ماذا يعني أن يكتب شخص، في وصيته، أن تُحرق جثته؟

الأربعاء 29 سبتمبر 202110:39 ص

يأتي الحرق، كفعل عقوبة في الأديان. حتى أن بعضها قد أفتت بحرمة حرق أجساد الأموات، والأحياء، على حد سواء، فإكرام الميت دفنه. ربما جاءت فكرة حرق جثث الموتى، بعد انتشار الأوبئة والأمراض، ومنذ تلك اللحظة، ابتدعوا فكرة الحرق، ودائماً ما يأتي الحرق كعقوبة صادرة من جهة عليا إلى جهة دنيا؛ مثلاً، يتوعد الرب عباده بالحرق في جهنم، في حال ارتكبوا المعاصي، والآثام، والخروج عن طاعته، أو كما حدث لليهود في الهولوكوست، حتى لا نذهب بعيداً. فالأوامر صدرت من النازيين، الذي يعدّون أنفسهم "جهة عليا"، بحرق اليهود، الذي يعدّهم النازيون "جهة دُنيا". فالحرق في الموروث الديني، والمخيال الشعبي، والذاكرة الاجتماعية لدى الشعوب، ملازم للعقوبة، ومن هنا سنختار نصوصاً دينية منتخبة من القرآن، ومن الإنجيل، أتى الحرق فيها ضمن سياق العقوبة.

يبقى التصرف بالجسد خياراً شخصياً، لكنه خيار شجاع، فعل مقاومة من نوع آخر ضد الأنظمة والتعاليم الوضعية كلها.

في القرآن:

((يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق)). (50 الانقال)

((له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق)). (9 الحج)

((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)). (10 البروج)

((فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت)). (266 البقرة)

وفي الإنجيل:

((ولما كان نحو ثلاثة أشهر، أخبر يهوذا وقيل له: قد زنت ثامار كنتك وها هي حبلى أيضاً من الزنا. فقال يهوذا: أخرجوها فتحرق)). (تكوين 24:38)

((وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها فذلك رذيلة. بالنار يحرقونه وإياهما لكيلا يكون رذيلة بينكم)). (لاويين 14:20)

((إذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست أباها. بالنار تحرق)). (لاويين 9:21)

((ويكون المأخوذ بالحرام يحرق بالنار هو وكل ماله، لأنه تعدى عهد الرب ولأنه عمل قباحة في إسرائيل)). (يشوع 15:7)

يأتي الحرق، كفعل عقوبة في الأديان. حتى أن بعضها قد أفتت بحرمة حرق أجساد الأموات، والأحياء، على حد سواء، فإكرام الميت دفنه

هذه بعض الأمثلة التي تدل على مسألة أساسية، ألا وهي أن الأديان السماوية ترى الحرق، أقسى العقوبات، وأقصاها. فالأديان تسمح لنفسها بالتفنن في الحرق، وتصادر حق الفرد في التصرف بجسده، في حياته، وبعد مماته. فالعبث بالجسد حرام ومفسدة، والحرق محتكر في الحياة الأخرى، لكن ماذا يعني أن يكتب شخص، في وصيته، أن تُحرق جثته، بدل دفنها حسب التعاليم الدينية، والتقاليد الاجتماعية؟ هذا بطبيعة الحال فعل مقاومة، ورد فعل على الدين، وتحدٍ للطبيعة. قد لا يرغب الشخص في أن يسلّم نفسه لقوة الطبيعة، والتحلل في باطن الأرض. ومن هؤلاء الأشخاص الذين حُرقت جثثهم بعد الموت، الشاعر بيرسي بيش شيلي، والمغنّي فريدي ميركوري، ومغني الراب توباك، والشاعر سعدي يوسف. واختيارنا لهذه الأسماء، ينطوي على دلالة أيضاً، فما يربط هؤلاء الأربعة، هي الموهبة الفائقة، والإبداع اللذان ساهما بشكل كبير في خلودهم، على مدى عقود.

في الميثولوجيا، وعلى عكس الأديان، تأتي النار مصدراً للطاقة، والتجدد، والنور. فبرومثيوس سرق النار من جبال الأولمب، لأنه كان يعتقد أنها ما ينقص البشر، وأنهم سيصنعون العجائب عند التعرف إليها، واستخدامها. ولا تختلف قصة طائر الفينيق عن السياق الذي وردت فيه النار في الميثولوجيا. فطائر الفينيق، عندما يُحرَق، يعود إلى الحياة، وينبعث من رماده. النار هنا مصدر للانبعاث والتجدد، وهذا الاعتقاد أقرب ما يكون إلى الديانات الأرضية، فالديانات الأرضية تشترك مع الميثولوجيا في الكثير من التفاصيل، وواحدة من هذه الديانات هي الديانة الزرادشتية، والاعتقاد السائد فيها أن النار أحد عناصر الكون الأربعة المقدسة، وبيت العبادة بالنسبة إلى الزرادشتيين، هو معبد النار. ووفقاً لهذه التعاليم، حُرقت جثة أشهر مغنٍّ في العالم، صاحب فرقة queen، فريدي ميركوري، على الرغم من أنه، في حياته، لم يلتزم بتعاليم هذه الديانة، إلا أن أهله أصرّوا على مراعاة التقاليد، وتم حرق الجثة، وتسليم الرفات إلى حبيبته ماري أوستن.

بعد وفاة "توباك"، حُرقت جثته، ووُضع رمادها مع "الماريجوانا"، ليدخنها أفراد فرقته الموسيقية، فتوباك لم يخضع لتعاليم دينية، أو لمعايير عصر معين، وحرق جثته كان خياراً شخصياً اتخذه قبل مماته، وكتبه في وصيته، وقال لأفراد فرقته الموسيقية: "أريد أن أمشي في عروقكم"

حرق جثة ميركوري، جاء حسب تعاليم ديانته، ولم يكن خياراً شخصياً، وكذا الحال مع الشاعر بيرسي شيلي، الذي حُرقت جثته بعدما عُثر عليه غريقاً، في خليج سبيتسيا الإيطالي. ووفقاً لتعاليم ذلك العصر، حُرقت جثته، إذ كانت التقاليد المتّبعة هي الحرق بعد الموت. وبين تعاليم ديانة فريدي ميركوري، وتقاليد عصر بيرسي شيلي، اللتين فرضتا عليهما طريقة رقادهما الأبدي، نجد أن هناك نموذجين متمردين على تعاليم الدين، وتقاليد العصور، شعْرَنا (من الشعر) الموت والجسد، مثلما حدث مع مطرب الراب الأشهر "توباك"، الذي اغتيل في 13 أيلول/ سبتمبر عام 1996، إذ تعرّض لإطلاق نار كثيف، من قبل مجموعة لم يتم التعرف إليها حتى الآن. وبعد وفاته، حُرقت جثته، ووُضع رمادها مع "الماريجوانا"، ليدخنها أفراد فرقته الموسيقية، فتوباك لم يخضع لتعاليم دينية، أو لمعايير عصر معين، وحرق جثته كان خياراً شخصياً اتخذه قبل مماته، وكتبه في وصيته، وقال لأفراد فرقته الموسيقية: "أريد أن أمشي في عروقكم". وكذا الحال مع الشاعر الكبير سعدي يوسف الذي من وصاياه، أن تُحرق جثته، بعد مماته، بعيداً عن عيون الناس، وأن تقتصر مراسم الحرق على الأهل، والأقارب القريبين، ليكتب سعدي قصيدة بجسده، ويتحول إلى ذرات حالمة، ونسائم تستنشقها الأرض كلها، فهو يعلم أن القصيدة تتغلغل، وتنبعث من عروق الشاعر، ولا تستقر في مكان، حتى تصبح ملك غيره. فالشاعر يضيق به المكان، فتتسع له الأمكنة كلها.

يبقى التصرف بالجسد خياراً شخصياً، لكنه خيار شجاع، فعل مقاومة من نوع آخر ضد الأنظمة والتعاليم الوضعية كلها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard