هل الأرمن يشبهوننا حقاً؟... رحلة الحجر والحزن والرمان إلى يريفان

الأربعاء 28 يوليو 202103:24 م

الأمران اللذان يجعلان اللبنانيين يستعيدون رحلاتهم بما يشبه النوستالجيا، هما الجائحة وتقييدها لحركة السياحة، وهو مشترك عالمي لكنّه مؤقت، ثم تهالك الاقتصاد، ومن ثم تراجع مستوى الدخل الفردي في وتيرة غير مسبوقة، وهو حيثيّة لبنانية خاصّة. فأن نتحدّث عمّا مضى بابتسامة ترسمانها ذكرى وصورة، ليس بمنأى عن واقع يستحضرها ويثير شجوناً، فتطفو عبارة الاستسقاء: "سقى الله تلك الأيام" أو جملة رجاء ترافق الابتسامة: "على الله تعود على الله"!

لأرمينيا حضور مميز لدى اللبنانيين، لأنّها تشكّل تاريخاً وثقافة في وجدانهم، بل الأرمن مكوّن رئيسي من مكوّنات المجتمع اللبناني. أما أنا، فلديّ أسباب للشغف بالتعرّف إلى هذه البلاد؛ منها أنّي ورثت حب الأرمن من أمّي التي أقامت صغيرة مع عائلتها، في حيّ بيروتي، بمجاورة عائلات من أصول أرمنية. وفي مرحلة دراساتي العليا، زاملت طالبة أرمنية كانت تعبّر عن حبّها العميق للغة العربية، فلم يأت اختيارها للتخصّص محض مصادفة. فقلت لها ممازحة: لعلّك تريدين كتابة رواية عن مأساة الأرمن إبّان الحرب الكبرى الأولى، فأجابت بجدّية بالإيجاب.

يوميّات يريفان

نزلنا أنا وصحبتي، في شقة مفروشة اخترناها في منطقة وسطيّة في العاصمة يريفان، وفي حيّ تراثي. في أسفل المبنى مخبز حلويات ومعجّنات، وبلصقه يوجد متجر صغير يتوافد إليه القرويّون لبيع أجود منتجاتهم من الخضار والفاكهة، ومنها أنواع من التوت قلّما توجد في بلادنا.

بضع خطوات أسيرها لأصادف محترفاً للخشبيّات ومتحفاً صغيراً، أرجأت زيارته لليوم ما قبل الأخير. وليس بعيداً بعد منعطف، أصادف ثلاثة مقاهٍ ليليّة، يبعد الواحد عن الآخر حوالى خمسين متراً، تحتاج إلى حجز مسبق لتناول أشهى وجبة لحوم وبطاطا مشوية مع الجبن رفقة كأس من نبيذ الرمّان أو العنب الفاخر.

في زيارة المدن أو البلدان، من الممتع والمفيد معاً ألّا نتجوّل بعين سائح عابر عبر نافذة حافلة، أو من خلال عدسة كاميرا تلتقط مشاهد معيّنة فحسب. ومن البديهي أن تكون لنا خلفيّة معرفيّة بحدودها الدنيا عن المكان الذي نقصده: تاريخاً، فن عمارة، ومعالم طبيعيّة وأثريّة.

مكان ملهم كهذا، يتصل بالسماء والأرض، يدعو للتأمّل في التاريخ الديني للبشريّة، وسلسلة اضطهاداتها في كلّ حقبة باسم الاستنارة

على أهميّة المتحف التاريخي الوطني، إذ تبقى السياحة ناقصة بدون زيارته، فإنّ الحاضر الإنساني- والفني ضمناً- لأي شعب يعادله في الأهميّة. كأن نراقب عادات الناس في أبسط سلوكاتهم وردود أفعالهم مع بعضهم أو مع الغريب، وأن نتعرّف إلى أنماط معيشتهم ربطاً بتاريخ أسّس واقعهم، فنخرج من المكان محملين بزاد إنساني يستقرّ في الذاكرة والوجدان.

الإقامة في بناء وسط السكان، لا في فندق مسوّر ومعزول له ما يغذّي غاية الاقتراب من يوميّات الناس، قد لا يعني ذلك الآخرين، لكنّه غاية لديّ؛ في أن أصحو مبكرة قبل الرحلة المقرّرة لأشاهد من شرفتي جزءاً من المدينة وهي تستيقظ، وأتأمّل المباني ذات الطراز القديم.

ثمة متعة موازية، لاسيما مع شراب المتّه الذي يرافقني أينما ذهبت. أبتسم حين أتذكّر أن هذا الشراب المنبّه بعشبته الخضراء، قد شهد رحلته كذلك الأمر، متّخذاً مساره من بلدان أمريكا الجنوبية/اللاتينيّة إلى بلادنا مع المهاجرين اللبنانيين والسوريين الأوائل، وبات تناوله عادة لدى الكثيرين بيننا. مته لبنانيّة ذات أصول أمريكيّة على شرفة مسكن في يريفان، يشعرني بأنّ السلام الكوني أمام ناظريّ!

عتق التاريخ

في معبد "غارني"، المعلم الوثني الوحيد المتبقي من حملة التطهير المسيحي والهدم لكل أثر وثني في تلك البلاد، ثمة مذبح حجري غمق لون سطحه وجوانبه، ربما لانسكاب دماء الأضاحيّ عليه، أو لسيلان الشموع. وكان الزوار يتقمّص بعضهم دور الأضحية/القربان، لتلتقط الصور لهم على المذبح مع قبضة يد لرفيق رحلتهم تمثل طعنة خنجر.

تردّد أمي بأنّ "الأرمن يشبهوننا"، معدّدة بعض الأسباب في جلسة سمر

يقال إنه لم يكن معبداً بل قبراً فنجا من الهدم. ولعلّه من أكثر الآثار المقصودة، لا لحيثياته التاريخيّة وفرادته فحسب، بل لتميّز موقعه الجغرافي. ففي أسفل الجرف أمامه يقع وادي نهر أزات بتشكيلات صخوره العموديّة البازلتيّة التي يطلق عليها السكان "سمفونية الأحجار". مكان ملهم كهذا، يتصل بالسماء والأرض، يدعو للتأمّل في التاريخ الديني للبشريّة، وسلسلة اضطهاداتها في كلّ حقبة باسم الاستنارة.

قد يكون غرض من يزور أرمينيا السياحة الدينيّة، إنما من يهتمّ بفن العمارة القديمة، الأديرة والكنائس، فوجهته أيضاً هذه الأرض الروحية العتيقة بامتياز. في شارع دباس في بيروت، كاتدرائية القدّيسين غريغوريوس المنور وإلياس شبيهة بما رأيته في زيارتي. لا أفتقد هذه الأشياء في لبنان، لجمال الطبيعة بتضاريسها المتنوّعة من جبال وسهول وأودية وينابيع، لكن للطبيعة الأرمينية سحرها وسكينتها المتوائمة مع الجو الروحي، ومع أنغام آلة الدودوك بعزفها الحزين أمام دير "غيغارد" تجعلني أشتاق لها.

وقد تلتقون بعازف أوكارديون يعزف اللحن الحزين نفسه -كأنّما ذكرى الحزن لا تفارقها- على الطريق المصعّد والدرج الطويل المؤدي إلى كنيسة "سيفانفانك"، حارسة بحيرة "سيفان" الرائعة والشهيرة بحجر القمر.


سيراً على الأقدام

هذا لا يعني أنني لم أشاهد الفرح والحياة الصاخبة في ساحات يريفان. سيراً على الأقدام أجتاز ساحة الحريّة، فدار الأوبرا حيث تمثال الملحّن الشهير آرام خاتشاتوريان، ثم ساحة الجمهورية قبالة متحف التاريخ الوطني. لم تطلق نوافير البركة أنغامها المائيّة في أثناء زيارتنا، فقد كانت تحت الصيانة.

ومن هذه الساحات إلى منطقة حداثيّة فخمة بمقاهيها، حيث كان لي ذكرى مع أفعى مرقّطة لفّها صاحبها على عنقي وجعلني أمسك بطرفيها كأنها شال.

عدت من المتحف، فضلاً عمّا انطبع في مخيّلتي من صور لتاريخ أرمينيا، وفنونها التشكيليّة، بمجسّم حمار من الصلصال يزيّن صهوته خرج ملوّن يحمل جرّتين. ضحك من كان برفقتي من هذا الاختيار. وبضحكة مماثلة، قلت: هذا حمار جدي! كانت لي فرحة ركوبه مرة يتيمة في صغري.

لا حاجة بي إلى الاستفاضة في وصف معالم المدينة وجوارها؛ فوسائط المعرفة تتيح ذلك. غير أنّها تلويحة محبّة، والذاكرة تنتقي تفاصيل لتثبتها؛ كأن تكون أولى محطاتي في التحفة الفنيّة "كاسكيد"، ومتعة الرؤية من الداخل للتشكيلات الفنيّة في المتحف، وفي المصاطب (الفسحات) صعوداً على السلالم الكهربائيّة.

والرؤية من الخارج في مستويات متعددة الطبقات في المنحدر لمشهد المدينة، ولحديقة المنحوتات أمامها، والمطاعم المنتشرة حول الساحة المستطيلة. فكوّنت أول انطباعاتي عن شعب يقدّر الفن والجمال، ولديّ يقين بأنّ الأمم تُعرف بفنونها.

قد يكون غرض من يزور أرمينيا السياحة الدينيّة، إنما من يهتمّ بفن العمارة القديمة، الأديرة والكنائس، فوجهته أيضاً هذه الأرض الروحية العتيقة بامتياز

تفصيل آخر يتعلّق بمصنع "آرارات" للبراندي، وكنت أرى كلّ صباح هذا البناء العريق في الأفق على شرفة مسكني، إلى أن حان وقت زيارته، ويا للمفاجأة المحزنة! إذ لم نتمكّن من التجوّل في المصنع بغير ترتيب موعد مسبق.

شعب ودود يشبهنا

هل نحبّ من يشبهنا، أم أننا ننزع للاختلاف؟ الإجابات عن أسئلة كهذه ليست واحدة، فلا تحديدات قارّة في المجال الإنساني. تردّد أمي بأنّ "الأرمن يشبهوننا"، معدّدة بعض الأسباب في جلسة سمر (وهي تصوّرات تخصّها وحدها). صورة التقطتها مع سيدتين من يريفان، حفّزت هذا التساؤل الذي ما فتئ يراودني كلما زرت مدينة وتعرّفت بسكّانها.

تردّدت غير مرّة على مشغل للحلى تمتلكه فنّانتان، فكان أن نمت بيننا مودّة، وجمعنا حب الأنسجة والجلود، والأحجار التي تثرى بها تلك الأرض على أنواعها. فبتشكيلها الفريد تصنع جمالاً. كلما تأملت الصورة شعرت بشبه كبير بيننا نحن الثلاثة، وهو ما لاحظه أخرون ظنّاً منهم بأني من جذور أرمينية. شخصيّاً، أقدّر من يتقن عمله، حرفته، ومن يمتلك روحاً فنيّة تتجلّى في عمله.

إن زرتم لبنان، فعرّجوا على شارع "أراكس" في برج حمود لتكتشفوا الطابع الأرمني ومهارة الصنعة وصخب الحياة. وإذا زرتم يريفان، فلا تنسوا أن تحضروا ما يمكّنكم من "عمل مقلب" مع جيرانكم بأن تقدموا لهم سكاكر لا يميزون شكلها من أحجار تلك البلاد.

لم أتذوّق "البسطرمة" في يريفان، وربما عرفت هذا الطعام في مرات قليلة في بلدي، لكن المفارقة أنني تذوقته وأحببته في مصر. قبل أن أذكّر زميلة دراستي بروايتها الموعودة، أتنهّد لآخر ساعات لي في مدينة أحببت ناسها وعمارتها، وفي صالون التزيين حيث لا لغة استطعنا التواصل من خلالها، حتى لغة الإشارات والرسوم، استعنّا بلبناني- لجميل المصادفات- كان في زيارة لمدينته الأم، لينقل للمزيّنة قلقي من تأخّري على موعد رحلتي، فتباشر في تصفيف شعري.

إن كانت الرحلة انطباعات وتعارفاً وتجربة فرح، فأن نتذكر ونحن على مسافة من الحدث والمكان، يعني أن نكرّر السفر في رحلة ذهاب وإياب زمنيين، وفي هذه المرة نفهم معنى التجربة، فيتضاعف فرحنا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard