صديقي هو من لا يقتلني فقط

الخميس 7 أكتوبر 202112:18 م

هل تتنفس؟ هل تناولت فطورك هذا الصباح؟ هل تناولت قهوتك، وأنت ترتدي نصف ملابسك، بينما صوت فيروز ينزع عن بعض ذكرياتك قشرتها الشفافة الواهية؟ هل اطمأنيت إلى أن أعضاءك الحيوية تعمل؛ قلبك في الجهة اليسرى للصدر، ولم ينقلب على نبضاته بعد، وعيناك في رأسك تصوبان نظرهما نحو أشغال الحياة اليومية، وأذناك تلتقطان الأصوات المتناثرة، وهي تتطاير من مصدرها، كقدح شرارة قاطع حديداً كهربائياً؟ هل فرغت جيوبك من قسمتها، ونصيبها، من بيت مال المعذّبين، في الأسبوع الأول من الشهر؟

هذه الأسئلة البسيطة، ليست لنخبرك، عزيزي السوري، المشغول بألف معضلة يومية مرهقة، تلهيك عن قراءة ما نكتب -ربما لهذا السبب بالذات أخاطبك- عن برجك لهذا اليوم، وتقلباته الفلكية، وانحداره المخيف من برج الحمل، إلى برج الذئب، وبالعكس، وأن العاطفة "مشبوبة"، ورب العمل يحبك.

أبداً هي ليست لذلك، كما أن هذه الأسئلة ليست لإجراء تخطيط شامل لدماغك، وكشف خباياك الطيبة، والشريرة، ومعرفة نواياك لهذا اليوم -لماذا فزعت من هذا الإجراء، وكأنه حديث العهد على فخامتك؟- إنها ليست لذلك أيضاً؛ إنها ببساطة للقول لك: إن كانت إجاباتك على ما ورد كله، من أسئلة، بكلمة "نعم"، فلا تكن مطمئناً تماماً إلى الإيجابيات التي تعتقد بوجودها في شخصك الكريم. ما نريد قوله هو: إجاباتك القطعية، تعني بالتأكيد أنك على قيد الحياة، ولكن إلى الآن فحسب! صحيح أنك لست على قيد الحياة تماماً، فأنت تسير، وتشعر بخدر لذيذ في أطرافك، وتحيا على شعرة الحياة الدقيقة، وليس على قيدها، ذاك أنك مشروع خبر سوري عاجل، تبثه الشاشات الوطنية، وهي تحتفي بثيابك الحمراء القانية الجديدة، فيما أحبابك يطلبون من الملائكة أن تترفق بحالك، لأنك والله كنت ابن حلال، ودرويشاً، وقلبك لله؛ مناقبك اللطيفة التي نادراً ما كنت تسمعها، وأنت تتنفس الهواء الزائل.

أنت فكرة طائشة بين النوعيين السوريين نُظرائك، وهم يشدون لحاف يومياتك المهترئ، لتنضم إلى أحد النوعين الذهبيين اللامعين بشدة عن بقية الأنواع السورية: "مندس أو شبيح".

حتى الأجانب، صاروا عندما يرطنون بأسماء السوريين في أحاديثهم اليومية المعتادة، فإنهم ينادونهم هكذا، بلكنتهم المواربة: "سيريان مونداس، سيريان شبيه"، وترجمتها بالدارج: "سوري مندس، سوري شبيح"

حتى الأجانب، صاروا عندما يرطنون بأسماء السوريين في أحاديثهم اليومية المعتادة، سواء في أعمالهم الوظيفية، أو البيتية، أو وهم يتناولون الكوفي الممزوجة بالكونياك، لينشطوا خلايا الكرامة اليومية، فإنهم ينادونهم هكذا، بلكنتهم المواربة: "سيريان مونداس، سيريان شبيه"، وترجمتها بالدارج: "سوري مندس، سوري شبيح".

البعض الكثير من البعض الكثير أيضاً، سوف يقولون لي، وهم يقرأون هذا المقال: لماذا تعيدنا إلى تلك الذكريات "المعتّة"؟ كنا قد نسينا بعد جهد جهيد، ما تشرفت حضرتك بكل برود، لتخبرنا به، وكأننا لم نذق الأمرّين من تبعاته؟ إلا أن مرارة السبب، خلف ذلك، لا بد من لفظها، أو تبقى راسخة كزرنيخ في دم منتحر.

قبل مدة، أخبرني أحدهم، نكتة من وحي الأزمة السورية، بل هي من طرائف الأزمة السورية الدامية. تقول النكتة: أكثر الوجوه براءة في سوريا اليوم، هي وجه الطفل، ووجه سوري لا يحمل هويته الشخصية، يقف على حاجز للتفتيش!

المفروض أن أضحك، أليس هكذا يقول منطق اللباقة، والإتيكيت، على الأقل: اضحك على النكتة، حتى لو لم تعجبك، كي لا تحرج راويها. هكذا يقول المنطق، نعم. لكني عوضاً عن ذلك، انخرطت في نوبة بكاء مخجلة، أمام الأشخاص الموجودين معي، ومع الصديق "النكتجي"، حتى أن الرجل أصيب بالإرباك والحيرة، وبدأ يبرر ما لا ذنب له فيه، "كعادتنا نحن السوريين في العديد من مسالك حياتنا اليومية"؛ تبرير للعمل، تبرير للدائنين، تبرير لله، تبرير للحزن، الذي يتنزه في أمزجتنا لاهياً على دراجة هوائية، فما كان مني إلا أن انهلت على الرجل، كجلمود صخر حطه القهر من علٍ: على ماذا تريدني أن أضحك؟ على ذلك الوجع الصاخب كله، الذي تفتقت عنه سماجتك؟ هل تريدني أن أضحك لأنني لم أعد أعرف صديقي من عدوي؟ وكلمة صديقي هنا، لا تعني من نشأت بيني وبينه علاقة صداقة منذ مدة طويلة، ومرت بعقبات تبدل الأمزجة، وتقلبات العواطف العنيفة كافة، حتى وصلت بهذا العمر، إلى صداقة شبه خالدة. ليس عن هذا الصديق أخبرك؛ الآن بتّ أرى أن صديقي هو من لا يقتلني فقط، صديقي الآن هو من يمر إلى جانبي، ولا يلقي عليّ السلام. صديقي اليوم من لا أراه ولا يراني، إلا هكذا، في مرور عابر لمتجاورَين في السير صدفةً، وذكرى غائمة لصورتينا عندما نلتقي، ربما في طابور فرن خبز مثلاً.

تدخّل أحد الجالسين، وأدلى بدلوه قائلاً: "يا رجل، يكفي أن تشاهد مسلسلَين دراميَين سوريَين لهذا الموسم، لتصاب بالجلطة"، ثم صمت نهائياً حتى آخر الجلسة، بعد أن رمقناه بنظرة قاسية مفادها: "اصمت"، لم ينحدر مستوى الحديث إلى هذه الدرجة بعد.

تابعت خطبتي المجيدة: هكذا صرت الآن أرى الأصدقاء، لأسباب عديدة، وسأذكر لك شيئاً منها: عندما أنهض صباحاً من نومي، فأنا أدرك تماماً أنني لست بخير، ولست مطمئناً لأنفاسي حتى، وأخرج من البيت مودّعاً أبنائي وأهلي، وكأني سأراهم للمرة الأخيرة. هل يستطيع أحدكم اليوم أن يجزم بعودته إلى البيت؟ وكيف يقدر على ضرب موعد بعد ساعتين؟ لا أفهم! كأن من يفعل ذلك، لا يعيش في سوريا يا حبيبتي، بل في جزر "الواق واق".

هل تعرف بأني أفكر جدياً في ألا أرسل طفلتيّ إلى المدرسة، ليس بسبب السعر المادي الجهنمي لهذا الترف السوري الجديد –"عملنا جمعية بتكسر ضهر الراتب لعام تقريباً ومشي الحال"- بل لأنني لا أريد أن أزيد عذاباتي اليومية، بإعطاء الموت الفوضوي صدفة

إن ضمنت عدم وجود قناص ينتظر طلتك البهية، بفارغ الرصاص، فهل تضمن سيارة تقف ببراءة مثلها مثل السيارات كلها غيرها، إلا أنها تخبّئ لمرورك السعيد بالقرب منها، مفاجأة من العيار الثقيل، بكل ما يحمل هذا الوصف من معنى؟ وهل هناك مفاجأة أبلغ من الموت؟ حسناً، إن أيضاً أمنت جانب ذلك، هل تستطيع أن تضمن ألا تنفجر كما ينفجر " قطرميز" إلى جانب المدفأة، وأنت تحاول كذئب ضال أن تبقى وأهل بيتك على قيد الحياة، بسدّ الرمق فقط، لا بغيره؟ هل يوجد وقت للصداقات الآن، وأنت تحاول أن تنجو في اليوم الواحد فقط، من ألف لغم ولغم؟ هل ألغام تلاعب التجار بأقواتنا اليومية، لا تميت مثلاً؟ هل تعرف بأني أفكر جدياً في ألا أرسل طفلتيّ إلى المدرسة، ليس بسبب السعر المادي الجهنمي لهذا الترف السوري الجديد –"عملنا جمعية بتكسر ضهر الراتب لعام تقريباً ومشي الحال"- بل لأنني لا أريد أن أزيد عذاباتي اليومية، بإعطاء الموت الفوضوي صدفة... "الله يرحمك يا داريو فو"، احتمالات أكثر لينال مني، لا أريد للأحمر العاجل أن يزف نبأ موتي، أو موت أحد أحبائي. هل أنا أناني بسبب هذا التفكير؟ نعم أنا أناني، وبشدة. الموت ليس مزحة، والأرواح ليست أعشاباً ضارة للقلع، والناس ليسوا بهذا الرخص، ثم ماذا يدريني، وما الذي يؤكد لك كيف أفكر أنا بك، وكيف تفكر أنت بي؟ أوَليس من الجائز أن نكون نحن الاثنين، ونحن نعرف بعضنا منذ مدة زمنية لا بأس بها، ونجهل نوايانا المتبادلة تماماً، وربما ننهال على بعضنا سراً بالقذف والشتم، بينما نتبادل الابتسامات الضارية؟ أوَليس من المحتمل، أن نسمع أصواتنا، وهي ترطن بلكنة عجيبة، ونصيح بأصوات خافتة لبعضنا "البعضي"، "عَ قولة أسعد خرشوف"، "سيريان منداس- سيريان شبيه". أليس من المحتمل لهذه الأمور أن تحدث في الزمن السوري "المستمر"؟

هذا بعض ما يجمعنا كسوريين اليوم، وهو بالتأكيد أكثر بكثير مما يفرّقنا. حالنا في ذلك، كحال المثل القائل: "تفرقهم العصي، ويجمعهم الألم"، ثم يخرج علينا بعد هذا كله، من يريد أن يصنّفنا "مندساً وشبيحاً!".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard