"السنجة في الرنجا يا قومندان زنوبيا"... نخلة آخر

السبت 25 سبتمبر 202112:03 م

 مجاز القناع الذي خلف وجهي


كان الحديث متمحوراً حول "التنصت على الهواتف". ودار "الحديث" دورتين تقريباً؛ أي تحدث كل صديق مرتين على الأقل، بما وصل إلى مسمعه من "أقاويل" عن الآثار المدمرة للتنصّت "الحكومي" و"الأهلي"، قبل أن أحكي ما جرى لمنير نخلة في السماوة، في العام الأول للحرب العراقية الإيرانية. وبينما كنت أحكي لأصدقائي تفاصيل الواقعة، برزت في ذهني ثغرة في الحكاية، ولم أتبين ما إذا كنت قد نسيتها أم أنني لم أعرف أبداً ما جرى لنخلة في النهاية، أكملت الحكي دون أن يشعر الأصدقاء بظهور تلك الثغرة.

تلفون صباحي

في الصباح التالي هاتفت أبي، وبعد التحايا والسؤال عن الصحة والأحوال، بادرته: هل تتذكر حكاية نخلة، فأجاب مستفهماً: نخلة (بيه) المطيعي؟ ثم، ومن دون أن أخبره أنني أقصد المطيعي، راح يحكي: كان نخلة (بيه) قاضياً في محكمة بني سويف، والفيوم وقتها ليس بها محكمة، فكان المتهمون يساقون للمحاكمة هناك، وذات يوم كانت القضية المنظورة متعلقة بسرقة "نخل" في بلدنا سنورس، والمتهم اسمه "نخلة".

على هذه الشاكلة جرت المحاكمة: سأل القاضي المتهم: سرقت يا نخلة؟، فأجاب المتهم: سرقت يا نخلة بيه. سرقت كام نخلة يا نخلة؟ سرقت ستين نخلة يا نخلة بيه. وكيف سرقت ستين نخلة بمفردك في ليلة واحدة يا نخلة؟ بسيطة يا نخلة بيه، كنا في العشر الأواخر من الشهر العربي، والقمر غايب، و"الضلمة كحل"، ونخلة في (...) نخلة، في (...) نخلة (مكان النقاط الثلاثة لفظ دارج "شعبي" متداول يطلق على مؤخرة الإنسان)، وهنا أصدر نخلة "بيه" المطيعي حكمه: حكمت المحكمة على المتهم نخلة بالحبس ستة أشهر. فصاح المتهم: ستة كثير يا جناب القاضي نخله بيه، فرد القاضي: بسيطة يا نخلة، شهر في (...) شهر، في (...) شهر.

ثم سألني أبي عما إذا كانت هذه الحكاية التي أقصدها، فقلت: لا نخلة الآخر، منير نخلة، المحاسب المصري الذي كان يعمل في السماوة، فقال: لا أتذكره، حاولت إنعاش ذاكرته بأسماء شخصيات أخرى كانت تسكن وتعمل مع منير نخلة، ولكنه لم يتذكر، واستغربت، فأردف أبي: نخلة واحد فقط أعرفه، أتذكره، نخلة بك المطيعي القاضي، وهناك شارع باسمه في مصر الجديدة.

ما زال أبي يتمتع بذاكرة جيدة، وحضور بديهة لافت، ودقة في وصف الأحداث التي مرت عليه، لذلك كان استغرابي من نسيانه لحكاية منير نخلة، ثم أن اعتراض حكاية القاضي والسارق للحكاية الأصلية أثارت تعجبي من المصادفة، ولم أرد أن ألح على أبي بالسؤال، واقترحت عليه أن يحاول أن يتذكر على أن نتحدث في وقت لاحق، فأخبرني أنه سيحاول تذكر الحكاية.

وكانت المصادفة قد تملكت مني، فرحت أبحث عن تدقيق لواقعة القاضي والسارق، فظهرت مفارقات عدة.

سيرة موظف عام

ولد نخلة جورجي المطيعي في 23 أبريل 1866، والتحق بخدمة الحكومة المصرية عام 1883، وعمل بالنيابة العمومية منذ عام 1891، ثم عمل بالقضاء منذ عام 1904 وحتى عام 1923. وواقعة محاكمة سارق النخل جرت في بحر السنوات التسع عشر، وولد أبي عام 1938، فمتى سمع الحكاية، وأين، وكيف حفظتها ذاكرته، ومرّرها لي كي تعبر من خلالي لآخرين. كل هذا بافتراض "دقة" النقل.

يصف يونان لبيب رزق الوزراء الذين ضمهم صدقي إلى وزارته في تشكيلها "الثاني"، ومن بينهم نخلة باشا، بأنهم: "عناصر أكثر خنوعاً وليس لها ماض سياسي يذكر، هذا من ناحية، كما أنها كانت أكثر اتصالاً بالقصر من ناحية أخرى"... مجاز في رصيف22

في الحكاية ملمح شخصي للقاضي، فهو لماح، يتباسط مع المتهم، ويبادله "المزاح"، بلفظ "حوشي" على حد تعبير إدوارد الخراط، والمتهم بدوره له، في الحكاية بالطبع، سمات شخصية لطيفة.

لن أعود لأبي لأعرف متى عرف بالحكاية، وممن سمعها، ولماذا ظل يتذكرها؟

يمكنني أن أخمن أن "اللفظ" بمفرده سبب لتحيا الحكاية كل هذه السنوات، أكثر من قرن كامل على الأقل، ويمكنني أن أخمّن أنه سمعها في بيت أخته، فقد كان لزوجها شقيقان يعملان بالقضاء، وتنقلا في نيابات ومحاكم في مديريات ومحافظات مختلفة، وكانت زيارتهما لبيت العائلة الكبير تتضمن دائماً سرد حكايات وطُرَف متصلة بعملهما في القضاء، والتخمين يمكن أن يصل لمدى أبعد، فأتصور أن الحكاية من حكايات سنورس المتوارثة عبر الأجيال، فالسارق منها وفيها جرت السرقة.

لكنني بحاجة للمزيد من المعرفة بـ "نخلة بيه"، فحدسي الأولى يحفزني للبحث وراء "المصادفة" عن معنى ما متصل بمنبت الحديث: "السلطة وسطوتها وألاعيبها".

لنخلة المطيعي شقيق أكبر هو فوزى جورجى المطيعى باشا (... - 1929) وقد أصبح وزيراً للزراعة في وزارة يحيى إبراهيم (1923)، وكان بدوره قد عمل بالنيابة والقضاء حتى وصل إلى منصب مستشار بمحكمة الاستئناف الأهلية، وأصدر كتابين في القانون: "كنز الاصلاح في شرح قانون المتشردين وحمل السلاح"، و"شرح قانون العقوبات الجديد"، وقد سمي شارع باسم فوزي المطيعي، في مصر الجديدة أيضاً، وهما (فوزي ونخلة) ينسبان إلى "أصل" العائلة، قرية المطيعة، إحدى قرى مركز أسيوط، عاصمة المديرية والمحافظة فيما بعد.

وللأخوين معاً، دور وزاري وسياسي وحزبي له طابع مميز في تاريخ مصر، شرعه فوزي وأكمله نخلة في ذات التوجه. تمدنا ثلاثة كتب ببعض التفاصيل عن المسار الوزاري والسياسي والحزبي "القصير" لفوزي، و"الطويل"، نسبيا، بالنسبة لنخلة، والكتب هي: "تاريخ الوزرات المصرية"، تأليف يونان لبيب رزق، و"السياسة الحزبية في مصر- الوفد وخصومه (1919- 1939)"، تأليف ماريوس كامل ديب، و"مذكرات صليب باشا سامي (1891- 1952)".

دخل الأخوان (المطيعي) الوزارة في الفترة التي يطلق عليها، رزق، وزارات الملك فؤاد (1922- 1936)، فقد اختار الملك بنفسه جميع الوزراء، ويعلق اللنبي (المندوب السامي البريطاني في مصر) على دخول فوزي الوزارة، في وزارة يحيى إبراهيم، قائلاً: "وفوزي المطيعي بك قبطي غير معروف نسبياً"، ويذكر رزق أنه "في 12 يناير 1924 جرت أول انتخابات برلمانية حقيقية تجري في مصر، سقط فيها رئيس الوزراء، يحيى إبراهيم، واكتسحها الوفد بنسبة تزيد على 90%".

ودخل نخلة إلى الوزارة في فترة الوزارات الملكية- التجربة الأولى (1924- 1926)، ضمن وزارتي أحمد زيور باشا، ويذكر رزق أن: "وزارتي زيور باشا لم تتمكنا بأي حال من أن يكون لهما أي سند شعبي أو أي شرعية دستورية. وهما، أي وزارتي زيور، بدلاً من أن تعتمدا على مجالس شعبية اعتمدتا على مراسيم ملكية بحل تلك المجالس، وما ترتب على ذلك من التأكيد على حقيقة مؤداها أن إرادة القصر كانت القاعدة التي ارتكز عليها وجود هاتين الوزارتين".

كما يذكر رزق أن الوزارتين "قد اعتمدتا على هيئة سياسية شكلها القصر، هي "حزب الاتحاد"، وأن حسن باشا نشأت، رجل السراي القوي، قد ذكر "أن الهدف من وراء تأليف هذا الحزب إيجاد نوع من التوازن بين الحزبين الكبيرين، الوفد والأحرار الدستوريين، حتى لا يستبد أحدهما بالسلطة إذا ما انفرد بها".

ويخبرنا، ديب أن حزب الاتحاد ينتمي إلى "نوع عتيق من الأحزاب السياسية، والمتمثل في تحلّق مجموعة من الأفراد حول رجل واحد. وفي حالتنا الخاصة هذه كان الملك فؤاد هو البؤرة بالنسبة لحزب الاتحاد. ولم يكن هذا الأخير شيئاً آخر سوى التعبير المباشر عن ظهور القصر في الساحة كقوة سياسية لها وزنها، وبعد سقوط حكومة حزب الوفد في خريف عام 1924. وكان مؤسس الحزب هو حسن نشأت، وكيل الديوان الملكي والقائم بأعمال رئيس الديوان، وكان مكتبه في القصر هو المقر غير الرسمي للحزب.

أما عن التركيب الاجتماعي لحزب الاتحاد الذي كان الأخوان المطيعي من بين قياداته، فيخبرنا ديب أن "تحليل التكوين الاجتماعي لمجلس إدارة الحزب، (يوضح) عند إنشائه في يناير 1925، وجود عدد كبير من كبار ملاك الأراضي..."، وقد استطاع حسن نشأت أن يضم إلى الحزب بعض الوفديين السابقين، إلا أنه اعتمد أساساً على "ملاك الأراضي الأغنياء". كذلك توضح دراسة قائمة حزب الاتحاد، في انتخابات 1929، أن أغلبية الحزب كانت من بين أعيان الأقاليم وكبار العائلات المالكة للأراضي الزراعية.

ويجمل ديب بحثه في مسار الاتحاد، فيذكر أن "حزب الاتحاد كان في الواقع زمرة لا حزباً. لقد كان حزب الملك فؤاد، ومن ثم لم يكن تجمّعاً سياسياً تلقائياً للأعيان، كما هو الحال بالنسبة لحزب الأحرار الدستوريين، وإلا لأصبح كل منهما شبيهاً بالآخر إلى حد بعيد، في ما يتعلق بالقاعدة الاجتماعية والبنية والأيديولوجية المعلنة".

الميزة المشتركة بين وزارات يحيى إبراهيم وزيور وحزب الاتحاد، أنهم جميعاً على "ولاء مطلق للقصر"، وضد حزب الأغلبية الوفد، وزعيم الأمة سعد زغلول.

هذا عن تجربة فوزي مع حكومة يحيى إبراهيم، وتجربة نخلة مع وزارتي زيور، وحزب الاتحاد، أما عن دخول نخلة، وزيراً للزراعة في حكومة محمد محمود، والتي يطلق عليها رزق تعبير وزارة اليد القوية (1928- 1929)، فيفيدنا ما ينقله رزق عن تصنيف المندوب السامي البريطاني في القاهرة، برسي لورين، للوزارات المصرية في تلك الفترة، ويعتبره تقيماً دقيقاً: فالوزارات المصرية على قسمين، الأول، وزارات وفدية أو تتمتع بالتأييد الوفدي، والقسم الثاني: وزارات معادية للوفد.

والقسم الأخير قسمه بدوره إلى: وزارات القصر وقد وصفها بالرجعية والخضوع التام للملك، ووزارات تتشكل من ساسة ذوي خبرة إلا أنهم يعادون الوفد، وقد وضع وزارة "محمد محمود" ضمن هذا النوع الأخير. (و) هذه الوزارات "تعاني من عداء الوفد الصريح من ناحية، ومن المناورات الملتوية للملك فؤاد من ناحية أخرى، والذي تتناقض شهيته الفائقة للسلطة الشخصية مع الإدارة المستقلة التي تنتهجها أي حكومة تحترم نفسها".

الدخول الأخير لنخلة باشا المطيعي للوزارة جاء في الطور الأخير من التجربة الثانية للوزارات الملكية، فقد تولى وزارة الخارجية في وزارة إسماعيل صدقي "الثانية"، وذكر رزق "أن ما قام به القصر على عهد التجربة الجديدة من الوزارات الملكية بإقامة حزب جديد موال هو حزب الشعب، يشبه إلى حد كبير ما قام به قبل ذلك من إقامة حزب الاتحاد، فكلا الحزبين قد تشكل بتدبير من القصر، تعاونه الوزارة القائمة، وكلاهما قد تشكل من رجال وقعوا تحت شكل من أشكال الإغراء أو شكل من أشكال التهديد، أو بالأحرى "تطلعوا إلى القصر طمعاً في تحقيق مصلحة أو تجنباً لضياع مصلحة".

أخاطب ابن عمي هكذا: "يا جناب الكومندا المهم، العبارة في الدوبارة؟", أي: هل اشتريت زجاجتي الويسكي، فيرد: "السنجة في الرنجا يا قومندان زنوبيا"، وهكذا، ويبدو أن عامل الهاتف قد أثارت هذه "الشفرة" شكه فقُبض عليه... مجاز في رصيف22

ثم تزداد أوصاف رزق "حدة"، فيصف الوزراء الذين ضمهم صدقي إلى وزارته في تشكيلها "الثاني"، ومن بينهم نخلة باشا، بأنهم: "عناصر أكثر خنوعاً وليس لها ماض سياسي يذكر، هذا من ناحية، كما أنها كانت أكثر اتصالاً بالقصر من ناحية أخرى".

بقى نخلة باشا وزيراً للخارجية من 4 يناير حتى 10 مايو 1933، وخلفه في المنصب صليب سامي بك، من يوليو حتى 27 سبتمبر 1933، الذي يذكر في مذكراته "أن نخلة باشا المطيعي وزير الخارجية قد اضطر إلى الاستقالة لمرض".

الطريف أن سامي باشا يذكر أن العامل الحاسم لقبوله الوزارة هو "رغبتي في أن يراني والدي وزيراً في حياته فتقرّ بي عيناه، وبخاصة لأنه كان من موظفي الدولة وكان يحب مظاهر الوظيفة، فما باله حين يرى ابنه وزيراً يتولى أرفع وظائف الدولة".

الأكثر طرافة أن صليب باشا يبرز في مذكراته بصورة أكثر تفصيلاً وفجاجة طريق تأليف الوزارة التالية لوزارة صدقي، فيذكر أنه "وقع اختيار الملك فؤاد على عبد الفتاح باشا يحيى ليكون خلفاً لصدقي باشا. وكان يحيى باشا في أوروبا، فأخطر بالعودة لتولي رئاسة الوزراء، وبينما كان يحيى باشا في طريقه إلى مصر، كانت الترشيحات لأعضاء الوزارة قد تمت.

وكان العامل الأول في وضع قائمة الوزارة زكي باشا الإبراشي، ناظر الخاصة الملكية، بالاتفاق مع صديقه محمود باشا فهمي القيسي، وكيل وزارة الداخلية في وزارة صدقي باشا...، وصدر المرسوم دون علمي بتعييني وزيراً للحربية والبحرية. وكانت مفاجأة لي غير سارة...، ولما بلغ مسامع الملك أثر هذا التعيين في نفسي، دعاني إلى مقابلته وقال لي، وأني لابد أعلم أن هذه أول مرة يُعيّن قبطي وزيراً للحربية، وللمرة الثانية أغدق الملك عطفه علي، وفعل عطفه فعل السحر في نفسي".

صنعت إرادة الملك، وعطفه، سابقة مع صليب باشا سابقة لم تتكرر، وقد يكون ما سجله في مذكراته مناسبة للخروج من الاعتراض الذي فرضته ذاكرة أبي على الحكاية الأساسية، فلنعد إلى نخلة "الأصلي"، أو نخلة المقصود.

"التطويحة" العراقية الثانية

كنا في "التطويحة" العراقية الثانية، التي فرضتها على أسرتنا آمال أبي المعلقة على حسابات غير راجحة، كنا قد أقمنا عامين في بغداد (1976- 1978)، على مسافة أمتار قليلة من نصب الحرية، وها نحن نرتحل إلى الجنوب الشرقي، إلى محافظة المثني، ومركزها السماوة. عامان دراسيان أنهي بهما دراستي الثانوية (الإعدادي بالتصنيف العراقي)، وأعود لبغداد للدراسة الجامعية، وأزور الأسرة على فترات متباعدة نسبياً، وكانت الحرب في فصلها الافتتاحي، وكان بيتنا مفتوحاً لأصدقاء أبي الذين يصغرونه بعقد على الأقل، يلتمس فيهم "عزوة"، ويلتمسون فيه "دليلاً.

كان منير نخلة، القبطي الوحيد بينهم، محاسب شاب يقيم في بيت مكون من طابقين يتشارك في تكاليف السكن والمعيشة معه: مهندسان، طبيب ومساح، الخمسة ليسوا على مزاج واحد، وأبي مفعم بطاقة أمل غريبة للغاية في زمن الحرب، وكان منير نادراً ما سمعتهم جميعاً ينادونه به، كان نخلة كافياً، وكان لنخلة نظام منضبط للغاية: صباح كل خميس يدخل إلى "الدائرة" حيث يعمل محاسباً في إحدى دوائر الحكومة، وهو يحمل حقيبة سفر صغيرة، وحين ينتهي الدوام، يحملها ويتوجه إلى موقف الباصات، ويستقل أحدها متوجهاً إلى بغداد، ليعود إلى "الدائرة" صباح السبت.

وصباح سبت لم يعد، افتقده زملاء العمل وشركاء السكن، وبدأ القلق بعد يومين، ولا حيلة لأحد لمعرفة سبب الغياب، انتظروا يومين إضافيين، وقاموا بالمفترض قانوناً على المستويات كافة: بلاغ للأمن وتقرير للحزب، وانتظروا، وحين اكتمل الأسبوعان جاء الرد: منير محتجز للتحقيق في الأمن العام في بغداد، أسبوع آخر وعاد الغائب، في الصياغة الأولى ظهر مرتبكاً قليلاً، حكى بتفصيل أكثر في بيتنا، وكنت حاضراً في إجازة دراسية قصيرة وأصغيت بانتباه، فقد كانت الحرب قد استنارت فواجعها الباكرة أمامي.

قال نخلة: جئنا جميعاً في طائرة واحدة من مصر، أنا وابن عمي واثنان من رفاق طفولتنا، وتوزعنا، ابن عمي في بغداد، وصديقينا في ديالى (شرق بغداد)، والفلوجة (شمال غرب بغداد)، وأنا هنا أبعدهم مسافة وأكثرهم وحدة، حين وقعنا عقودنا الحكومية، بعد أقل من شهر من قدومنا "على فيض الكريم"، تواعدنا على اللقاء في بغداد كل خميس، نتأنق ونذهب إلى أحد الملاهي الليلية، نشرب ونشاهد الراقصات، وقد نعود إلى شقة ابن عمي الفسيحة والتي يشغلها بمفرده، بما تيسر من اللهو غير البريء، امرأة أو أكثر، ونقضى "ليلة ونهار" خارج التصنيف، وفجر السبت نعود إلى رتابة العمل وجفاف الحياة.

عند هذه النقطة كان الجميع: زملاء العمل، شركاء السكن، أبي وأنا، ينفذ صبرنا. ويتوقف نخلة دقائق، ثم يكشف كل أوراقه: أربعتنا أغبياء، حماقتنا لا حدود لها، فقد اتفقنا على "شفرة"، شفرة تحمينا من أي مباغتة، كنا قد اعتدنا أن نتصل ببعضنا البعض، من مقرات عملنا صباح الخميس وصباح السبت، في الخميس لنتأكد من الاستعدادات، والسبت لنستعيد الذكريات، وعلى هذا المنوال، أخاطب ابن عمي هكذا: يا جناب الكومندا المهم، العبارة في الدوبارة، أو "البضاعة في بطن الزير"، أي: هل اشتريت من "اورزدي بك" زجاجتي الويسكي المتفق عليها، فيرد: "السنجة في الرنجا يا قومندان زنوبيا"، وهكذا، ويبدو أن عامل البدالة (مقسم الهاتف) في إحدى الدوائر التي نعمل بها قد أثارت هذه "الشفرة" شكه، ويبدو أن أحدنا ذات مرة تحدث بصورة مكشوفة، فنبهه محدثه إلى ضرورة العودة إلى الشفرة، وسمع العامل بوضوح كلمة شفرة، وبات شكه حقيقة، فألقي القبض علينا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard