همجية البشر تحاول إيجاد "عُطر سكسي" يخفي رائحة الجثث المتعفنة

الخميس 23 أبريل 202001:51 م

قبل أن نتعرّف على أسماء الأعضاء التناسلية وطريقة استخدامها في صوغ الشتيمة، كان قاموس الشتائم السوري عند الأطفال يقتصر على كلمتي حيوان ويهودي.

في طفولتي المُبكرة عرفت الأديان السماوية الثلاثة، حين قالت لي أمي إن كلمة يهودي ليست إلّا دلالة على شخص يتبع الديانة اليهودية.

ومؤخراً عرفت أن الإنسان هو الحيوان الذي يقتل أبناء جنسه ويتلذّذ بذلك، ومع معرفتي تلك، أدركت أننا نقرأ لنُدرك، نتعمق بالتاريخ بحثاً عن الحقيقة، وبالطبع هنالك دائماً من يبذل جهداً أكبر من غيره ليجدها، لكن بكل الروايات يوجد قاتل وضحايا، دائماً هنالك مجرمون ومذبحة.

لنفهم فيما بعد أننا، بشكل أو بآخر، نقرأ لنعرف الظلم ونربي الحقد والغضب بداخلنا، ليعشش الرعب بين تلافيف أدمغتنا، لنخاف من الآخر، القوي، القادر دائماً على إقصائنا، نفينا وقتلنا أيضاً.

البشرية التي تحتاج اليوم لاجتماعات دورية تصدر فيها مواثيق تضمن حق الإنسان وحياته، فيُنكث الميثاق وتهدر حياة الإنسان.

حين كنّا صغيرات، وقبل أن تصبح فساتيننا مغرية، علمتنا الأمهات كلمتي "عيب وحرام"، عندها كان الآخر كل من يتجاوز حدود الأدب والدين، وكانت تلك الحدود مرسومة بوضوح بين ساقينا: الآخر الذي علينا الخوف منه، هو أي رجل قادر على سلبنا أغلى ما نملك خارج إطار الزواج، ولا يهم فيما بعد إذا كان الإطار مشوهاً، المهم وجوده، والأهم من كل هذا، توقيع ولي الأمر على وثيقة فقدان العذرية.

نكبُر قليلاً فنقف عند عتبة الزواج، بينما يرن في أذهاننا المثل المُعتمد كالدرس الأول في أصول العلل: "يلي بياخد من غير ملّته بيموت بعلّته"، وهذا النوع من التربية اسمه التربية بالترهيب، فالحب والزواج برجل من دين مغاير أو قومية مغايرة أو حتى طائفة مغايرة، يعني أننا نذهب بأقدامنا نحو التهلكة، نحو العلّة والشقاء حتى الموت.

نكبر ونخرج من منازلنا، نتسمّر أمام شاشات التلفزيون ونستمع لنشرات الأخبار، نتجمع في صالات السينما لنتعرف على "الآخر" بمستوى متقدّم، فهنا التصنيف قد يكون بحسب نوع اللحم الذي تأكله، فإذ كنت تأكل لحم البقر المقدد قد تكون الآخر عند البعض، وإذ كنت تسمح لنفسك بأكل لحم الخنزير فأنت الآخر عند غيرهم، أما التصنيف الأكثر غرابة، فكان يعتمد على حجم الأعضاء التناسلية!

حين كنّا صغيرات، وقبل أن تصبح فساتيننا مغرية، علمتنا الأمهات كلمتي "عيب وحرام"، عندها كان الآخر كل من يتجاوز حدود الأدب والدين، وكانت تلك الحدود مرسومة بوضوح بين ساقينا: الآخر الذي علينا الخوف منه، هو أي رجل قادر على سلبنا أغلى ما نملك خارج إطار الزواج، ولا يهم فيما بعد إذا كان الإطار مشوهاً، المهم وجوده

أذكر جيداً المقال الذي قرأت فيه أن الصورة النمطية الذي وُضع فيها الرجل الأسود، هي صورة القذر الذي يتعقب النساء البيض ويغتصبهم.

وليس بعيداً عن هذا، إذا كانت الشفاه الكبيرة أحد السمات المبررة لهذا الاتهام، هل سنتوقف نحن النساء عن شراء أقلام أحمر الشفاه التي تعطي شفاهاً أكثر امتلاء، أو هل سنُقلع عن حقن الفيلر؟

لا أعتقد، فالنضال ضد إسقاط ذاك المفهوم أكثر متعة وأكثر واقعية وأقرب للمنطق.

السؤال هنا، هل الحياة هي مجرد سلسلة من الكوارث التي تكشف حقيقة الإنسان المظلمة؟

وبالعودة إلى كتب التاريخ... الأمر يصبح أكثر وحشية وأشد إيلاماً، فالآخر عليه أن يكون الشرير الذي تسمح لنفسها الجماعة بقتله وإبادته خوفاً على كيانها، سطوتها، وجودها، وهنا لربما يكون المثال الأشهر، هتلر، صاحب فكرة "حيوات غير جديرة بالحياة"، وهذا كان مبرره الوحيد ليحرق من يجري بعروقهم الدم الفاسد مثلما كان يسميه، ولنعرف أبشع ما في التاريخ: المحرقة... بشرٌ مثلنا يحرقون بشراً مثلهم!

على مرّ العصور، وفي كل التجمعات البشرية، بقي محرّك الإنسان الأساسي في الحياة هو "غريزة البقاء"، فاستطاع الإنسان بهمجيته ودمويته إثبات حقيقة أن امتهانه الرسم أو الصحافة، ليس سبباً كافياً ليكون رومنسياً حالماً، يحتسي القهوة تحت ظلال أشجار النارنج ويستمع لباخ عندما يغضب، فمؤسس النازية كان رساماً، وقائد الفاشية كان صحفياً، وبين الاثنين كانت الحياة مرعبة، كان الدم الإنساني مهدوراً لمجرد كونه دم "الآخر".

مؤخراً، مع انتشار فيروس كورونا ومع إعلان الجائحة، أصبح التصنيف أوسع وأكثر شمولية، لكن محرّكه الخوف نفسه وغريزة البقاء نفسها، فتمّ تقسيم البشر إلى مرضى وأصحاء، ليحصل المريض ببساطة على لقب "مكورن" أو "ابن المكورن"، وكأنها شتيمة تلحق به وبأهله، يهرب العالم منه بعد تعافيه ويتحاشاه الجيران.

وبهذه الظروف أيضاً، لا يستطيع بعض البشر إّلا أن يكشفوا عن خفايا أكثر ظلمة في نفوسهم: طلبت فنانة من حكومتها استخدام المساجين كفئران تجارب لاختبار فعالية اللقاحات حتى وإن لم تكن آمنة، وخرج إعلامي يطالب بطرد الوافدين من بلاده، وكأن البلاد نصيبه من ميراث أبيه، وغير ذلك الكثير والأبشع.

ومع ظروف كورونا، لا يستطيع بعض البشر إّلا أن يكشفوا عن خفايا أكثر ظلمة في نفوسهم: طلبت فنانة من حكومتها استخدام المساجين كفئران تجارب لاختبار فعالية اللقاحات حتى وإن لم تكن آمنة، وخرج إعلامي يطالب بطرد الوافدين من بلاده، وكأن البلاد نصيبه من ميراث أبيه، وغير ذلك الكثير والأبشع

السؤال الحقيقي هنا، هل الحياة هي مجرد سلسلة من الكوارث التي تكشف حقيقة الإنسان المظلمة؟ وهل الآخر مُخيف للحد الذي يستدعي إبادته؟ وهل حياتنا تستحق أن تستمر حتى على حساب حياة الآخر؟!

أحياناً أتخيل شكل حياتي عندما أصل للسبعين - إذا وصلت لذلك العمر طبعاً - دون أن أكون الآخر الواجب قتله في رواية أحدهم: وحيدة في جزيرة صغيرة وبعيدة، أحاول أن أنسى الحياة القائمة على الدم، أحاول إنكار البشرية التي استمرت قروناً طويلة وهي تحاول إيجاد عطر سكسي يخفي رائحة الجثث المتعفنة تحت هذا التراب، البشرية التي فشلت كل مرة في الاستمرار دون تقديم قرابين بشرية لوجودها.

البشرية التي تحتاج اليوم لاجتماعات دورية تصدر فيها مواثيق تضمن حق الإنسان وحياته، فيُنكث الميثاق وتهدر حياة الإنسان.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard