في مديح السُّطوح... غرام وانتقام

السبت 9 أكتوبر 202101:27 م

 يعيش أهل بلدي



لما جاءت كورونا، ضاقت الحياة بنا، وصرنا نبحث عن الهواء بالملعقة. ثم انتبهنا فجأة إلى مساحة مفتوحة للسّماء، لا حَجر عليها ولا حظر تجوّل، ولا كمامة تُفرض عليك لدخولها، هي السّطوح. وبدأ الناس في اختراع جلسات بسيطة وغير مكلفة، تُحوّل السّطوح من مكان لتكديس المهملات، نشر الغسيل وتربية الدجاج والحمَام وغيرها من الأغراض الهامشية إلى مقاه جميلة وحميمية. حينها تمنّى الذين لا سطوح لهم لو أنّهم كانوا أكثر حرصاً على الحصول على هذه الساحات الخاصة، التي تعددت استعمالاتها من ثقافة إلى أخرى.

في السّينما المصرية، كانت السّطوح مكان عيش المعدمين الذين لا يتحمّلون كلفة استئجار شقّة. في هوليود يحضر السطح كمكان هروب نهائي بالانتحار، أو مؤقت بالصعود في آخر لحظة إلى الهليكوبتر، وأحياناً يكون قرار الهروب للأعلى الخطأ المميت الفارّين من المطاردات الهوليودية، حيث لا شيء غير السطوح. وتلك عادة المخرجين الهووليوديين الأقحاح، الذين تجري أحداث أفلامهم على الأرض الأمريكية، حين يجعلون السّطوح موقع النّزال القاتل والحاسم بين البطل والمجرم.

أما إذا كان السّطح موجوداً ، فغالباً ما يجد البطل، في الفيلم الهوليودي دائماً، أن السّطوح صُنعت خصّيصاً ليمشي عليها ذلك اليوم؛ فهي متوسّطة العلو، وغير مدبّبة بشكل كلّي، في حيّ منازله واطئة بالكامل. يكفي جهد خفيف للقفز بين السّطوح من شارع إلى آخر، والنّجاة من المطاردة. في الأفلام الأوروبية لا وجود للسطّوح على الإطلاق، لذا فهي غير معنية بهذا الحديث.

عندنا، تظهر السّطوح في الأفلام كحيز لغسيل الملابس ونشرها، ومكان تطور الغراميات وساحة لعب الأولاد، ولمآرب أخرى. غالباً ما يكون للسّطح وجود قوي في الفيلم المغربي، مثلما هو في الحياة. وإذ أستعيد السّطح في ذاكرتي تحضرني صورة مشهد حدث في مدرسة الخياطة والأزياء، في زمن الصّبا المبكر: كنت جالسة داخل قسم الفصالة والخياطة، حين قالت إحدى زميلاتي لأخرى كانت جارة لها: "أتعرفين حياة؟ لقد تزوّجت جارنا سعيد، بعد أن عاشا قصة حبهما على السّطوح لعدة سنوات".

سأَلت الأخرى مندهشة: "هل تزوّجها بعد كل ما عاشاه من غراميات؟"، وسألتُ أنا بالقدر نفسه من الدّهشة: "ألم يكتشفهما أحد من أهلها خلال كل هذا الوقت؟".

كنّا نضع أرجلنا الصّغيرة في الأنهار التي ينبتها المطر في الشّوارع، ونحاول الحفاظ على توازننا، وكان امتلاء البوط البلاستيكي الذي كان يعدُّ لمناسبات مثل تلك، يساعد مع ثقل الماء داخله على حفظ توازننا. كما أن صوت بقبقة الماء مع كل خطوة كان مسلياً... مجاز في رصيف22  

كل منّا سألت انطلاقاً من محيطها سؤالاً هامشياً في قصّة ملحمية لمكان غير هامشي آنذاك. لم يكن السّطح مجرد حيّز للغسيل وذبح خروف العيد، أو لتنظيف السجّاد، وهي العملية التي كانت تُحوّل السّطح إلى مسبح ممتد، نُشطّفه بجذل ونتمنى أن يصعد الماء على سيقاننا ما أمكنه ذلك، لنشعر بتلك الدّغدغة التي ترافق غطس أقدامنا في شوارع تفيض بالماء، عندما كانت تمطر لدرجة تغرق فيها الشّوارع في فيض من الماء، وتتحول إلى أنهار ضاجّة بالحياة، نحن الممنوعات من الهروب اليومي إلى شاطئ المدينة على عكس أشقّائنا الذكور.

حينها كنّا نضع أرجلنا الصّغيرة في الأنهار التي ينبتها المطر في الشّوارع، ونحاول الحفاظ على توازننا، وكان امتلاء البوط البلاستيكي الذي كان يعدُّ لمناسبات مثل تلك، يساعد مع ثقل الماء داخله على حفظ توازننا. كما أن صوت بقبقة الماء مع كل خطوة كان مسلياً. في الشوارع الكبرى، وخلال عودتنا من المدرسة، كنا نستمتع بالفرجة على من يعجز عن عبور الشارع، وكيف يحمل الشبّاب الفتيات والأمّهات، عابرين الأنهار المؤقّتة. كنت غالباً أقضي الوقت في ذلك إلى أن ينحسر الماء، وأعود إلى البيت مثل عصفور مبلل.

لم يكن الغياب عن المدرسة متاحاً، وربّما لم أغب عنها في طفولتي أبداً. لذا كان المطر مجرّد تفصيل صغير، وما لا تتركه المجاري المسدودة من مجال لجريان الماء، تسمح له الشوارع بالرّكض فيها. ولم تكن الأحذية المبلّلة أو الملابس التي تقطر، إلا تفاصيل تُغيّر يومنا بشكل طفيف وعابر، لدرجة أن البقاء بها في المدرسة لم يكن يشكل حدثاً مستجداً على الإطلاق.

في ذلك الوقت كانت السّطوح ساحة لعب ثانية، عندما لا يُسمح لنا بالخروج. كانت أدفأ لحظات السّطوح في الذاكرة هي التي كنا نقضيها داخل الخيم المصنوعة من البطانيات. كانت رائحتها تشعرنا بالدّفء. وتسمح لكل منّا بامتلاك مساحة خاصّة تشكّلها بطانيته، ولا أحد يجرؤ على اقتحام خيمة الآخر.

فهناك حتى السّطح يتميز بالكثير من الاحتياطات، أهمها جدرانٌ عالية تمنع لصوص المال، ولصوص القلوب من التسلّل، ورقابة مستمرة من ذكور العائلة لهذا المكان المفتوح، مع عقليات ترى الإغلاق وحده نظام حياة... مجاز في رصيف22

لماذا كان سؤالي مختلفاً عن سؤال زميلتي؟ السبب اختلاف الجوّ الذي نشأت فيه كل منا. هي آتية من حي شعبي مزدحمة بيوته وسطوحه، لدرجة يتسامح فيها مع كلّ ما يحدث داخله من ضجيج وحياة، بما فيها قصص الحب التي يتغاضى عنها، حتى تَيْنع. وما تخشاه الفتاة فيه أن يهجرها حبيبها حين يستطيع الزّواج.

بينما البيئة التي نشأت فيها أنا كانت تحاصر الحبّ وتمنعه. بنظر تلك البيئة، اكتشافُ علاقة البنت التي كانت تقفز إلى سطح الشّاب أو يقفز إلى سطحها، كان يعني مصيراً معتماً للشابة؛ فهناك حتى السّطح يتميز بالكثير من الاحتياطات، أهمها جدرانٌ عالية تمنع لصوص المال، ولصوص القلوب من التسلّل، ورقابة مستمرة من ذكور العائلة لهذا المكان المفتوح، مع عقليات ترى الإغلاق وحده نظام حياة. مع ذلك كنت أتمكّن من التسلّق إلى سطح الجيران لأرى صديقتي، دون أن أحتاج إذناً للخروج. وما من ابن جيران آنذاك كان يستحق التسلّق، أو الخطر الذي يحمله لحسن الحظ.

في فيلمه "السّطوح" خاض المخرج الجزائري مرزاق علواش تحدّي بناء فيلم ذي حبكة متعددة تستند إلى حكايات مختلفة، تشترك في اتخاذها لسطوح المنازل في أحياء مختلفة، مكانها الأثير. يختار علواش السّطوح لسببين، الأول السّطح كموضع لسكن المهمّشين الذين يعيشون تحت خط الفقر بمراحل، والثاني أنه يوفر له، على الصعيد الفني، فرصة الإطلال على أحياء الجزائر التي تحضر بقوة في أفلامه، من علو، فضلاً عن كونها طريقة ملائمة للتّصوير في أماكن مغلقة ومفتوحة في آن واحد.

للمخرج السينمائي مثلما للإنسان المُحاصر في حدث كوني شعاره: ابق في بيتك، هناك عدة زوايا للنظر إلى السّطوح؛ غراميات الجيران، خمّ الدجاج، الهروب من البيت، اللّعب الطفولي وصنع ألعاب من لا شيء؛ مثل خيم البطانيات، والأراجيح التي تُعلق إلى مخلب، سلخ خروف العيد، والقفز بالحبل تحت احتجاج الأهل من تحت، واللّعب بالورق تحت النّجوم، والتحديق وملاحقة حركة السّحاب في الأجواء المشمشة.. هي أشياءٌ تعيد كورونا الحياة إليها، في هذا الزّمن الإلكتروني الذي قتل الحواس جميعها، وسجن الإنسان أكثر مما فعل الوباء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard