صراع السوريين حول شكل الدولة بين العلمانية والمدنية

السبت 25 سبتمبر 202103:13 م

وُضعت الدولة المدنية (العلمانية) في مواجهة الدولة الدينية (الثيوقراطية) بالرغم من أن هناك ثلاثة أشكال للدولة في هذا السياق: دولة علمانية، دولة مدنية، ودولة دينية. وقلّما نجد مَن يميّز بين الدولة المدنية وبين الدولة العلمانية، بالرغم من الفروقات الكبيرة بينهما.

ولعل من أفضل النماذج التي يمكن بناءً عليها التمييز بين شكليْ الدولة المذكوريْن هو سوريا على مدار قرن ونيف من نشأتها. سوريا نشأت علمانية، إلى حد ما، وتحوّلت تدريجياً إلى المدنية قبل أن تتحول في أيام البعث إلى دولة علمانية في السلطة ومدنية في المجتمع، في نموذج فريد نوعاً ما، ويخدم البراغماتية الأوتوقراطية.

علمانية نتاج طائفية أم طبقية؟

لفهم السياق الذي انبثقت عنه العلمانية بشكلها الحداثي الحالي، لا بد من العودة إلى عصر التنوير الغربي Age of Enlightenment، أي ما بعد العصور الظلامية الأوروبية.

يُرى أن العلمانية الغربية كانت نتاجاً لصراع طبقي بين المركز واللامركز، أي بين مركزية الكنيسة الأوروبية الكاثوليكية الأبوية في روما، والحداثة التي كان بناتها أبناء الطبقة البرجوازية.

على خلاف كثر يعتقدون أن عملية الإصلاح الديني في أوروبا ظهرت بين ليلة وضحاها، وكان بطلها مارتن لوثر، يقول التاريخ إن بوادر الإصلاح الديني في أوروبا ظهرت قبل ذلك، مع الخلافات بين المدرستين اللاهوتية والوضعية.

وكان للراهب الألماني مارتن لوثر (1483-1596) بين القرنين الخامس والسادس عشر الفضل الأكبر في الدفع باتجاه تبني مذهب ديني مسيحي جديد منسجم مع حركة الإصلاح الديني الذي يدعو إليه. فقد طالب بإلغاء مركزية الكنيسة وسلطتها وإنهاء تحالفها مع الإقطاعيين. وجرّاء هذه المطالبات، عاشت أوروبا حروباً طويلة كانت أبرزها حرب الثلاثين عاماً والتي نتج عنها أخيراً نشوء الدول القومية، وفق معاهدة وستفاليا لعام 1648.

وبهذا، يمكن القول إن الصراع الحداثي (العلماني) الغربي والأصولي (الثيوقراطي) كان صراعاً طبقياً Class conflict، فالحداثة أنهت الهوة بين الأرستقراطيين والعامة، بعدما نشأت طبقة ثالثة هي البرجوازية، وبعدما توسعت فرص مشاركة الشعوب الغربية في السياسة وانهيار سلطة الاستبداد.

سوريا كانت من أولى الدول العربية التي سارت نحو النهج الديمقراطي وسنّت دستوراً عصرياً في بداية عام 1920، في ما عُرف بدستور المملكة السورية، وكان قريباً من العلمانية ولم يُشِر إلى الدين سوى في ما يخص دين الملك، وربما لو كانت سوريا آنذاك جمهورية لما تطرق دستور 1920 إلى الدين على الإطلاق.

تأثرت سوريا بشكل كبير بالأفكار الحداثية الغربية. كانت العلمانية الغربية دخيلة ولكن ليست جراء الاستعمار المباشر كما يدّعي البعض، بل على العكس، كانت بسبب تأثر الشباب إبان عصور النهضة بالفكر الغربي.

بعدما أرسل الكثير من السلاطين العثمانيين بعثات طلابية إلى أوروبا أثناء عصر النهضة، تأثر هؤلاء بشكل كبير بالحداثة الغربية، وعندما عادوا، انتشرت الأفكار الغربية بشكل ملحوظ في كنف الدولة العثمانية.

بالتالي، لم تكن العلمانية السورية نتاج السياق المحلي بشكل رئيسي، أي لم تكن رداً على سطلة دينية مطلقة أصولية كمحرك، وإنما ظهرت جراء تحالفات الطبقة المتأثرة بالحداثة مع الغرب وما تبع ذلك من صراع طائفي ومن ثم قومي، أي أنها علمانية متعددة الأسباب والدوافع.

لذلك، فشلت سوريا في ما بعد في هضم النموذج العلماني لأنه ليس نتيجة حداثة خاصة، وإنما كان نموذجاً طارئاً فرضته التغيرات الدولية على الصعيد الاجتماعي وتهاوي السلطات الدينية والإمبراطوريات الثيوقراطية، كذلك كانت جراء تحالف شخصيات سورية وطنية محسوبة على الأرستقراطيين الحداثييين وليس التقليديين مع الغرب سعياً للاستقلال. وعندما نالت سوريا استقلالها، انتهجت مساراً مغايراً، ديمقراطياً ولكنه ليس علمانياً.

حداثة سوريا الخاصة

تأثرت المنطقة العربية برمتها بالمسار الذي انتهجته تركيا بعد انهيار الدولة العثمانية ووصول الحداثيين الأتراك إلى السلطة. سنّت تركيا لأول مرة في تاريخها دستوراً لادينياً علمانياً قام بتحييد الدين بشكل شبه كلي.

"سوريا نشأت علمانية، إلى حد ما، وتحوّلت تدريجياً إلى المدنية قبل أن تتحول في أيام البعث إلى دولة علمانية في السلطة ومدنية في المجتمع، في نموذج فريد نوعاً ما، ويخدم البراغماتية الأوتوقراطية"

العلمانية التركية كانت نموذجاً قسرياً مختلطاً: علمانية في ممارسة الحكم وشبه دينية مجتمعياً. سنحت الفرصة للأتراك، وبتوافق دولي، ببناء الجمهورية التركية على عكس سوريا التي مُنعت من إنضاج تجربتها الخاصة المُرضية للغرب عندما سقطت تجربة الدولة السورية الحداثية في معركة ميسلون، ومرة أخرى عندما عطّل الانتداب تجربة الجمهورية عام 1930.

وبعدما نالت سوريا استقلالها، وبالتحديد بعد انقلاب أديب الشيشكلي، سنّ دستور جديد سُمّي بـ"دستور الاستقلال"، نصّ على أن "الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع"، وأفسح المجال أمام التيارات الدينية المحافظة كالإخوان المسلمين للمشاركة في السلطة والتأثير في شكل الدولة، فاستطاع الإخوان إيصال أربعة نواب إلى البرلمان في انتخابات عام 1949 وعام 1954، وعشرة في انتخابات 1961 وهي النسبة الأعلى للحركة في تاريخ سوريا إبان الحقبة الديمقراطية قبل أن تدخل لاحقاً في صراع عسكري مع حافظ الأسد.

"دستور الاستقلال السوري" لم يكن علمانياً وفي ذات الوقت ليس إسلامياً. دستورا 1920 و1930 لم ينص أي منهما على أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع. صحيح أن أول دستورين لسوريا لم يكونا علمانيين ولكنهما في المقارنة مع دستور 1950 يمكن القول إن مؤشرهما أقرب إلى العلمانية.

انتهجت سوريا مسارها الخاص عندما نالت استقلالها وأصبح الدين جزءاً من الممارسة السياسية، ولكن مع الحفاظ على حياد الدولة في الحد الأدنى. لم تمنع الدولة المدنية السورية الأحزاب الليبرالية من الوصول إلى السلطة، فقد استطاع حزب الشعب الليبرالي تخطي منافسيه المحافظين والسيطرة على البرلمان السوري خلال الحقبة الديمقراطية، بالتالي لم ترتبط الليبرالية بالعلمانية في سوريا بل ارتبطت بالممارسة الديمقراطية.

ما يجعل شكل الدولة في سوريا مدنياً وليس علمانياً مصادر التشريع الدينية وقانون الأحوال الشخصية المستوحى من قوانين الدولة العثمانية. ما زالت المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية تمنع زواج المسيحي من المسلمة على سبيل المثال، وهذا يتعارض مع المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ولكن ما لا يجعلها دولة دينية هو قوانين أخرى وُضعت على الطراز الغربي كقانون الأحوال المدنية وقانون العقوبات.

"إذا طالت تغييرات جوهرية قانون الأحوال الشخصية السورية، ستمضي سوريا قدماً باتجاه دولة أكثر مدنية، وستصبح مادة ‘الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع’ مجردة"

كل هذه المعطيات تُشير إلى أن سوريا لم تكن دولة علمانية، أي أنها لم تكن حيادية بشكل كامل تجاه الدين وفي ذات التوقيت لم تكن دينية بالمعنى الصرف. كانت نموذجاً خاصاً ديمقراطياً وطنياً. لم يكن الدين أساس ومعيار المشاركة السياسية بل الانتماء والوطنية ويبدو أن فارس الخوري أول رئيس مسيحي بروتستانتي يدل على ذلك.

جيل الألفية... مدنية أكثر حداثة

ارتفعت الأصوات المطالبة بإعادة النظر في شكل الدولة السورية مع انطلاق الاحتجاجات المطالبة بالتغيير السياسي، بما في ذلك علاقة الدين بالدولة ودور المرأة.

تنظمت هذه المطالب ولا سيما المتعلقة بالمرأة في أجسام تنظيمية سياسية حقوقية، طالبت بدور أكبر للمرأة وإعادة النظر في قوانين الأحوال الشخصية ولا سيما حول قضايا أساسية متعلقة بحقها في منح الجنسية لأولادها، والزواج، وكذلك بتوسيع مشاركتها السياسية وغيره.

تحقيق هذه المطالب يتطلب تغييراً جوهرياً في شكل الدولة السورية على صعيد الدستور والقانون. ومن الواضح أن هناك شريحة جيدة باتت ترفض الشكل الحالي لدستور سوريا، ولا سيما المواد التي تتضمّن إشارات دينية. ولكن في المقابل، ما زال هناك تمسك من شرائح أخرى بشكل الدولة ولا سيما المواد الأساسية المتعلقة بدين رئيس الدولة وشكل الدولة.

في منتصف آذار/ مارس 2021، أجرى النظام السوري بعض التعديلات على قانون الأحوال الشخصية، فغيّر بعض المسميات الدينية وحوّلها إلى مدنية كتغيير مسمّى عقد النكاح إلى عقد الزواج، وغيّر قواعد لها علاقة بالحضانة وحدد سن الزواج القانوني بـ18 عاماً، ما يمنع تزويج القاصرات المنتشر بكثافة في المجتمع السوري، وبدّل مركزية العصمة من الرجل إلى المرأة والرجل معاً، ما أضفى طابعاً أكثر مدنية على قانون الأحوال الشخصية السوري.

كذلك أخذت مؤسسات المعارضة السورية بعين الاعتبار مشاركة النساء في محاولة لتقديم نفسها على أنها أكثر مدنية من النظام السوري، إذ إن مشاركة المرأة السياسية في سوريا كانت محدودة للغاية.

إذا نظرنا إلى هذه التحوّلات، يمكننا القول إن سوريا لن تصبح علمانية ولكن على أقل تقدير ستكون أكثر مدنية من نموذجها الماضي، وهذا بكل تأكيد في حال تطبيق مخرجات القرار الأممي 2254 وإنجاز حل سياسي شامل.

أما في حال بقاء سوريا مقسّمة بين قوى استبدادية وأخرى راديكالية دينية أو قومية (سلطات أمر واقع)، فمن الصعب جداً تخيّل شكل الدولة السورية القادمة.

في العموم، سيبقى صراع دين رئيس الدولة هو الأبرز كون كل دساتير سوريا نصت عليه، بينما قد يتم البحث عن مخرج مُرضٍ لقضية أن الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع من حيث الصياغة، لتكون أكثر ملاءَمة لكافة التوجهات الفكرية.

على كل حال، إذا طالت تغييرات جوهرية قانون الأحوال الشخصية السورية، ستمضي سوريا قدماً باتجاه دولة أكثر مدنية، وستصبح مادة "الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع" مجردة.

في المحصلة، يمكن توقّع أن عودة سوريا إلى الشكل الذي كانت عليه صعب للغاية، هذا إنْ لم يكن مستحيلاً. ومن الوارد أن يكون النموذج السوري فريداً من نوعه وأن يعبّر عن حالة وسياق خاصيْن، وهذا بالفعل ما يتحتم أن يؤخذ بعين الاعتبار، فعلم السياسة "علم سلطة" يفرض فهم السياق المحلي من حيث التركيبة الاجتماعية قومياً ودينياً وفكرياً وتطوير نماذج ملائمة لقيادة الحكم بطريقة رشيدة، وليس استنساخ نماذج من دول أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard