية ترعاها قوات الانتداب البريطاني

في كتابه "اليهود والسينما في مصر" يذكر أحمد رأفت بهجت أن مزراحي، عام 1946، قام ‏‏"بالاتفاق مع يهود أمريكان بعمل دوبلاج لأفلامٍ دعائيةٍ صهيونيةٍ أنتجت في الولايات المتحدة"، ‏منها "بيت أبي" و"أرض الأمل"، وقد عرض الفيلمان "لحياة يهود فلسطين ونشاطهم في أرض ‏أجدادهم. ويضيف أن مزراحي لم يترك مصر إلا في مارس 1949، "وأنه لم يتعرض لأي ‏اضطهادٍ"، وأن توقفه في تلك السن يرجع إلى أنه "كان قد أتم رسالته السينمائية لحساب ‏الصهيونية وانسحب في الوقت المناسب".‏


أما عرفة عبده علي فيثبت في كتابه "يهود مصر... باروناتٌ وبؤساء" نشاطاً آخر لمزراحي آخر، هو ألبرت مزراحي. ‏أسس عام 1946 "وكالة مصر للصحافة"، لتتولى إصدار ثلاث صحفٍ هي "التسعيرة"، ثم ‏‏"المصباح"، و"الصراحة" التي ترأس مزراحي تحريرها، "ثم أصبح مزراحي أحد دعاة ‏الصهيونية في مصر! ووجه سياسة الجريدة إلى شن حملاتٍ ضد الصحف المصرية التي تهاجم ‏الصهيونية أو تحذر الحكومة من أطماع اليهود ومخططاتهم"، واتهم هذه الصحف بأنها ليست ‏وطنية، "ولا تعرف واجب الولاء نحو عرش مصر ومليكها"‏‎.‎

لو تأخر إنتاج "الطريق المستقيم" حتى وقوع النكبة، هل كان مزراحي سيترك لافتة "فلسطين ‏‏114 كيلومتراً"؟ أم كان سيضيف إليها بالعبرية اسم الدولة التي حلم بإقامتها؟ ربما افتعل مشهداً ‏ليهوديٍ يحتفظ بشيكلٍ معدنيٍ، كتب عليه: "سكّت هذه العملة قبل 48 سنة من قيام دولة إسرائيل"‏‎.‎

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard