"نخوض معارك صغيرة لكن مصيرية"... النسويات في موريتانيا

الاثنين 3 أغسطس 202002:24 م

"رفضُ التمييز والتمرد على القيود المفروضة علينا فقط لكوننا ننتمي لجنس الإناث، بدآ معي من طفولتي أو هذا ما أذكره من سنوات طفولتي"، هذا ما قالته الناشطة النسوية مليكة محمد لمين لرصيف22، حين تحدثت عن قصتها مع النضال لنشر الخطاب النسوي في موريتانيا.

بدأت مليكة تجربتها في العمل الحقوقي عام 2012، مع تأسيس "مبادرة اتكلمي" الناشطة في مجال مكافحة العنف والاعتداءات الجنسية. تقول عن هذه التجربة: "كان الهدف من المبادرة إيصال أصوات النساء والفتيات المُعنَّفات والمُغتَصبات لوضع حد لمعاناتهن، وعن طريق هذه المبادرة اطلعت على معاناة النساء والفتيات في هذه البقعة من الكرة الأرضية واطلعت على القوانين المجحفة التي لا تعترف بحقهن  في الكرامة والحماية من العنف".

لا تختلف قصة الناشطة مكفولة أحمد عن حكاية رفيقتها مليكة كثيراً، فمكفولة الناشطة كذلك في "مبادرة اتكلمي" تُخبر رصيف22 عن بداياتها مع النشاط النسوي، قائلة: "أعمل منذ عام 2011 في مجال حقوق الإنسان، وتحديداً حقوق النساء. تجربتي كنسوية في موريتانيا لا أظنها تختلف كثيراً عن تجربة رفيقاتي، فنحن نناضل في تفاصيل حياتنا اليومية وعلى جبهات عدة... نخوض معارك صغيرة لكنها مصيرية بالنسبة لنا".

تشير مكفولة إلى أن بداية عملها كانت برفقة مناضلات "اتكلمي"، مضيفة: "عملنا كان أساساً هو التركيز على تعديل القوانين التي تحمي النساء من العنف. يحق لنا أن نتمتع بحماية قانونية أثناء ممارسة حياتنا الطبيعية. استغرق الأمر وقتاً طويلاً من العمل والبحث والتنسيق، ثم ركزنا بالتساوي على تهذيب الخطاب العام الموجه لنا، وأظننا نجحنا في ذلك خصوصاً على مواقع التواصل الإجتماعي، وما زلنا نناضل من أجل مركزية قضيتنا".

نورا الطلبة هي ناشطة نسوية أخرى، تساهم أساساً بالكتابة في المنصات النسوية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. تقول لرصيف22: "لا أجد ما أقوله عن نفسي غير أنني مواطنة موريتانية عادية ويسارية راديكالية. بدأت تجربتي في عمر مبكر، لأن أسرتي ذات توجه نسوي يساري من جهة، وذات توجه تقليدي مُحافظ من جهة أخرى، ما خلق عندي تصوراً مبكراً حول الحريات والحقوق النسائية والعوائق التي تواجه المرأة في مجتمع محافظ".

مشاريع وقضايا تسكن عقولهن

تتعدد المبادرات النسوية في موريتانيا، كما تتنوّع الهواجس والقضايا التي تشغل النسويات. حول ذلك، تقول مليكة: "على المستوى الدولي كنت جزءاً من مشروع جميل أدين له شخصياً بالكثير، فقد ساعدني على صقل وعيي وفهم النسوية وماذا يعني التضامن النسوي، هذا المشروع هو عبارة عن منصة إلكترونية هدفها خلق أرشيف نسوي لنضال النساء في المنطقة العربية وفي العالم، ونشر الوعي النسوي".


مليكة محمد لمين

تستحضر مليكة قول الفنانة الأمريكية جودي شيكاغو، وهي إحدى مؤسسات "the women's building": "لن نكون متساويات في هذا العالم، لن تُحكى قصصنا ولن تُحفظ ولن يتعرف عليها أحد، حتى تكون لدينا مؤسستنا الخاصة لتمرير ثقافتنا لأن هذا هو عمل المؤسسات"، لتؤكد أن" هذا كان الهدف من إنشاء منصة نحو وعي نسوي".

تعتقد مليكة أن طبيعة المجتمع الموريتاني المحافظ تفرض على أية فتاة أو سيدة مجموعة من القيود والعوائق في التعبير عن آرائها، وفي اختياراتها الحياتية، وتقول: "رفضُنا لهذا التدخل أو الوصاية يدخل في صميم نضالنا كنسويات، وبالتالي لا أعتبرها عوائق طالما هي مرفوضة بالنسبة لي... يبقى علي فقط تحمل ضريبة ذلك الرفض".

وتشير إلى أن أهم القضايا التي شغلتها هي "قضايا العنف بجميع أنواعه من تمييز ضد النساء وتزويج القاصرات والاغتصاب والاعتداءات الجنسية"، وأهم القضايا التي عملت عليها هي "قضايا الاغتصاب والاعتداءات الجنسية وتزويج القاصرات والعنف الأسري وتشويه الأعضاء التناسلية والتمييز وتأنيث الفقر".

بموازاة ذلك، تلفت إلى أن القضايا التي تشغل النسويات الموريتانيات في الوقت الحالي - رغم اختلاف انتماءاتهن وخلفياتهن -  هي قضايا العنف، فـ"جميع النساء الموريتانيات مهددات ومعرضة حيواتهن للخطر، بمختلف أعمارهن وانتماءاتهن العرقية".

وتنتقد مليكة "القوانين الموريتانية التي لا تعترف بحقهن في سلامة أجسادهن كحق بديهي من حقوق الإنسان، إذ أن الضرب يتحول من جنحة إلى سبب إباحة إذا كان في حق الزوجة، حسب ما ينص عليه القانون الجنائي. وهو القانون نفسه الذي يخلط بين الاغتصاب و’الزنا’، فيضيع حق الناجية من الاغتصاب وتُعتبر شريكة في الجريمة التي تعرضت لها".

"تجربتي كنسوية في موريتانيا لا أظنها تختلف كثيراً عن تجربة رفيقاتي، فنحن نناضل في تفاصيل حياتنا اليومية وعلى جبهات عدة. نخوض معارك صغيرة لكنها مصيرية بالنسبة لنا"... موريتانيات يروين تجربتهن مع النضال النسوي في بلادهن، والقضايا التي تشغلهن

بدورها، ترى مكفولة أن "الحركة النسوية، بالمفهوم الراديكالي، لا تزال ناشئة في موريتانيا -وهذا ليس انتقاصاً من نضالات النساء أو مواقفهن الرافضة حتى لو لم تكن بصفة نسوية سواء في الإطار العام أو المواقف الشخصية، وهي تتجه للتقاطعية نظراً لاختلاف ظروف النساء وإثنية المجتمع، فالنسويات يطالبن بدمقرطة الأدوار الاجتماعية، والحقوق المدنية والحماية القانونية".

ومشروع "أصوات النساء" التي تكون مكفولة كذلك إحدى منسقاته هو مشروع مشترك بين مبادرة "اتكلمي" وعدة ناشطات مستقلات، كان الهدف منه التواصل بين ناشطات نسويات وحقوقيات، والاستماع إلى الأصوات في الأحياء المهمشة وإيصالها، ونشر الوعي حول القضايا التي تهم الحقوقيات على المستوى الوطني.

مكفولة أحمد

من جهتها، تعلق نورا: "القضايا التي شغلتني هي القضايا اليسارية كلها، من العدالة الاجتماعية مروراً بالفقر والأمية وصولاً إلى مسألة تساوي الفرص وحق تقرير المصير؛ ذلك لأن الفقير في العالم في أكبر جزء من الكعكة هو امرأة والمظلوم والمحروم من الحقوق المدنية ومن الحقوق الإنسانية امرأة، والمحروم من الدراسة عادة هي فتاة صغيرة، والمُضطهد جسدياً أو روحياً امرأة".

وتردف: "النسوية في طلائع قضايا اليسار. شخصياً، ركزت على قضايا مثل تعليم الفتيات ومنعهن من الزواج المبكر من ضمن البحث في ظروف تردي التعليم في البلاد بشكل عام، لأنني ركزت أيضاً على دراسة أسباب تدني التعليم في موريتانيا وكان الزواج المبكر من بين أكثر الأسباب التي تمنع البنات من مواصلة دراستهن".

تؤكد نورا على أن النسويات في موريتانيا يتقاسمن الاهتمامات نفسها  مع نظيراتهن في العالم، لكن في المقابل توضح أنه "بسبب جمود المجتمع والعراقيل، يُمكن القول إننا ما زلنا في دائرة اهتمامات الموجة الأولى من النسوية أي نُحاول ببساطة الحصول على حقوقنا كإنسان، من دراسة وتوظيف وسلامة الجسد (مُحاربة العنف والاغتصاب وتشويه الأعضاء التناسلية)... نُطالب بالحقوق التي يطالب بها الآن غيرُنا للحيوان وللنبات".

وتعتقد نورا أن الحركة النسوية الحالية أو التي يُمكن أن نطلق عليها النسوية بمفهومها العالمي، بدأت تزامناً مع حركة 25 فبراير أي مع الربيع العربي، وهي حركة ثورية تطالب بقلب الكثير من المفاهيم التقليدية والمُضطهِدة للمرأة أو تصحيحها. بدأت بحراك "اتكلمي" الذي كان يضم النساء والرجال أيضاً، ثم حراك "هُن"، ومؤخراً حراك "ضد التمييز" الذي يهدف إلى توحيد كل هذه الحراكات. تعلّق: "اليوم يمكن أن نقول إن الحراك النسوي يتجه إلى الاتحاد في حراك واحد كبير، يجمع أطياف الحراك النسوي بجميع إثنياته الوطنية".

وتنشط في موريتانيا حالياً عدة منظمات معنية بقضايا المرأة، رغم أن بعضها لا تُصنَّف كجهات ذات "مشروع نسوي" لكنها تعمل على قضايا العنف والاعتداءات الجنسية والتمكين الحقوقي والسياسي والاقتصادي للنساء، ولعل من أبرزها "منظمة النساء معيلات الأسرة" و"منظمة صحة الأم والطفل" التي تشرف على مركز لإيواء ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية. 

تعمل هذه المنظمات منذ عقود على إنصاف ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية،  وتقدم لهن/م الرعاية الصحية والقانونية اللائقة ولها دور في العمل على كتابة مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء والفتيات.

وهناك أيضاً "جمعية التقدم لرفاه المجتمع"، والتي تعمل منذ سنوات على مسألة الصحة الإنجابية والجنسية للنساء في الأحياء المهمشة، وتقديم الرعاية الصحية والتوعية لهن، فضلاً عن "فريق المناصرة لدعم المشاركة السياسية للنساء" الذي سبق ونجح في فرض كوتا في البرلمان الموريتاني لصالح النساء.

انتقادات وعراقيل

تعلو في بعض الأحيان أصوات رافضة ومنتقدة للقضايا التي تثيرها النسويات في موريتانيا، تتهمهن بطرح ما لا يناسب المجتمع الموريتاني، وتصل أحياناً حدّ التشهير بهن. 

ترى مليكة أن "الانتقاد أمرٌ ضروري وأي حراك أو إنسان بحاجة له؛ أما التشهير بالنسويات فيلجأ له بعض ضعفاء الحجة الذين لا يمتلكون أدوات منطقية لمواجهة النسويات".

"في 2012 كنا ثلاث فتيات وبعض الشبان نكتب على فيسبوك ومسيراتنا الاحتجاجية لم يكن يشارك فيها سوانا. الآن نحن بالعشرات مع مئات المناصرات والمناصرين"... الحركة النسوية في موريتانيا بدأت مع الربيع العربي بـ"مبادرة اتكلمي"، ثم "هُن" ومؤخراً حراك "ضد التمييز "

في المقابل، تُطمئِن مليكة قائلة: "توجد آذان صاغية للخطاب النسوي الموريتاني وهناك مناصرون للقضية، ففي عام 2012 كنا ثلاث فتيات وبعض الشباب نكتب على فيسبوك ومسيراتنا الاحتجاجية وتظاهراتنا لم يكن يشارك فيها سوانا، لكن الآن نحن بالعشرات مع مئات المناصرات والمناصرين". 

من جهتها، تقول مكفولة: "الانتقاد لا أعتبره سيئاً لكن التشهير الذي تعرضت له بعض الرفيقات أمر حساس ويعرض حياتهن الشخصية للخطر وأرجو أن يتم التعامل معه مستقبلاً بالطرق القانونية المناسبة"، لافتة إلى أن الخطاب النسوي بدأ يتمدد وعدد النسويات والداعمات والمناصرات للقضية أعلى بكثير من عام 2011، وهو برأيها أمر غير سهل ويتطلب الوقت والعمل.

بدورها، ترى نورا أن "النسويات دائماً يتعرضن للانتقاد، وهذا عادي لأن النظام العالمي بطريركي وقد امتلك السلطة منذ آلاف السنين فلا يقبل أن تهتز أسسه وأن يُستبدل بنظام جديد وطريقة تفكير جديدة، تحظى فيه المرأة بالحقوق والامتيازات نفسها".

وتضيف قائلة: "ثمة مفاهيم شائعة عن النسويات في العالم كله مثل: النسويات يكرهن الرجال، يكرهن الأسرة، حاقدات على المجتمع... وفي العالم العربي، والإفريقي خصوصاً، نُضيف إليها أنهن يُردن إفساد الأسس الدينية للمجتمع، وإفساد أخلاق الفتيات والثورة على التقاليد، وأحياناً يُتهمن بالعمل لمنظمات دولية أو للغرب"، معلقة "إنها طريقة تشهير كلاسيكية يتعرض لها كل من أراد مجابهة المجتمع التقليدي، وهو التشهير نفسه الذي تعرض له العلمانيون ويتعرض له أحفاد ضحايا العبودية". 

من جهة أخرى، تعتبر نورا أن ثمة نساء لا يعرفن أنهن ضحايا ولا تزال هناك نساء حارسات للقيم الذكورية ولديهن وعي زائف مزروع، لكن الخطاب النسوي وجد آذاناً صاغية لدى نساء كثيرات، و"ربما لأن مجتمعنا أصلاً مجتمع أمومي أو وريث مجتمع كان للمرأة فيه مكانة واعتبار".

قانون حماية المرأة... المعركة الأهم

يُثار الجدل هذه الفترة حول قانون حماية المرأة في موريتانيا، والذي كان قد عُرض على البرلمان تحت اسم "قانون النوع"، ثم سُحب بعد اتهامه بأنه مخالف للشريعة ويتسبب في تفكيك الأسرة. 

يستمر الجدل حول هذا القانون، رغم التعديلات التي أُدخلت عليه حيث وقعت مؤخراً مجموعة من رجال الدين بياناً رافضاً له. في المقابل، ترى النسويات في القانون بارقة أمل لحماية المرأة.

"يدعي مناهضو قانون حماية المرأة في موريتانيا أن فيه مواد ضد شرع الله لكن حين سؤالهم عنها لا  يحددون تلك المواد، وأحياناً لم يقرؤوا حتى القانون بل سمعوا شائعات تدعي ذلك". 

برأي مليكة، المنظومة القانونية الموريتانية تفتقد أي قوانين تحمي المرأة من العنف، وهذا المشروع - أي مشروع قانون مكافحة العنف ضد النساء والفتيات - جاء ليسد هذا الفراغ، وذلك باعتماد مقاربة شاملة تهدف إلى الوقاية من العنف وردع القائمين به والتعهد بحماية ضحاياه، حيث جرّم كل أشكال العنف تقريباً، ومنه الجسدي والمعنوي والجنسي.

"ما يميّز القانون كذلك أنه أضاف وسائل إثبات جديدة لم يكن معمولاً بها في ظل القانون الجنائي الموريتاني، كما كرّس مفهوم الضحية وهو مركز قانوني أكثر منه مجرد مفهوم"، حسب مليكة التي تلفت في المقابل إلى أنه لا يشدد في العقاب إذ لم يكرس هذا المشروع عقوبة الإعدام مثلاً، ولا الأشغال الشاقة، بل يعطي الأولوية للتدابير الوقائية قبل حصول الجريمة والتدابير الإصلاحية بعد حصولها، وهو ما يتماشى والسياسة الجزائية الحديثة.

وتعتقد أن "الهجوم على القانون يعود في جزء منه إلى طبيعة المجتمع الموريتاني الفوضوية والرافضة لأي قوانين، وفي جزء آخر يعود إلى موقف المعسكر الذي يقود حملات رفض وشيطنة لأن كل ما يتيح للمرأة هامشاً - ولو صغيراً أو شكلياً - من الحرية والحقوق يثير حفيظتهم".

أما مكفولة فتعتقد أن مشروع القانون لا يمثل مستوى طموح النسويات في التشريعات، لكنه يُعتبر جيداً  لجهة التعامل مع جريمة الاغتصاب.

بدورها، تعتبر نورا أن هذا القانون هو "أول قانون يُعرّف الاغتصاب والتحرش ويُجرّمهما، وهذا تطور بالغ الأهمية، لأن الاغتصاب كان مُجرَّماً في القانون الجنائي لكن دون إمكانية إثبات الجريمة، لكن القانون الجديد يُمكّن من إثبات الجريمة على الجاني في حالة إنكاره وذلك بواسطة فحص الحمض النووي".

 وتختم حديثها: "يدعي مناهضو قانون حماية المرأة في موريتانيا أن فيه مواد ضد شرع الله لكن حين سؤالهم عنها لا يحددون تلك المواد، وأحياناً لم يقرؤوا حتى القانون بل سمعوا شائعات تدعي ذلك"، معلقة "هذا مُضحك، يعترضون أساساً على تجريم زواج القاصرات مع أن هذا القانون لم يأتِ بأي جديد في ما يعني زواج القُصر، بل على العكس فقد نُزعت منه مواد كانت في صالح القُصر وأُحيل إلى مدونة الأحوال الشخصية التي تسمح لولي الأمر مثلاً بتزويج القاصر إن رأى مصلحة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard