العلمانية في مختبرات الواقع السوداني

الأربعاء 7 أبريل 202103:29 م

تلقى التيار العلماني في السودان، دفعةً ربما هي الأقوى في تاريخه، بإقرار فصل الدين عن السياسة، في إعلان المبادئ الموقع بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الجنرال عبد الفتاح البرهان، وقائد الحركة الشعبية المتمردة، عبد العزيز الحلو.

ومن الوارد في الإعلان الخارج من عاصمة دولة جنوب السودان، جوبا: (لا تفرض الدولة ديناً على أي شخص ولا تتبنى ديناً رسمياً).
وأن تكون: (الدولة غير منحازة فيما يخص الشؤون الدينية وشؤون المعتقد والضمير، كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، على أن تضمن هذه المبادي في الدستور).
وبمجرد ذيوع خبر الإعلان، مارس السودانيون عاداتهم في إعطاء مختلف القراءات، بعضها ينهض على أرضيات صلبة، وآخر محض تمنيات وأهواء.

بين التدين والعلمانية

عقب استقلال السودان في العام 1956 احتكمت البلاد إلى دساتير مدنية، وأخرى عسكرية، وظهرت أنظمة دينية ثيوقراطية خلال حقبتين زمنيتين.
أول ظهور حقيقي للدولة الدينية في السودان الحديث كان في العام 1983 حين أعلن الجنرال جعفر النميري تطبيق الشريعة الإسلامية، وبدأ في تطبيق الحدود وإلغاء الأحكام العرفية.
كانت تلك الحقبة سوداوية في تاريخ البلاد، إذ تنامت ظواهر قطع الأيادي، والجلد العلني، وعاد التمرد في جنوب السودان (المسيحي)، إلى أن وصلنا ذروة المأساة بإعدام زعيم الحزب الجمهوري، وأحد التجديديين في العصر الحديث، محمود محمد طه في العام 1984 بتهمة الردة عن الدين الإسلامي.
أدت محاولات أسلمة المجتمع، بصورة جبرية، وإعطاء مسوغات لقمع المعارضين بدعوى خروجهم على الدين والحاكم، إلى تنامي كره الأخوان المسلمين، لا سيما أن ذلك تزامن مع فساد مالي كبير، وتحول رجالاته إلى أصحاب ثروات ضخمة في بلد يرزح 80% من سكانه تحت خط الفقر
وأطلت الدولة الدينية –ثانيةً- بعد انقلاب الجنرال عمر البشير، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية (الأخوان المسلمون) في العام 1989.
ورفع البشير شعارات دينية لتبرير حروبه في جنوب السودان الذي انفصل لاحقاً إزاء هذه المعاملة التمييزية، عقب استفتاء شعبي، صوّت فيه 99% لصالح الانفصال في 2011.
وأدت نزعات البشير الدينية إلى تحول السودان قبلةً لعدد كبير من الشخصيات والتنظيمات الإرهابية، يأتي على رأس ذلك استضافة زعيم القاعدة أسامة بن لادن.
ومن ثم تحول البشير إلى دعم عدد من الأنظمة ذات التوجهات الإسلامية في المنطقة والإقليم (الحركات الجهادية، حماس، التنظيم الدولي للأخوان المسلمين)، والدخول في أحلاف مع دول معادية للغرب (إيران وتركيا).
ومع رفع شعارات معادية للغرب (أمريكا روسيا) جرى تصنيف الخرطوم عاصمة راعية للإرهاب منذ العام 1993 ولم تبارح هذا التصنيف إِلَّا في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وبعد قرابة عام ونصف من رحيل نظام البشير.
داخلياً، أدت محاولات أسلمة المجتمع، بصورة جبرية، وإعطاء مسوغات لقمع المعارضين بدعوى خروجهم على الدين والحاكم، إلى تنامي كره الأخوان المسلمين، لا سيما أن ذلك تزامن مع فساد مالي كبير، وتحول رجالاته إلى أصحاب ثروات ضخمة في بلد يرزح 80% من سكانه تحت خط الفقر، بجانب انحرافات كان يطل بعض منها في تقارير المراجع العام.

بمَ يحكم السودان الآن؟

يحتكم السودان حالياً إلى وثيقة دستورية (آب/أغسطس 2019) لفترة انتقالية، تستمر أربع سنوات.
تقول الوثيقة في ديباجتها: "إيماناً بمبادئ ديسمبر 2018 المجيدة، ووفاء لأرواح الشهداء، وإقراراً بحقوق كافة المتضررين من سياسات النظام السابق، وإقراراً بدور المرأة ومشاركتها الفاعلة في إنجاز الثورة، واعترافاً بقيادة الشباب للحراك الثوري، واستجابة لتطلعات الشعب السوداني، لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة، وفقاً لمشروع نهضوي متكامل، وإرساء لمبدأ التعددية السياسية، وتأسيس دولة القانون التي تعترف بالتنوع، وترتكز على المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، وتعلي قيم العدالة وحقوق الإنسان".

فروق
نجد أن إعلان المبادئ صكَّ عبارة فصل الدين عن السياسة، ولم يقل فصل الدين عن الدولة أو العلمانية مجردة، فهل من فروق بين هذه المصطلحات؟
سؤال وجهناه في رصيف22 للمتخصص في شؤون الجماعات الدينية، ناصف حسن جابر، فرد قائلاً إن فصل الدين عن الدولة هو أمر متطرف يعني تجريم كل مظاهر التدين، بداية من إقامة الأحزاب والجماعات الدينية، والحجاب الذي ترتديه النساء، وصولاً إلى مظاهر عادية كحمل المسابح للمسلمين وارتداء الصلبان للمسيحيين.
بينما يعني فصل الدين عن السياسة جعل جميع طوائف المجتمع على قدم المساواة.
"إقرار فصل الدين عن السياسة هو نتيجة طبيعية لعقود مارس فيها نظام المخلوع البشير سياسات أسلمة الدولة وتعريب المجتمع، ولأجل ذلك مارس أسوا صنوف الإرهاب والتنكيل"
وفسر ذلك بالقول: إن قامت التشريعات على المستوى الرأسي لرفض التمييز، فإنها تحفظ في المقابل لكل الطوائف خصائصها الشعائرية والثقافية، بما في ذلك المعاملات من شاكلة الطلاق والزواج...
بيد أن عبد المولى يوسف، الشيخ الأزهري، المنتمي للطريقة الختمية (متصوفة)، فلا يرى فروقاً في العلمانية والدولة المدنية، ويراها جميعها مسالك لفرض نموذج غربي مدني، يريد دعاته إقصاء الدين عن المشهد العام، وجعله خصيصة في النفوس فقط لا غير.  
ويحذر عبد المولى من أن المناداة بفصل الدين عن السياسة، إنما هي مدخل لتحييد الدين عن الحياة، ووضع فروق بينه والدنيا.
ومن ثم تساءل: متى كان الدين الإسلامي بعيداً عن الشأن السياسي؟ ويجيب لم يحدث ذلك منذ عهد النبي محمد صلِّ الله عليه وسلم، وعندنا في السودان شاركت الحركات الصوفية بقوة في طرد الاستعمار، ومنها نهض أكبر حزبين بالبلاد (الحزب الاتحادي الديمقراطي المسنود بالطائفة الختمية، حزب الأمة المستند على طائفة الأنصار).

تأييد ورفض

أعلنت القوى المدنية الليبرالية في السودان، ومنظمات المجتمع المدني، ترحيبها باتفاق إعلان المبادئ من دون تحفظ.
غالبية القوى المنتمية لتحالف قوى الحرية والتغيير-صاحب الأغلبية في السلطة- والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا أيدت الاتفاق من دون تحفظات.
وبادر التجمع الاتحادي، وحزب المؤتمر السوداني، وأحزاب البعث، والجمهوريون، والحركة الشعبية شمال بزعامة مالك عقار ... الخ بإصدار بيانات مؤيدة للاتفاق من دون تحفظات.
ولقي الإعلان قبولاً في أوساط المجتمع المدني، وتأييداً من تجمع المهنيين السودانيين، ومبادرة لا لقهر النساء.
في المقابل، اصطف الإسلاميون، ومناصرو النظام المعزول، وكيانات سلفية وأخرى صوفية، ضد الاتفاق.
وكان لافتاً موقف هيئة شؤون الأنصار (الذراع الديني لحزب الأمة القومي المشارك بالحكم) الرافض لجزئية فصل الدين عن السياسة في اتفاق إعلان المبادئ مع تأمينه على بقية نصوص الاتفاق.

العلمانية بين الرفض والقبول

تراوح درجات الرفض والقبول للاتفاق بين حدود فرض العلمانية وتكفير دعاتها وما يعنيه ذلك من تبعات تصل إلى إهدار الدم.
يقول الباحث السياسي، عثمان الطاهر، لرصيف22 إن أهم ما في الاتفاق، هو النص على تطويره إلى دستور دائم للبلاد بنهاية الفترة الانتقالية (39 شهراً بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2020).
وعلى طريقة معرفة الأشياء بأضدادها، يضيف الطاهر أن إقرار فصل الدين عن السياسة هو نتيجة طبيعية لعقود مارس فيها نظام المخلوع البشير سياسات أسلمة الدولة وتعريب المجتمع، ولأجل ذلك مارس أسوا صنوف الإرهاب والتنكيل، فشن حرباً مقدسة أدت لانفصال جنوب السودان، وشن حرباً عنصرية بإبادة العناصر غير العربية في دارفور، وقتل المعارضين بأسوا الأساليب، بما في ذلك استخدام (الخازوق) كما في قضية مقتل المعلم أحمد الخير إبان الثورة التي أطاحته.
ومن ثم ينفذ الطاهر إلى أن العلمانية نظام لخدمة التعدد الإثني والديني، وضامن لوحدة الأقاليم التي ترى في تطبيق الشريعة الإسلامية سبباً في مناداتها بحق تقرير المصير (شعوب جبال النوبة قبيل اتفاق البرهان والحلو، وشعوب جنوب السودان "دولة جنوب السودان الحالية").
ويدين غالبية السودانيين بالدين الإسلامي، ولكنهم ينقسمون في ذلك إلى أحزابٍ تياراتٍ وجماعاتٍ دينيةٍ لا تتورع عن تكفير بعضها بعضاً، فيما يحل الدين المسيحي (كاثوليك، أرثوذكس، بروتستانت) في المرتبة الثانية، ثم تأتي المعتقدات الشعبية (الكجور) في ظل وجود بسيط للجماعات غير الدينية والملاحدة.

استبعاد المسيحيين

لا يخفي عضو الحركة الشعبية شمال، أتيم جلواك، سعادته بإقرار نموذج علماني بالبلاد، ويقول لرصيف22 إنه كثيراً ما جرى إبعاده –شخصياً- في حقبة البشير من المنافسة في الوظائف العامة بسبب ديانته (المسيحية)، وكذلك قوبلت نشاطاته التبشيرية والكنسية بالملاحقات الأمنية وصنوف العذاب.
ولفت إلى أن إقرار الشريعة الإسلامية عاقب كثيراً من مواطني جبال النوبة، بحد السُكر، وحرمهم من بيع وتعاطي الخمور، بحسبان ذلك أمراً معادياً للدين، مع أن هذا السلوك هو معطى ثقافي في تلك المناطق، حيث تعد الخمور البلدية (علاجاً، ومباهاة اجتماعية، ومصدراً للرزق).
"القانون المدني سينهي ظاهرة إرغام النساء على الزواج بأمر وليهن، وسيقضي على ظاهرة تزويج الصغيرات باشتراطه وصول سن الفتاة لـ 18 عاماً بدلاً من القول بوصولها سن البلوغ والتي تصلها بعض الفتيات في عمر 10 سنوات"
يقول الخبير القانوني، ناصر الفاضل، لرصيف22 بعدم وجود فروق كبيرة بين الدولة المدنية والعلمانية في الأجندات القانونية، وقد تظهر الفروق في التنظيم (شروط إنشاء الكيانات، وفي قانون الأحوال الشخصية).
ويشير إلى أن شروع السودان في التوقيع على المواثيق الدولية، واقترابه من توقيع اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إنما هو منحى مدني حداثوي، حيث لا توجد فروق بين القوانين الدولية والمحلية، وتنصب كل الجهود في إحقاق العدالة، ووقف جميع الانتهاكات، ومراعاة صحيفة حقوق الإنسان والأقليات.

الرابح الأكبر
اختصر اتفاق إعلان المبادئ نضالات طويلة للنسوة السودانيات، لتعديل قانون الأحوال الشخصية المقر في العام 1991.
وفي جزئية مهمة بإلإعلان، نجده نص على (تستند قوانين الأحوال الشخصية على الدين والعرف والمعتقدات).
تقول الناشطة النسوية، سلافة خليفة، لرصيف22 إن اتفاق إعلان المبادئ اختصر كثيراً من نضالاتهن في فرض المساواة في مجتمع محافظ وكثيراً ما يستخدم الدين لفرض نموذج ذكوري.
 وتضيف أن من شأن فرض قانون مدني بديلاً لقانون الأحوال الشخصية الحالي، إزالة الكثير من النصوص التمييزية التي تحرم المرأة حق تزويج نفسها، وتحول دون حصولها على الطلاق في المحاكم.
ولفتت إلى أن القانون المدني سينهي ظاهرة إرغام النساء على الزواج بأمر وليهن، وسيقضي على ظاهرة تزويج الصغيرات باشتراطه وصول سن الفتاة لـ 18 عاماً بدلاً من القول بوصولها سن البلوغ والتي تصلها بعض الفتيات في عمر 10 سنوات.
ودفعت النسوة ثمن سن البشير قوانين (النظام العام) السيئة الصيت، والموجهة إلى النساء على نحوٍ خاص، بل محاكمة سلوكهن وأفعالهن وحتى أزيائهن، ومعاقبتهن وجلدهن علانية، علاوة على وضع نصوص تمييزية تحط من شأنهن في ثنايا قانون الأحوال الشخصية.
وكانت هيئة شؤون الأنصار أبدت اعتراضات على فرض قانون مدني محل قانون الأحوال الشخصية.
وقالت في بيان: الدين الإسلامي لا يقر الإكراه ولا يفرض شعائره وأحكامه على غير المؤمنين به، وبنفس القدر لا يقبل أن تُفْرَضَ على المؤمنين به مفاهيم وأحكاماً تتصادم مع عقيدتهم وقيمهم وتسلبهم حقهم الديني والثقافي والتشريعي).

قائمة الرافضين
يمتلك رافض الإعلان أسبابا،ً كثيراً ما صدح بها الشيوخ والعلماء في الأقنية الدينية، والخطب المسجلة.
يقول الكاتب ذو التوجهات السلفية، محمد بشير، لرصيف22 إن العلمانية معاداة لله والرسول، إذ لا يوجد فصل بين الدين والسياسة في الإسلام أسوة بما جرى في أوروبا المسيحية التي ترى أن ما لله لله، وما لقيصر لقيصر.
ويردف: إن الحاكم في بلاد السودان ذات الغالبية المسلمة بنسبة تفوق 90% (وفق تعبيره) ينبغي أن يلتزم أسس الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية.
ويحذر من مغبة الحكم بغير ما أنزل الله، كونه كفراً وفسوقاً وظلماً بنص آيات القرآن الكريم.
في المقابل، صكت هيئة شؤون الأنصار تبريراً جديداً لرفض فصل الدين على السياسة، الوارد في الإعلان ضمن عدة تبريرات سقنا بعضها آنفاً. وقالت الهيئة في نفس بيانها: إن علاقة الدين بالدولة أمر يهم كل السودانيين ولا يقرر فيها فصيل واحد دون الآخرين ومحله المؤتمر الدستوري.
تغيرات كثيرة تحدث ومياه شتى تجري في النهر، تشير كلها الى أن فرصة حقيقية للتيار العلماني تلوح في الأفق لتسلم الريادة بالسودان، في ظل الاتجاه لإقرار دستور علماني، محميّ بالقوة العسكرية وبالسلطة المدنية، وبكثير من فئات المجتمع التي ذاقت الويلات في حقبة الحاكم بأمر الله عمر البشير.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard