ماذا تقول الـ"ستوريز" عنّا في سوريا؟

السبت 2 أكتوبر 202103:30 م

هي عشر دقائق قبل النوم تماماً، أول الخلود إلى السرير مساءً، تلقائياً يعطي دماغي عندها، أمراً لي، كي أتصفح قصص الأصدقاء الحقيقيين والوهميين، على مواقع التواصل الاجتماعي كلها؛ الفيسبوك، والواتسآب، والإنستغرام… وعلى وقع مشاهدة الصور بالفلاتر، ومن دونها، وعلى وقع الحالات المتناقضة المكتوبة والمصورة، ومقاطع الفيديو والأغاني، تغلق العينان أبوابهما، إعلاناً عن يوم آخر في سوريا المتعبة.

أسأل نفسي، يومياً: لماذا نضع هذه الصور كلها على قصصنا الخاصة (ستوريهاتنا)، في صفحاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي كلها؟ ماذا نريد من ثلاثين ثانية لأغنية ليست عابرة للوجع، أو الحب، أو العتب؟ وماذا نريد أن نقول بستوري فيها نصف وجهٍ مثلاً؟ وما هو الغرض من أن تتحول صورنا إلى فلتر أرنب، أو قطة؟ وما هو الهدف من قصة أخرى فيها عبارة، أو حكمة اخترعها العقل، أو كتبها شخص مشهور؟ ماذا ولماذا ولمن هذه الرسائل كلها؟ هل نحن مرضى اهتمام؟!

أنا لست بخير...

تشير بعض الدراسات التي ربطت بين الحالة النفسية للشخص، وكثرة استخدام الصور، والقصص، أو الستوريز، كما يقال باللهجة العامية على مواقع التواصل الاجتماعي جميعها، إلى أنها تكشف علامات الاضطراب النفسية، من خلال تتبع دلالاتها، وعددها، يومياً، وتوقيتها، وطريقة التصوير أيضاً. وتؤكد هذه الدراسات أن قياس الحالة النفسية من خلالها، لا يقل دقة عن تشخيصها بقياس ضغط الدم، أو مراقبة سرعة ضربات القلب. هنا توقف التفكير دقيقة صمت، وربطت الأمر بسؤال صديقتي حنين، 31 عاماً، عندما قالت ممتعضة: "حاج صور وستوريهات"، في إشارة منها إلى كثرة استخدامي لرسائل ليست عابرة للّوم.

إذاً، أنا لست بخير مع أصدقائي الافتراضيين والحقيقيين على السوشال ميديا، كلهم، إلا قلة قليلة منهم، ممن يضعن، أو يضعون أغنية فرح، أو ربما "ستوري" عن وصولهم/ ن، إلى بلد جديد مؤخراً. هذه القصة، اليوم، ربما تجعل السوريين/ ات، يعيشون مشاعر متناقضة من الفرح لصديق عبرَ نحو النجاة، وسؤال يرسمه في قصته؛ كيف ذهبت؟ أو ربما رد واضح لصديق: "عقبالي".

ما هو الغرض من أن تتحول صورنا إلى فلتر أرنب، أو قطة؟ وما هو الهدف من قصة أخرى فيها عبارة، أو حكمة اخترعها العقل، أو كتبها شخص مشهور؟ ماذا ولماذا ولمن هذه الرسائل كلها؟ هل نحن مرضى اهتمام؟!

ربما، لأجل هذا، نحن مرضى اهتمام. اهتمامٌ لنقول للأصدقاء نحن هنا، ولسنا بخير، أو ربما بخير، أو ربما نناشد الرب، وهنا تدخل القصص، أو الستوريز، جدلية الوجود: هل يسمع الرب قصةً على الموقع الأزرق، أو الأحمر، أو الأخضر؟ أو ننتظر رداً بتمنيات السلامة والطمأنينة لقلب متعب، ونصائح من أشخاص ربما لا تجمعنا بهم سوى مواقع التواصل، باختلاف ألوانها وخصائصها، خجلاً من مواجهة واقعٍ أليم؟

ينقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ومدمنو/ ات الستوريهات، إلى قسمين، وكِلا القسمين أيضاً دخل حقلَ الدراسات النفسية، فمنهم/ ن، جيل يعبّر بستوري بعكس ما يشعر به، وخصوصاً من أنهى/ ت علاقةً عاطفية، أو كان/ ت في حالة غضب، أو عتب، أو حزن. فهم/ ن يستخدمون/ ن ستوريهات تعبّر عن الفرح، وعدم الاكتراث، أو الاهتمام بشيء، أو لأجل شيء. ربما هم/ ن، الجيل الذي ما زال في طيف العشرينات من العمر، ويستخدم أساليب الإنستغرام كلها، وجديد ميزاته، وينتفض لأجل ميزة جديدة في قصة فيسبوكية أيضاً. وما جمعنا بهم، نحن الذين دخلنا الثلاثينات من أوسع أبوابها، والذين نعبّر بأسلوب مباشر في الغالب، هو الصورة والأغنية التي حرمنا "مارك" منها. إذاً نحن مرضى اهتمام! وهناك قسم آخر تماماً، قسم من يجيبون على سؤال: لماذا الذي ورد في المتن، بأسلوب دوامة الصمت، تلك النظرية الإعلامية، التي يصمت بها الجمهور حتى إشعار ما، وينفجر بعدها مثل قنبلةٍ موقوتة، فيبقى صامتاً من دون ستوري، وينساه الأصدقاء، ليأتي بقصة، أو ستوري، من "غامض علمه"، ويحكي قصته لمن نسوه، وأيضاً ليقول: أنا هنا، تعاطفوا، أو هنّئوا؟ وغالباً ما يتحدث أصحاب دوامة الصمت، بعد البوح بوجع البلاد والأرواح. إذاً نحن مرضى اهتمام!

ستوري لقاح

إنه بداية أيلول/ سبتمبر الفائت؛ توحّدت ستوريهات الناس، وقصصهم عموماً، وهذا ما جعلني أشعر بأننا مع صديقاتي، وشريكاتي في السكن، خارج السرب. غالبية الستوريهات، للصغار والكبار، عن شهادة اللقاح، أو ممرضة تشك تلك الإبرة التي تحمل جرثومة الفيروس، في رسالة علنية لمن يهمه الأمر! هنا تساءلت: من يهمه هذا الأمر فعلاً؟ هل هي طفرة فرضتها كورونا، للخروج عن سياق الأغاني، والحالات المكتوبة الأنين والحنين، إلى ستوري اللقاح، وألمه إن وجد؟ سياق الأحداث كله، يفرض حتى نمط الستوريهات، على وسائل التواصل كلها، وينقاد لها الجميع، ونحزن، أو ربما يغص الصدر قليلاً، يوم لا نسير مع الموجة، إن كنا من مدمني الستوري لإيصال رسائل لمن يهمهم الأمر. ربما كانت هذه الستوريهات، أو القصص، وسيلة ليطمئن كلٌ منا على الآخر، وفق مبدأ "كيفك إنتَ ملا إنتَ؟"، في إشارة إلى رغبة بالاهتمام، أو السؤال، أو البوح، أو حتى الإطراء على تسريحة شعر، أو كنزة جديدة، أو تغيير في الشكل. الجميع يحبّون الاهتمام، الذي جعلته الحرب قليلاً على أرض الواقع، وكثيراً على السوشال ميديا.

ربما يكون الجميع أكثر حقيقةً في قصصهم (ستوريهاتهم) الخاصة، على مواقع التواصل الاجتماعي. حتى الرسائل، واضحة وموجهة بدقة، لكل من يهمه الأمر؛ للرب، للحكومة، للأهل، للبلاد، وللأصدقاء، ولذات صاحب الستوري

مكتئبون ومخترقون

كشفت دراسة أميركية، قبل فترة، أن نشر عدد كبير من الصور في وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن أن يكون علامة اكتئاب، وتحدثت عن دلالات تلك الصور، وخصوصاً التي تميل إلى الألوان الغامقة، وتكثر عليها التعليقات، والتعاطف. وأضافت الدراسة أن النظام الذي قدّمته لتحليل الصور، يساهم في تحليل نسبة الاكتئاب حتى 70%. إذاً، نحن فوق كآبتنا مراقبون، وفئران دراسة لباحثين يحللون شخصياتنا، من صورة، أو ستوري وضعتها اليد، لأنها اعتادت لمس هذه الأزرار تلقائياً، ويومياً. تذكرت مع هذه الدراسة، أنني بلا ستوري منذ أسبوعين تماماً، وما زلت أمارس عادة تصفح قصص أصدقائي، يومياً، وأتألم لحكمة كتبتها "عبير"، وأفرح لصورة "سالي" وهي في المطار تودّع البلاد، وينتشي العقل على رابط حلقة تلفزيونية لزميل يروي قصته الخاصة، وأحدّثهم بلغة الستوري إيموجي، مع قبلة أو قلب. حتى الستوريات تشعر مثلنا أيضاً!

ثم تساءلت: لماذا لم أنزل "ستوري" منذ أسبوعين؟ هل أنا بخير إلى درجة أنني لم أنتبه؟ ما هي يا ترى آخر ستوري أنزلتها؟ نعم، ربما دخلت مثل النوع الثالث، مرحلة دوامة الصمت، بعد كمٍ من الستوريهات، وقصص الوداع التي كتبها الأصدقاء. ربما كثرة التساؤل لماذا لم أكن معهم في قصص المطارات وستورياتها؟ القصص اليوم تعبّر عن كل نفس، وأمنياتها الواقعية.

ربما يكون الجميع أكثر حقيقةً في قصصهم (ستوريهاتهم) الخاصة، على مواقع التواصل الاجتماعي. لا حاجة إلا إلى الاختفاء خلف فلتر فحسب، إن احتاج الأمر. حتى الرسائل، واضحة وموجهة بدقة، لكل من يهمه الأمر؛ للرب، للحكومة، للأهل، للبلاد، وللأصدقاء، ولذات صاحب الستوري أو القصة. رسالة لمن يهمه أمره بحديث، وإن كان سريعاً، يقول فيه أنا هنا، ويهمني أمرك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard