فتاة عاشقة، ثائرة ضد الإسبان أم متصوفة... عن يمّا قوراية ومزارها

الأربعاء 29 سبتمبر 202111:05 ص

لطالما جذبتني وسحرتني المُرتفعات. وهذه الأخيرة تأخذ النصيب الأوفر من محافظة بجاية الواقعة على بعد 300 كلم شمال شرقي العاصمة الجزائرية، تبدأ انطلاقاً من "كاب كربون" ذي المرتفعات الصخرية وصولاً إلى قلعة "يمّا قوراية" الفاتنة.

الوصول إلى قمة يما قوراية لم يكن بالأمر الهين بالنسبة لوالدي وحتى أبناء إخوتي، لكن بالنسبة لي كنت أحاول السيطرة على نفسي والتظاهر بأنني على ما يُرام، وكنت أحدث نفسي في صمت، وأدعو كثيراً من أجل الوصول بسلام إلى "رأس كربون" أو كما هو معروف "كاب كربون"، الذي توجد به منارة بنيت على ارتفاع يتجاوز 200 متر، وهي أعلى منارة طبيعية في العالم، وتسمى بـ"منارة الهبوط"، الذي يرمز لقرب الوصول إلى ميناء بجاية (عاصمة القبائل الصغرى وتلقب بلؤلؤة الجزائر مجازاً).

مشينا بين مسلك ضيق تلفه أشجار الزيتون التي تشتهر بها منطقة القبائل الرائدة في إنتاج زيت الزيتون والصنوبر، وخلفه سلسلة من الجبال المتلاصقة، فالتأمل الطويل فيها يصيب بالغثيان والدوار، فكلّ جبل يلتصق بالآخر. فكنا أمام مشاهد خلابة مثل تلك التي درست عنها في الصف الابتدائي، لكنني كنت عاجزة آنذاك عن الكتابة والتعبير لأن الكلمات كانت تخونني.

ورُغم أن رحلتنا كانت في يوم صيفي حارق من شهر آب/أغسطس غير أن الجو كان دافئاً تنبعث فيه نسائم من الهواء المشبع برائحة التراب، والسماء كانت زرقاء وصافية بعيدة عن تلوث المدينة الدائم وضجيجها وغبارها وكسلها وخمولها.

صنفت منظمة اليونسكو قورايةَ كمحمية طبيعية عالمية عام 2004؛ فهي تضم 5 أماكن سياحية مشهورة في الجزائر تستقطب سنوياً الآلاف من السياح الأجانب والمحليين

ونحنُ متجهون نحو القمة، صادفنا بيت صغير جميل مغروس بين أحضان الطبيعة بهندسته الغريبة وألوانه الجميلة وصخوره المنحوتة التي تميل إلى اللون الأحمر تارة والأسود تارة أخرى. دفعنا الفضول لاستكشاف "بيت الجبل" كما سمتهُ والدتي، فهي مغرمة بهذا النوع من البيوت لأنها كبرت وترعرعت في بيت جبلي مصنوع من الطوب الأحمر أحجاره موضوعة بشكل متناسق، ولازال متواجداً إلى اليوم رغم مرور سنوات على تشييده، ولعل أبرز ما يميز هذا البيت الصغير المتواجد على طول المسلك الرابط بين "رأس كربون" وقلعة "يما قوراية" أنه مصنوع من سعف الأشجار، وكل ما هو موجود بداخله من كراسٍ وطاولات قد شيدت باليد باستعمال الطين والأخشاب وجذوع الأشجار الطويلة.

بعد ربع ساعة من الاستراحة واصلنا المشي، وفي كل مرة يبلغنا والدي أنه لم يتبق سوى بضعة كيلومترات لبلوغ القمة، وكلما انقضت نصف ساعة من الزمن كنا نشعر أننا لا زلنا في البداية، وكانت والدتي تواسينا بالأغاني القبائلية القديمة، أبرزها الأغنية التراثية الأمازيغية الشهيرة: "أسيدي بلوى... أيمَا قُورايا".

ثاني نقطة توقفنا عندها بعد بيت الجبل كانت عبارة عن محلات صغيرة مختصة في بيع كل ما هو تقليدي كالحلي والأواني المصنوعة من الفخار، وهي واحدة من الحرف التقليدية التي تصارع من أجل البقاء، وبعض الألبسة التقليدية التي تشتهر بها المنطقة على غرار الجُبة القبائلية التقليدية (سيدة الألبسة النسوية في منطقة القبائل)، وتسمى باللهجة القبائلية "ثاقندورث نلقبايل"، وهي عبارة عن فستان جزائري أمازيغي عريق إضافة إلى "البرنوس" الذي يعتبر رمز شهامة الرجل الأمازيغي.

بعد مرور ساعة وأكثر بقليل وصلنا إلى قمة يما فوراية في حدود الساعة الثانية بعد الظهر. هذا المكان الذي لا يمكن لأحد زيارة محافظة بجاية دون المرور منه للتمتع بجمال الطبيعة ومشاهدها الغريبة وطرقها العجيبة ووديانها الثائرة وسهولها وجبالها وتلالها، فهنا نشعر وكأننا في جبال الألب الألبانية وجبال الأورال والقوقاز وجبال شار وتايجتوس.

وقد صنفت منظمة اليونسكو قورايةَ كمحمية طبيعية عالمية عام 2004؛ فهي تضم 5 أماكن سياحية مشهورة في الجزائر تستقطب سنوياً الآلاف من السياح الأجانب والمحليين، وأبرز هذه الأماكن حصن "يما قوراية" و "رأس القردة"، حيث تنتشر بكثرة قرود "المكاك البربري" ورأس كربون ومقبض زيغواد.

وفي أعلى الجبل البالغ طوله 672 متراً، ومعظم مساحاته تزخر بالحياة النباتية والحيوانية بما في ذلك قرود "المكاك البربري" المصنفة عالمياً على القائمة الحمراء للحيوانات المهددة بالانقراض ويمكن العثور عليها بكثرة في جبال الأطلس في الجزائر والمغرب وحتى في جبال طارق، وينتشر في أعلى القمة أيضاً ابن آوى الذهبي يقطن بكثرة في الجزائر، وتمتلك هذه السلالة أذنين طويلتين شبيهتين بآذان الثعلب والقنفد الجزائري.


توجد هنا أيضاً قلعة يعرفها الجميع في الجزائر على أنها مرقد لولية صالحة متصوفة عاشت في قرون خلت، لذلك تأتي إليها حشود هائلة للتبرك، فهذا المكان شبيه بسيدي الهواري وسيدي بومدين وسيدي ميمون، وهم أولياء صالحون يقصد أضرحتهم الكثير من الجزائريين.

كشفت نتائج بحث أجراها الجزائري مالك آيت حمودة أن قصة يما قوراية حقيقية وليست نسجاً من الخيال، وأكد في معرض حديثه أن يما قوراية كانت ثائرة ضد الإسبان

إلى قلعة يما قوراية تأتي الكثير من الفتيات اللواتي يرغبن بالزواج أو قد تقدمن للعمل وأزواج لم يسعفهم الحظ في إنجاب الأطفال، ومرضى سئموا من العلاج. يجلس جميع هؤلاء على ساحة مفترشة بزرابٍ تقليدية يتبرع بها الزائرون في شكل هبة، يحرصون على أداء الأدعية وحتى إشعال الشموع.

وفي هذه القلعة الصغيرة التي تهالكت جدرانها، ترقد "قوراية"، التي يرتبط اسمها بعدة روايات؛ تقول الأولى وهي المتداولة بكثرة بين الشباب والعجائز، إن قوراية فتاة كانت آية في الفتنة والجمال، أُغرمت برجل اسمه "تيشي" غير أن أهلها رفضوا زواجها منه، واختارت هذا الجبل المحاذي لمكان إقامة حبيبها وقررت المكوث فيه.

أما الرواية الثاني فتسرد قصة المرأة المقاومة للإسبان لا المرأة الولية أو العاشقة، فهي المرأة التي قاومت الغزو الإسباني لمحافظة بجاية، بجانب أحد أبرز أبطال الإمبراطورية العثمانية هو "قرصان الجزائر" الذي تحول لاحقاً إلى ملك البحار، خير الدين بربروس، ويعني لقبه باللغة الإيطالية صاحب اللحية الحمراء، وكان هذا سنة 1516م.

وكشفت نتائج بحث أجراها الجزائري مالك آيت حمودة، مهندس بالمدرسة الوطنية العليا للهندسة المعمارية في باريس، أن قصة يما قوراية حقيقية وليست نسجاً من الخيال، وأكد في معرض حديثه أن يما قوراية كانت ثائرة ضد الإسبان، مقاومة مثلها مثل لالة فاطمة نسومر، أول مناضلة قاومت الاستعمار الفرنسي في الجزائر وكبدته خسائر فادحة.

الرواية الثالثة تقول إن أطلال القلعة تحتضن مرقد ولية صالحة مُتصوفة عاشت في قرون خلت، يأتي إليها الناس من كل حدب وصوب من أجل الدعاء وإشعال الشموع على محيط القلعة المتهالكة، وحتى إحضار بعض الأطباق التقليدية التي تشتهر بها المنطقة على غرار طبق "ثيكربابين" أو "العُصبان القبائلي"، ويتداولُ سكان مُحافظة بجاية التي تقع على ساحل البحر الأبيض المُتوسط مقولة مفادها أن لبجاية 99 ولياً آخرهم كان امرأة!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard