مثلثات الأمازيغيّات ودوائرهن

الأحد 2 مايو 202110:45 ص

 مثقلات بالفضة، تتدلّى من أجسادهن مجوهرات بيضاء. مغرقات في البياض الفضي من رؤوسهن إلى أقدامهن. يحدثن رنيناً أليفاً خفيفاً في تنقلهن. يعلن عن حضورهن بذلك الرنين المنبعث من كسواتهن الملونة. موشومات الوجه وباسمات في تضاريس جبلية قاسية: إنهن الأمازيغيات أو البربريات –رغم عدم ميلنا للتسمية الثانية لما قد تحتويه من تمييز يمتد إلى حضارة الإغريق التي كانت تعتبر كل من هو غير إغريقي بربرياً- مازال بعضهن صامدات في أرياف المغرب العربي.

يطلقن أصواتهن بالغناء. يخاطبن مجوهراتهن في تلك الأغاني أو أدواتهن. كأن تصدح الأمازيغية التونسية بقولها: "خلالة رني، البلاد بعيدة، والوحش (الاشتياق) قتلني"، وللخلالة هذه قصة بعيدة ضاربة في عمق التاريخ ولها معان عديدة أيضاً، فهي الدبوس الذي يشد الأقمشة على مستوى الصدر، وهي أيضاً في تونس أداة للنسيج.

  لماذا هن بتلك الطلعة دون غيرها؟ لماذا هن متفردات وظل ذلك التفرد قائماً رغم تعدد الغازين والزاحفين والوافدين؟ لماذا تقل درجة تأثرهن بحضارات أخرى، خصوصاً في الملبس والزينة؟

الفضة أغلى من الذهب عند الأمازيغ

لا يمكن أن تردد على مسامعك كلمة "بربرية" أو "أمازيغية" دون أن تذهب بذهنك مباشرةً إلى حليهن ومجوهراتهن وملبسهن (الحولي والحرام والحزام والمحرمة) هذه أسماء بعضها في تونس مثلاً، حيث يتكرر حرف "الحاء" كما تتكرر الرياح في براريهن وكما يعمرن هن تلك البراري، حيث يلمعن بفضتهن تحت أشعة شمس ساطعة.

وإن تفضيلهن للفضة على الذهب عائد لعدة أسباب. فالفضة ظلت أغلى من الذهب في مصر القديمة وما جاورها، وذلك إلى حدود القرن الخامس قبل الميلاد، وللفضة قوى سحرية تتبادلها الحضارات. فالطلقة الفضية قادرة على مواجهة المستذئب في الحضارة الأوروبية و"الخمسة" الفضية التي هي عبارة عن تعويذة عائدة إلى الآلهة القرطاجية "تانيت" قادرة على إبعاد شر المشعوذين والحسد والعين الشريرة.

إن تفضيل الأمازيغيات للفضة له عدة أسباب، فالفضة قوى سحرية تتبادلها الحضارات و"الخمسة" الفضية التي هي عبارة عن تعويذة عائدة إلى الآلهة القرطاجية "تانيت" قادرة على إبعاد شر المشعوذين والحسد والعين الشريرة

يد بأصابعها الخمس تعلق أو تحفر على العتبات وتشد إلى الأعناق. غيّرت "الخمسة" اسمها بعد الغزو العربي لتصبح "يد فاطمة"، في مزاوجة بين بين الوثني القديم والديانة السماوية الجديدة، إذ إن فاطمة اسم إسلامي صرف.

كما يعود ذلك الاختيار لمميزات الفضة ذاتها، فهي ترمز ببياضها الناصع للصفاء والسلم والأمان. لذلك نجدها متكررة في أغانيهن وأمثلتهن. ففضّة اسم امرأة كثير الشيوع في تونس على سبيل المثال، والأسنان الفضية مترددة كمعيار جمالي في المورث الشعبي، كما نجد في الجزائر شخصية خرافية اسمها "خلالة الفضة"، مترددةً في حكاية شبيهة بالحكاية العالمية المعروفة "بياض الثلج"، فيما يلي ملخص لها: 

 مثقلات بالفضة، تتدلّى من أجسادهن مجوهرات بيضاء. مغرقات في البياض الفضي من رؤوسهن إلى أقدامهن. يحدثن رنيناً أليفاً خفيفاً في تنقلهن

في قديم الزمان، كان ثمة قبيلة تعيش في عزلة من المكان والزمان، وكان بتلك القبيلة زوجان تعيسان لأنهما لم يرزقا بطفل. توجهت الزوجة إلى السماء ورددت صلاتها، داعيةً الله أن يرزقها بوليد، لكن بطنها ظل على عقمه وجدبه. وذات يوم وبينما كانت الزوجة تحلب البقرة قالت: "آه يا إلهي! كم أود أن أرزق ببنت لها بشرة بيضاء بياض هذا الحليب".

  بعد تسعة أشهر وضعت طفلةً بيضاء تكاد تضيء من بياضها الفضي. لذلك سمت تلك الطفلة "خلالة الفضة". من حكاية شفوية جزائرية وردت في كتاب "حكايات وخرافات جزائرية" الصادر سنة 2011، للكاتبة وراوية القصص الجزائرية نورا أسيقال.

رمز الآلهة "تانيت" الذي أغضب المتطرفين

الخلالة الفضية خليلة للأمازيغية، وقد يكون ذلك سراً من أسرار تسمية ذلك المثلث الفضي الذي يوضع بشكل زوجي على صدر المرأة. مثلث لامع ودائرة وقضيب يخترق الشكلين. ذهب العديد من الدارسين إلى أنها استعادة للآلهة تانيت، الأم الكبرى القرطاجنية، المثلثة أيضاً. حيث يرمز المثلث الذي لا يكف عن الاتساع إلى الرحم الأمومي المقدس.

ولعل تكرار ذلك الشكل في الحلي الأمازيغي يجد ما يبرره انطلاقاً من هذه الفرضية. سلسلة من المثلثات تتخللها دوائر نجدها أيضاً في زينة الأواني المستخدمة في مطابخهن، تتكرر بتناسق في تلك التحف الطينية العائدة إلى ليل الأزمان.

 مازالت نساء مدينة سجنان الواقعة بولاية بنزرت، في شمال غرب تونس، يمارسن تلك المهنة ويكرّرن رسم تلك المثلثات والدوائر بنفس التقنية والمواد. هن نساء أمازيغيات أباً عن جد، يعرفن خصوصاً بإنتاجهن لما يسمى "العروسة" التي هي تجلٍّ واضح للعروس السجنانية الغارقة في فضتها، لكن جسمها المثلث ويديها الممتدين كصليب تانيتي، ورأسها الدائري استعادة للأم الما قبل تاريخية --تانيت- التي هي أكثر عراقة من كل الوافدين والغازين.

ظلت عروسهن الطينية صامدةً تجلب السياح ومحبي الفن الشعبي العفوي. تلقت أولئك النسوة السجنانيات هجومات عديدة، لعل أكثرها شراسة ما جدّ إثر سقوط النظام الديكتاتوري سنة 2011، حيث صحا نيام سلفيون كانوا مندسين في مغاور جبنهم، وتوجهوا إلى محلاتهن الموزعة على طول الطريق الرئيسي.

راحوا في البداية يوجهون إليهن المواعظ مطلقين على العروس التانيتية اسم "الصنم". بدأت دعوة المتطرفين بالتساهل في بداية الأمر، فقد نصحوا النسوة ألا يدخلن الأصنام تلك إلى بيوتهن وذلك أمام جوابهن الدامغ: "نصنع العروسة الطينية لأكل الخبز". وقد يكون الأمر صحيحاً بالنسبة إليهن، فهي لكسب الرزق.

تطلق الأمازيغيات اسماء "عشّ النحل"، "العين"، "الخلية"، على ملتقى مثلثين يكوّنان معيناً: وما ذلك سوى إشارة إلى عضو المرأة الجنسي ذلك العشّ من حيث تنبع نعومة الحياة وسرّها كما ينبع العسل من النحلة

لكن في رؤيتهن وهن ينحتنها من كتل الطين، يتحولن إلى شبه سدنة في معابد تانيت في تكرارهن اللاوعي لرموزها، كما يتحولن إلى آلهة مبدعة بدورهن، يحمّلن عروسهن كل لمساتهن ومثلثاتهن ودوائرهن المتحدية والطامحة لمواصلة ذلك الرسوخ الضارب في عمق التاريخ.

المثلث الإيروتيكي

المثلث "دلتا" يمتد إلى حضارة ما بين النهرين أيضاً، فهو المكون الجمالي الأكثر قدماً، كما تشير عدة دراسات، وهو رمز للجسد الأنثوي في عمقه. فما فتحة المثلث في أعلاه الذي نجدها في "الخلالة" إلا ساقي المرأة المفتوحتين. تطلق الأمازيغيات اسماء "عش النحل"، "العين"، "الخلية"، على ملتقى مثلثين يكونان معيناً: وما ذلك سوى إشارة إلى عضو المرأة الجنسي، ذلك العشّ من حيث تنبع نعومة الحياة وسرّها كما ينبع العسل من النحلة.

الأمازيغية نحلة ملتصقة بأشياء الطبيعة، نحلة عاملة لم تكف عن تطويع الأرض والالتصاق بها. تانيتات هن، "أمك تانغو"، الخرافية التونسية التي تجلب المطر والخصوبة. دوائر ومثلثات هن، يحرسن "الشعب الحر" الذي ظل حراً رغم ذكورية الزمن الذي لم يكف عن السعي لإرضاخهن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard