"موت منظّم"... عن الأرمن الذين رُميت أجسادهم على جوانب الطرق

الجمعة 8 أكتوبر 202101:02 م

ربما تكون من المرّات القليلة التي يلتفت فيها القرّاء لعمل أدبي ما، قبل أن يلتفت إليه النقاد والصحفيون والمتخصصون، فبصدور رواية "موت منظّم" عن دار "هاشيت أنطوان"، للكاتب المصري أحمد مجدي همّام (1983)، مطلع مايو الماضي، تكوّنت شبكة استثنائية من القرّاء من جميع أنحاء العالم، يجمعهم بشكل أو بآخر الانتماء إلى القضية الأرمنية.

وهو الحيز الذي اختاره همام لمعادلته الروائية التي تعمل كـ"بلاي باك" إذا صح القول، معاكِسة، ومعانِدة، ضد نسيان المذبحة التي تعرض لها الأرمن على يد الدولة العثمانية أوائل القرن الماضي، حين صدرت أوامر بترحيلهم جميعاً في مسيرات تهجير طاحنة من الأناضول إلى الموصل وحلب، قضى أغلب مَنْ كانوا فيها وتفسّخت جثثهم على جوانب الطرق.

بقيت القضية الأرمنية مسألة ذات طابع خاص وضيّق يكاد لا يتجاوز أصحاب القضية المعنيين بها شخصياً، لكننا نلاحظ أنها أخذت بعدها الإنساني حين نرى قرّاء متعاطفين مع ما حدث للأرمن من مجازر إبادة وتهجير وسخرة وحرمان، يلتقطون صوراً لهم مع الرواية في مدن مختلفة من العالم، ويرسلونها للكتاب مع اقتباسات جارحة:

"ركضت راجعاً إلى مخبئي، كنت أرتجف وأنا أحكي لنونيا عن أبناء جلدتنا الذين سيذبحون، يومها بكت حتى خارت ونامت، وبعد يومين فاحت في البادية رائحة نتنة، وشوهدت النسور تحلِّق في المدى. وكثر الذباب، فعرفت أنهم قتِلوا".

عند أعلى نقطة عن سطح البحر

قبل ستة أعوام، التقيت أحمد مجدي همام للمرة الأولى ضمن برنامج "آفاق" لكتابة الرواية تحت إشراف الكاتب اللبناني الراحل جبّور دويهي. كنا تسعة كتّاب من بلدان عربية مختلفة: رانيا مأمون من السودان وجون بوي من جنوب السودان، محسن الوكيلي ومحمد بنميلود من المغرب، سمير يوسف من لبنان، سليم البيك من فلسطين، وأنا وأحمد من مصر.

ربما تكون من المرّات القليلة التي يلتفت فيها القرّاء لعمل أدبي ما، قبل أن يلتفت إليه النقاد والمتخصصون، فبصدور رواية "موت منظّم"  للكاتب المصري أحمد مجدي همّام، تكوّنت شبكة استثنائية من القرّاء من جميع أنحاء العالم، يجمعهم بشكل أو بآخر الانتماء إلى القضية الأرمنية

صورة الكاتب أحمد مجدي همام

وفي السهرات التي أعقبت لقاءات الورشة، كان أحمد مجدي همام يستغل الطقس الساحر على جبل إهدن في بيروت، عند أعلى نقطة عن سطح البحر، ليحكي لنا عن مشروع رواية أخرى هو "موت منظّم"، وكان آنذاك قد حصل على منحة لدعم إنتاجه عن مؤسسة "المورد الثقافي"، وربما لولا هذه المنحة لما تمكن مجدي همام من تلقي المساعدات التي مكنته من السفر إلى أرمينيا، ومن زيارة مدن أخرى لجمع المادة الأرشيفية والتقاء أبطال روايته الحقيقيين وجهاً لوجه.

"مصر بتمصّر أقلياتها"

في حديث مع رصيف22 يحدد مجدي همام نقطة البدء: "الحكاية كلها بدأت من فيسبوك، صديقة سورية تهنئ جدها بعيد ميلاده، وهو أحد الناجين من المذبحة، نشرت على حسابها الشخصي صورة صادمة لثلاث فتيات مصلوبات عاريات الصدر. كان في الصورة قسوة لا نهايئة صعقتني".

"ركضت راجعاً إلى مخبئي، كنت أرتجف وأنا أحكي لنونيا عن أبناء جلدتنا الذين سيذبحون، يومها بكت حتى خارت ونامت، وبعد يومين فاحت في البادية رائحة نتنة، وشوهدت النسور تحلِّق في المدى. وكثر الذباب، فعرفت أنهم قتِلوا"

بدأ صاحب "الوصفة رقم 7" رحلة بحث لم تتوقف عند حدود الإنترنت، يقول: "اكتشفت مادة خام عظيمة ومغرية للاستخدام الروائي، كانت تمر عبر أرمينيا، سوريا، لبنان، مصر وغيرها من الدول التي ضمّت الشتات الأرمني، كما اكتشفت نادي آرارات في مصر الجديدة، وهو مكان خاص بالأرمن وثقافتهم، وعموماً تتجمع أعداد كبيرة من الأرمن المصريين في منطقة مصر الجديدة".

يحسب لمجدي همام بكل تأكيد اهتمامه بموضوع يتجاوز حدود مصر ويتماس مع أحداث تراجيدية، أو بالأصح "إبادة عرقية"، وحسب الرواية: "مصطلح (إبادة عرقية) صكّه محام بولندي اسمه رافائيل ليمكين، وبنى طرحه على أساس ما تعرض له الأرمن على أيدي الأتراك"، يعلّق همام على هذه الملاحظة قائلاً:

"في الحقيقة، الشخصية الأرمنية هي جزء من النسيج المصري، الأرمن المصريون يعرّفون أنفسهم كمصريين، وقد كانوا جزءاً من الصناعة والاقتصاد والفن طوال سنوات. حسب وصف إحدى شخصيات الرواية: مصر بتمصّر أقلياتها... دول تانية يا بتقتلهم، يا بتنفيهم يا بتضطهدهم!".

بين التوثيق والمخيّلة

تبدأ الرواية بصوت الصحفي الشاب عبد الرحمن سعد، الذي يلتجئ إلى المخفر للتبليغ عن فقده لهاتفه، ليلتقي هناك بمحض الصدفة، السيدة ماجدة سيمونيان، الأرمنية-المصرية، والتي جاءت تشتكي ضد جارتها المؤذية "أم سيد" وضد أفعال البلطجة التي تمارسها عليها. ينسى عبد الرحمن حكاية هاتفه المسروق، ويخرج وراء السيدة الرقيقة ماجدة التي بكتْ بطريقة مثيرة للشفقة عندما لم تجد مَنْ يستمع إلى شكواها في القسم. نقرأ: "أفكّر في طريقة تسمح لي بأن أتكلم معها.

ماذا تفعل يا مجنون؟ العفريت القزم الفضولي الذي بداخلي يشاكسني ويتجاهل تساؤلاتي ويرد: لن تعدم طريقة لتكلمها".

ينجح عبد الرحمن في طمأنة ماجدة ولو مؤقتاً وتهبه هي خيطاً يثير اهتمامه كصحفي: مسيرات الموت القديمة ووصول أهلها إلى مصر، وحكايتها الشخصية مع زوجها الذي هجرها من أجل امرأة أخرى، وابنيها اللذين تركاها في مصر والتحقا بوالدهما الغني من أجل تأمين مستقبلهما. باختصار، تعاني ماجدة من انكسارات سيتعاطف معها عبد الرحمن ويحاول أن يساعدها.

صور من الأرشيف

بقيت القضية الأرمنية مسألة ذات طابع خاص وضيّق يكاد لا يتجاوز أصحاب القضية المعنيين بها شخصياً، لكننا نلاحظ أنها أخذت بعدها الإنساني حين نرى قرّاء متعاطفين مع ما حدث للأرمن من مجازر إبادة وتهجير وسخرة وحرمان، يتفاعلون مع الرواية في مدن مختلفة من العالم

ويستعرض السرد في الرواية الجانب التوثيقي، أي الحكايات التي سمعها الكاتب من الشهود الأرمن الذين التقاهم أثناء بحثه الميداني، عبر تقنية الأصوات المتعددة. لا يروي همّام على لسان الضحايا، بل يستغل عمله في الواقع كصحفي ويفسح لهم المجال ليرووها هم بمأساويتها ومعجزاتها أيضاً داخل متن الرواية.

وفي الوقت نفسه، يمتدّ الخيط الروائي إلى الزمن الحاضر، حيث نتماهى جميعاً مع حيرة ماجدة، التي تجد نفسها أمام خيارين؛ إما العودة للاستقرار في أرمينيا، أو مواصلة اجترار الماضي وأحزانه في مصر.

صورة للكاتب أحمد مجدي همام في أرمينيا

استطاعت لغة همام ألّا تخضع للرتابة، وأن تبقى محافظة على تمايزها وبريقها وعلى نوع من الخفّة والمرح اللذين كانا يجعلان جبّور الدويهي يغرق في الضحك وهو يقرأ كتاباته. الهدف هنا كان مزدوجاً: تخفيف جرعة البؤس، باعتماد أسلوب صحفي يسعى إلى استقصاء حقيقة ما حدث قبل مئة عام تقريباً، وفي نفس الوقت بثّ شيء من الحياد العاطفي الذي مكّنه من مواصلة البحث، وسهّل علينا نحن كقراء مهمة مواصلة القراءة.

يقول: "لم أكن أريد أن تتحوّل الرواية إلى بكائية، أعتقد أن الرواية هي فن اللون الرمادي، لا الأبيض ولا الأسود، عندما نفكر في دون كيشوت على سبيل المثال، لا نقول إنه بطل، وهو كذلك ليس بمجنون، إنه شيء بين الاثنين، وهذه هي الرواية بالنسبة لي".

يستخدم مجدي همّام لغة سلسة لا تغيب عنها الجماليات، ويكتب أحياناً لاسيما في الحوارات بطريقة تحاكي العامية المصرية وتحوّل، في نفس الوقت، الرواية التاريخية إلى عمل ممتع. نقرأ على سبيل المثال: "والله إنتا إنسان محترم يا أستاز عبد الرحمن، وأنا يعني مش عارفة أقول لك إيه.. ممتنة لذوئك ولمساعدتك ليّا".

 في مقابل السرد المتعلق بتفاصيل الإبادة، يرسم الكاتب صراعاً في الحاضر يدور بين السيدة الأرمنية وجارتها "أم سيد"، صراع يفجّر مفارقة ما بين وحشية صراع الأمس وتفاهة نضال اليوم، وربما كان يقصد من ذلك تخفيف أجواء المأساة في الرواية، لكن همّام لا يستهين بهذا الصراع، ويقول:

يقول أحمد مجدي همّام: "في الحقيقة أنا أتبع نصيحة جبّور دويهي الذي قال لي إنه يرسم دائماً البداية والنهاية، ثم يمدّ خيط وصل بينهما. كنت أود إدانة الإرهاب والقتل العمد والإبادة، وهي كلها أعمال لا تتوقف للأسف، لأن الإنسان لا يتعلم من ماضيه"

"أحداث الرواية تدور بين العامين 2013- 2016، وهي الفترة كانت تمرّ فيها مصر بفراغ أمني وعدم استقرار سياسي، استغله البعض في ممارسة سيطرة ونفوذ وهميين بلا وجه حق على الآخرين، وهذا ما كانت تفعله أسرة أم سيد في الرواية، مستغلة بذلك ضعف ماجدة وكونها تعيش بلا رجل".

خيط التراجيديا

ورغم خفة الظل، يترك لنا مجدي همام الفظاعة الكبرى الى النهاية، وهي التراجيديا المنفجرة في وجوهنا كقرّاء، حين يعود إلى الواقع المصري، تحديداً إلى حادثة تفجير كنيسة مجمع الكاتدرائية المرقسية، مقرّ بابا الأقباط الأرثوذكس، يوم 11 ديسمبر سنة 2016.

يقول: "في الحقيقة أنا أتبع نصيحة جبّور دويهي الذي قال لي إنه يرسم دائماً البداية والنهاية، ثم يمدّ خيط وصل بينهما. كنت أود إدانة الإرهاب والقتل العمد والإبادة، وهي كلها أعمال لا تتوقف للأسف، لأن الإنسان لا يتعلم من ماضيه".

وهو ما تقوله أيضاً بطلة الرواية في حوار مع عبد الرحمن: "البشر قتلة يا أستاذ، يقتلون لأتفه الأسباب، اختلاف الدين والملّة واللون واللغة والملامح، بل حتى اختلاف النوادي التي يشجعونها، يقتلون بمنطق (نحن) وهم...".

وفي ختام حديثه مع رصيف 22 يعلن صاحب رواية "عيّاش" الصادرة عن دار الساقي عام 2016، سعادته بما تحققه الرواية من استقبال القراء:

"أشعر أن هناك تجاوباً إنسانياً، وأن الرواية حققت نوعاً من الانسجام مع أفراد من عائلات ضحايا لنفس الفترة الزمنية، فالأتراك لم يقتلوا الأرمن فقط، بل اليونانيين والألبان وغيرهم، أي أن فعل الإبادة قد وقع على عدة شعوب، وفي العصر الحالي يكفي النظر إلى ما يحدث في آسيا أو في فلسطين، لنعرف أن المأساة ما تزال مستمرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard