وثيقة "الجلوة العشائرية"... مخاوف من عودة الثأر وتمزيق الأسر الأردنية

السبت 2 أكتوبر 202106:25 م


أخيراً وبعد أعوام طويلة من الانتظار، أعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية وثيقة ضبط "الجلوة العشائرية" التي تهدف لإنهاء عقود من العقاب الجماعي، مشيراً الي أنها باتت ملزمة وواجبة التنفيذ اعتباراً من 29 سبتمبر/ أيلول المنقضي.

وأثار خبر الإعلان عن الوثيقة ردود أفعال شديدة الحدة في الشارع الأردني، وانقسم المواطنون بين مطالب بالتمسك بالجلوة العشائرية كتقليد أردنيّ شُرع لحقن الدماء، وبين مُعارضٍ لوجودها معتبرها همّاً مجتمعياً وحقوقياً يجب إزالته.

ما هي الجلوة العشائريّة؟

"الجلوة" مشتقة من الجلاء بمعنى الرحيل عن المكان وتركه. وتعتبر الجلوة العشائرية وسيلة عقاب مجتمعي تقام على المدان بجرائم القتل العمد والعرض، وتقتضي رحيل جماعة القاتل فوراً عن جماعة المقتول، حقناً للدماء ودرءاً للدخول في دائرة ثأر مفرغة بين الجماعتين. ويختص "مجلس شيوخ العشائر" بتطبيق هذه العقوبة بالتنسيق مع الحاكم الإداري في المنطقة ورجال الشرطة.

في الماضي كان من السهل إجلاء عشيرة الجاني كاملة بعيداً عن موقع الجريمة، أما اليوم مع دخول العشائر في طور المدنية الحديثة، أصبح إجلاؤهم صعباً لارتباطهم بمدارس ووظائف معقدة تتجاوز الرعي والزراعة كما في الماضي. وأضحى المعتاد هو ترحيل الجاني و"خمسته" -أي حتى الجدّ الخامس- من المنطقة التي يسكنها إلى منطقة بعيدة عن أهل المجني عليه.

الجلوة العشائرية وسيلة عقاب مجتمعي تقام على المدان بجرائم القتل العمد والعرض، وتقتضي رحيل جماعة القاتل فوراً عن جماعة المقتول، حقناً للدماء

وتعرّف مسودة القانون المعدل 2016 لقانون منع الجرائم الجلوة العشائرية بأنها "ترحيل ذوي الجاني عن المنطقة التي يقيم فيها ذوو المجني عليه" وذلك للمحافظة على أرواح وممتلكات أهل الجاني، وعدم وقوع المشاكل وخاصة في الساعات الأولى بعد وقوع الجريمة والتي تسمى عند القبائل والعشائر "فورة الدم".

وتنصّ المادة 9 من الدستور الأردني بأنه "لا يجوز أن يحظر على أردني الإقامة في جهة ما، أو يمنع من التنقل، أو أن لا يلزم بالإقامة في مكان معين إلا في الأحوال المبينة في القانون". 

"بدأت الحكاية قبل 14 سنة حين تورط قريب لي في جريمة قتل، لا أتذكر تفاصيل ما حدث. كل ما أذكره هو أنه تم إجلاؤنا من بيوتنا جراء تلك الجريمة، أذكر جيداً مشهد الفتيات اللواتي خرجن من ديارهن بثياب النوم"

خرجت النساء بثياب النوم

"حرمت من الدراسة، طلبوا مني إعادة السنة، إلا أنني لم أستطع، ولم يتمكن أحدٌ من إحضار أوراقناً الثبوتيَّةِ". هكذاً يبداً نزار حديثه لرصيف22 عن خروج عائلته من إحدى المحافظات إلى عمان عقب إجلائهم إليها، ويقول: "بدأت الحكاية قبل 14 سنة حين تورط قريب لي في جريمة قتل، لا أتذكر تفاصيل ما حدث. كل ما أذكره هو أنه تم إجلاؤنا من بيوتنا جراء تلك الجريمة، أذكر جيداً مشهد الفتيات اللواتي خرجن من ديارهن بثياب النوم"، يقولها نزار بتأثر قبل أن يستطرد: "خلال الجلوة لم نكن نجد ما نأكله أو نشربه، ستة شهور دون دفع إيجار المنزل، ومنازلنا القديمة تم حرقها".

ويختتم: "كان من الممكن أن نرجع خلال العفو العام، لكنهم أذنوا لأبناء عمومة القاتل بالرجوع، أما إخوته وأهله فلا. للأسف يخسر العديد من المجليين مستقبلهم وآمالهم بلا ذنب اقترفوه، فقط قانون الصدفة جعلهم يدفعون ثمن جريمة قريب لهم". 

بداية العشائرية وقوانينها

يشرح المستشار مصطفى العوّاد الأساس القانونيّ للجلوة في الأردن لرصيف22: "تم تشريع قانون القضاء العشائري كمحاكم أهلية وليست محاكم نظامية لتنظيم المجتمع نظراً لبعد المناطق الصحراوية عند نشوء الدولة. ولكن بعد مرور الزمن على تأسيس الدولة ومؤسساتها القضائية والنظامية، صار من المتاح أن تنتشر تلك المحاكم في كل المحافظات، مما سهّل عرض جميع القضايا على المحاكم النظامية، فتم إلغاء القضاء العشائري سنة 1976". 

موقف العشائر من وثيقة الجلوة 

اختلف شيوخ العشائر حول وثيقة الجلوة الجديدة، التي حملت الكثير من التفاصيل أبرزها:  "شمول الجلوة للقاتل ووالده وأبنائه من الذكور فقط، وأن تكون من حيٍّ إلى حيّ داخل نفس المدينة حسب ظروف القضية، إضافةً إلى تقدير قيمة الدية لقاضي القضاة. كما ضمّت إجراءات مشددة بحق كل من يشارك أو يحرض على إلحاق الضرر بالممتلكات العامة أو الخاصة ولن يؤخذ بأي ذرائع كذريعة "فورة دم"، واعتبار الأفعال التي تؤدي إلى إلحاق الضرر بالممتلكات العامة والخاصة قضايا منفصلة لا ترتبط بالإجراءات العشائرية". عدا أن الجلوة ليست فعلاً عشائرياً، "وإنما يتم تطبيقها على المستوى الدولي تحت مُسمى الترحيل".

 يرفض القاضي العشائري هاني الحديد الوثيقة ويقول لرصيف22: "الوثيقة ليست مُلزمة وغير دستورية. الهدف منها هو ردع المشكلة الأكبر قبل وقوعها، لأن عدم رحيل عائلة الجاني سيتسبب في إراقة المزيد من الدماء".

ويضيف: "لسنا ضد تبسيط الأمور، لكن هل تستطيع الحكومة تطبيق القانون على الجميع؟ القوانين للحالات العامة لا الخاصة، فلا يمكن لقاضي القضاة تحديد الدية، إذ يحددها أهل القتيل، وكيف تطلب الحكومة إبقاء النساء وحدهنَ وإجلاء الذكور؟ عليها أن تقوم بتأمين المجليين إذا لم ترغب بالجلوة".

يختلف شيخ العشيرة نوّاف الخوالدة مع رأي الحديد ويقول: "البعض يتم إجلاؤهم دون أن يكونوا طرفاً في المشكلة، وآخرون يستغلون الجلوة للإيذاء النفسي عن طريق إجلاء أشخاصٍ لا شأن لهم".

ويضيف: "من النقاط الجيّدة التي تناولتها الوثيقة اقتصار الجلوة بين حيٍّ وآخر في نفس المدينة، إضافةً إلى اختيار الحاكم الإداريّ للأسباب المُناسبة التي تمنع عودة المجليين بعد سنة، مشيداً باقتصار الجلوة على هذه المدة الزمنية".

ويؤكد الخوالدة أن "الوثيقة معممة على جميع الحكام الإداريين والجميع قرأها واطلع عليها"، ما يعني بالضرورة بدء العمل بها، خاصةً مع موافقة شيوخ العشائر عليها. 

لم تقتصر الخلافات حول الوثيقة على شيوخ العشائر فحسب، بل امتدت لتشمل الشارع الأردني، وهو ما ظهر جلياً في تغريدات المغردين:






هل الجلوة والوثيقة قانونيّتان؟

انقسم أعضاء اللجنة القانونيّة النيابيّة بين مؤيدٍ ومعارضٍ للجلوة العشائريّة وكيفيتها. يعلّق رئيس اللجنة الدكتور محمد الهلالات على الوثيقة بعدم احتوائها على جانبٍ إلزاميّ، وهو ما يجعلها أشبه بميثاق شرفٍ أخلاقيّ. ويقول لرصيف22 إن "بعض الجرائم لا تشملها الوثيقة، كما أنها لا توضح مصير الأشخاص المجليين في الوقت الحاضر، هل يتم محاسبتهم على القانون القديم أم الوثيقة الحاليّة. إذ لا يوجد أي نصٍ يشّرع الجلوة، كما أنها مخالفةٌ لمبدأ حرية التنقل المنصوص عليه بالدستور".

ويتابع الهلالات أن اللجنة القانونيّة غير قادرةٍ على وضع تشريعٍ قانونيّ يتعلق بالجلوة لأنها غير قانونيّة، ويقول: "نحاول تضييق الحدود عليها، أن تكون في دفتر العائلة إضافةً لتغليظ العقوبات مثل الاعتداء على الممتلكات وحرق السيارات، لا بد من التدرج لإنهاء الجلوة".

ويؤكد القانونيّ الدكتور مصطفى العواد أن تدّخل الدولة فيما يتعلق بالجلوة العشائريّة وصدور الوثيقة "خطاً تشريعي، آثاره غير ملزمة قانونياً، أي أنها لا تنتج أثراً قانونياً، لأي طرف من أطراف النزاع". ويقول لرصيف22: "على الدولة تشريع نظام منبثق عن قانون منع الجرائم، يتشارك فيه من العشائر المعروفة بمفاتيح الصلح، وحكام إداريون على مهنية عالية في العمل الإداري المجتمعي والنزاعات بين الأطراف العشائرية، ولا يرضخون للعشائر الكبيرة أو الشيوخ المتنفذين".

ويقترح العواد ضرورة بحث الدولة عن حلول بديلة للنزاعات المدنيّة، يشرف عليها قاضٍ ضمن دائرة الصلح الجزائي، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالقتل والعرض، مشيراً إلى أهميّة "أن تكون وزارة الداخلية وشيوخ العشائر ووجهاؤها المؤهلون ضمن معايير لاعتمادهم من حيث الخبرة العملية والمصداقية، تؤهلهم لأن يكونوا خبراء ووسطاء مساندين للقضاء".

واتفق معهما مستشار قضايا حقوق الإنسان الدكتور محمد النسور بقوله "كنا نأمل أن تصدر الوثيقة بصيغة أنظمة وتعليمات ويصادق عليها مجلس الوزراء. بصورتها هذه هي غير ملزمة قانونياً، وتؤطر لموضوع جديد في الجلوة العشائرية".

وبيّن خلال حديثه لرصيف22 أن إلغاء القانون في ستينيات القرن الماضي لم يوقف الممارسات العشائرية مثل الجلوة، لأن الأدوار مناطة بالحاكم الإداريّ بحسب القانون، إلا أن هذا لا يطبّق على أرض الواقع. مضيفاً: "بعض الجلوات كانت لأعداد كبيرة مثل إحدى القضايا في إربد إذ رُحِّل على إثرها 200 شخص".

ويشير النسور إلى أن الوثيقة جاءت لتنظيم ممارسات موجودة لا تحتكم إلى أي قانون وأحياناً لا تخضع للعرف العشائريّ، مثل ردات الفعل أو ما يُسمى بـ"فورة الدم"، التي كان يتم التغاضي عنها قبل الوثيقة، إلا أنها تعامل هي والاعتداء على الممتلكات كجريمة منفصلةٍ بعد الوثيقة، موضحاً أن "إعلان الوثيقة خطوةٌ تُحسب للحكومة إلا أننا نريد الأفضل، فبعض الحُكّام الإداريين يقفون عاجزين أمام البؤر الساخنة التي تتم فيها الجلوة".

أما مفتي المملكة الأردنيّة عبد الكريم الخصاونة فيرى عدم وجود دليل في الشريعة الإسلاميّة عليها، وإنما اتخذها شيوخ العشائر سابقاً من أجل فض المنازعات والتخفيف من حدة القتل الذي قد يحدث بين المتجاورين.

يُذكر أن الجلوة العشائرية نظام قبلي شُرّع قبل عقود لحقن الدماء وإيقاف دوامة الثأر، فهل تستطيع المملكة الأردنية تجاوزه في مسارها صوب الحداثة أم أن القبلية أقوى اثراً من أن يخضعها قانون أو تلجمها وثيقة؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard