“أصدق صوره وأعرف أنها خيال“... كيف يتفاعل تونسيون/ات مع انستغرام؟

الثلاثاء 20 أكتوبر 202004:37 م

تجلس سمر(23 عاماً) في غرفتها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة موقع انستغرام، صارفةً أغلب وقتها وهي تشاهد الصور والفيديوهات التي تنشر أولاً بأول، تقول عن نفسها "أشعر بذهول، وأنا أرى أناساً من عالم غير عالمي".

تعيش سمر في أحد أرياف محافظة منوبة شمال تونس مع عائلتها البسيطة، وقد انقطعت عن الدراسة مبكراً، وبقيت سجينة غرفتها. فهي ترى العالم الخارجي من خلال شاشة هاتفها الذي أصبح هو عالمها.

تقول سمر لرصيف22: "عالم انستغرام يشبه عالم الخيال بالنسبة لي، فالأماكن الفارهة، والماركات العالمية، والكريمات الفاخرة، التي تعرض أمامي يومياً جعلتني أكره لبسي ومظهري ونقمت على أهلي. أحس بنقص كبير لدرجة أني لم أعد أريد الخروج".

تعددت وسائل التواصل الاجتماعي وتنوعت، وأصبح الجميع في سباق لا نهاية لمضماره، وبات عدد المتابعين والمشتركين الشغل الشاغل للجميع، خاصة على انستغرام ويوتيوب، اللذين يدران أرباحاً طائلة على مشتركين يحصدون أعداداً كبيرة من المتابعين.

"غسيل مخ من نوع آخر"

يعرض المؤثرون على انستغرام ويوتيوب حياتهم اليومية بتفاصيلها الوردية، التي تغري متابعيهم، وتدفعهم بلا وعي لمزيد من الفرجة والانغماس في ذاك العالم؛ فهناك لا ترى مشاكل بشرة ولا شعر، كلهن حسناوات، تقول سهى (22 عاماً) طالبة بكلية الآداب، تسكن في تونس العاصمة: "حتى وإن كنت ملكة جمال فستهتز ثقتك بنفسك حال دخولك أنستغرام؛ فلا حبوب ولا بقع داكنة على وجوههن، ولا شعر جافاً ومقصفاً ولا شحوم زائدة، كلهن حور عين، والغريب أننا نعلم أن هذا كله بفعل الفلتر، ومع ذلك نصدق كل تلك الكمية من الجمال. إنه غسيل مخ من نوع آخر".

تقول سناء ( 32 عاماً) تعمل بمصنع خياطة: "أقضي معظم وقتي على انستغرام، أشاهد صور المشاهير، والفتيات المؤثرات، وأتساءل دائماً إذا كان لهؤلاء حياة تشبهنا"

يحاول نشطاء إنستغرام إبراز الجانب المضيء من حياتهم بطريقتهم الخاصة؛ فيختارون زاوية التصوير والإضاءة والفلتر المناسب، ويركزون على تغطية العيوب بشتى الطرق للحصول على صورة تلفت الانتباه، وتجلب أكبر عدد من المعجبين.

"أرغب في المزيد"

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد وسيط للتواصل بين الناس بل أصبحت منصات عرض واستعراض يسعى من خلالها نشطاء إلى تحقيق الذات، وإثباتها بصور، وفيديوهات، ومقاطع من حياتهم اليومية، وغالباً ما يُصور الجزء المضيء منها فقط، الأمر الذي جعل الجميع في تبعية.

تقول سناء ( 32 عاماً) تعمل بمصنع خياطة: "أقضي معظم وقتي على انستغرام، أشاهد صور المشاهير، والفتيات المؤثرات اللاتي أتابعهن باستمرار، وأتساءل دائماً إذا كان لهؤلاء حياة يومية روتينية مثلنا أم أن حياتهم مثل الأفلام كما يصورونها لنا، أصل لدرجة أكره فيها ملابسي وهاتفي وجسمي وكل شيء بسبب ما يعرض أمامي".

"انستغرام ويوتيوب دمّرانا نفسياً".

تشاطرها الرأي زميلتها هالة (33 عاماً)، التي تقول: "انستغرام ويوتيوب دمرانا نفسياً، ومهما بلغت قوة شخصية الفرد فإنه سيضعف ويتأثر بما يشاهده. ودون وعي منه سيقارن نفسه بهم وإن أظهر العكس. كلما شاهدت صورة تتوق للمزيد".

يسعى مؤثرون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى جلب أكبر عدد ممكن من المتابعين لأهداف ربحية بحتة، وذلك بتحسين جودة ما يصورون بالفلاتر أو بتقنيات التصوير العالية أو بالمونتاج، وتصميم حساباتهم الشخصية بدقة لتسويق تلك الصورة المثالية عنهم، والتي من شأنها إبهار المتابعين، وتشجيعهم على المزيد من المتابعة، يقول وسام (24 عاماً)، وهو طالب حقوق: "جميعنا نعلم أن تلك الحياة الوردية ليست حياتهم الحقيقية، فمشاكل المشاهير لا تعد ولا تحصى، وربما وجدوا في نشر ذاك الزيف على مواقع التواصل حجاباً يغطي مشاكلهم. فهم بالنهاية يكذبون على أنفسهم قبل أن يكذبوا على متابعيهم".

"غسيل مخ من نوع آخر"

لا يخفى على أحد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة مخدرات الكترونية أدمنتها الغالبية، وبات الابتعاد عنها صعباً. متابعة الكم الهائل من المستجدات التي تظهر على المنصات الإلكترونية أمست كالطعام والشراب لا غنى عنها.

يقول علي (52 عاماً) أستاذ تعليم ثانوي: "عند ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كنت ألوم أطفالي وزوجتي على إدمانها بل أنهرهم عن ذلك، خاصة أن ابنتي الكبرى تطلب أن أشتري لها كل ما تراه على موقع انستغرام، وعندما أنشأت حساباً على الموقع أصبحت مدمناً مثلهم، بل أكثر منهم وصرت محل تهكم من قبلهم. فعلاً إنها كالسم في العسل".

"لا أرى سلبيات"

حفلات تخرج، وسهرات، وحفلات عشاء، وهدية عيد ميلاد، وأخرى لعيد الزواج، وملابس جديدة من ماركات عالمية معروفة، وحصص رياضة كمال الأجسام، وحصص علاجات البشرة، والشعر، وغيرها، ذاك ما يظهره الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، وتلك هي الصورة المثالية التي يريدون أن يشاركوها مع المتابعين بكل فخر.

تقول ليلى ( 22 عاماً): "لا أعتقد أنّ كل ما ينشرونه كذب، فهم يفتحون الهدايا أمامنا ويصورون أكلاتهم المختلفة بصفة مستمرة، وهو نوع من الرياء والفخر"، وتضيف: "طبعاً هم أحرار، لكن يجب مراعاة مشاعر الفقراء، الذين لا يملكون سعر سندويش أحياناً".

ويقول مؤيد (26 عاماً)، صاحب محل لبيع الهواتف: "إنّ زيف وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يتسلل إلى الجميع، ما دام الشخص المعني لا يرغب في ذلك. في المقابل يمكن أن يكون لها تأثير كبير على الأشخاص المتابعين بقوة لتطبيقات التواصل وغير العابئين بأسرارها وخفاياها، ومن شأنها أن تؤثر نفسياً على شخصيتهم، وتجعلهم يندبون حظهم على وضعهم دون معرفة أن غالبية تلك الصور والفيديوهات مركبة ومزينة وتم إخراجها في أحسن تقويم".

"انستغرام مصدر إلهام بالنسبة لي".

أما ملاك (30 عاماً) عاطلة عن العمل، وتسكن في أحد الأحياء الراقية في تونس العاصمة، فتختلف مع الكثيرين، تقول: "لا أرى أية سلبيات لما نعرضه على انستغرام. هي حياتنا اليومية العادية، والناس سيرونها في الواقع أو على انستغرام، فما الفرق؟ أحس بطاقة ايجابية عندما أنشر صورة أو فيديو ويلاقي إعجاب متابعيّ، وهذا ليس بالأمر السيىء مطلقاً، وانستغرام هو مصدر إلهام لي".

تتفق معها زهور (28 عاماً)، تقول: "أفكر جدياً في أن أصبح صانعة محتوى وأجني أرباحاً من وراء السوشيال ميديا، فالذين أصبحوا مشاهير ليسوا بأفضل مني، ثم إن أغلبهم يقدم أشياء عادية وبسيطة. الأمر يحتاج فقط إلى عزيمة، وقليل من الصبر، وكلما جمعنا متابعين أكثر كان الربح أكثر"، وتضيف ضاحكة: "لا أظن أن أحداً لا يحب معاشاً جيداً وهو قابع في غرفته".


تعلق الطبيبة النفسية جمانة حمدي لرصيف22: "الفئة التي تتأثر بما يعرض على مواقع التواصل الاجتماعي غير مؤهلة لما تشاهده، وما يعرض على صفحات التواصل ينمّي لديها الغضب المكتوم على أولئك الذين يصورون أنفسهم على أنهم يعيشون في المدينة الفاضلة المعزولة عن الناس، لكن نحن لا نستطيع أن نحكم على الناس بما ينشر على صفحاتهم الشخصية، لكن يجب ضبط الطريقة التي يوصلون بها الفكرة للآخرين".

وتستشهد حمدي بالممثل المصري شريف منير، عندما نشر صوراً لبناته، وكيف تحول بسبب ما واجهه من تنمر إلى "شخص عنيف" في ردوده تجاه الآخرين.

"كنت ألوم أطفالي وزوجتي على إدمانهم للسوشال ميديا،وعندما أنشأت حساباً على انستغرام أصبحت مدمناً مثلهم، وسخروا منّي"

وتتابع: "ما يقدمه مشاهير السوشيال ميديا، غالباً ما يكون غير حقيقي، فهو نوع من الدعاية يترك المتابعين في حيرة بين التصديق والتكذيب، بينما يواصل هؤلاء الترويج لمنتوجات أو مدح مبالغ فيه لمحلات ما بمقابل مادي، ولغايات ربحية، ويزرعون بذلك ما يسمى بالمحتوى الأصفر أو المحتوى المنافق، وهذا ما يؤثر على الطرفين، وليس على الفئة الفقيرة فحسب. فقد تحولت السوشيال ميديا من مواقع تواصل إلى مكان هروب من الواقع الكئيب".

وتختم جمانة: "ظهرت شريحة كبيرة من الناس تعرض أي شيء مؤذٍ للنفس أو للأطفال. مثلاً على تيك تيوك، يعرضون فيديوهات خطيرة لجمع أكبر عدد ممكن من المتابعين. الجميع يتوقون للشهرة الافتراضية لدرجة أن المرء يبيع نفسه بالمعنى الحرفي للكلمة كي يلفت النظر، وهذا يذكرنا بمشهد من فيلم "الفتوة"، حيث كان الناس يذهبون للبطل توفيق، وهم يريدون أن يصبحوا فتوة، أي شخص يحمي المنطقة بمقابل مادي، فقال البطل عبارة ساخرة تلخص كل الموضوع: لما كل الناس حتكون فتوات أمال مين اللي هينضرب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard