"لا تجعلونا نختار"… حزام الصين يضيق على رقبة أمريكا في دول الخليج

الأربعاء 22 سبتمبر 202103:48 م

تكافح دول الشرق الأوسط لتحقيق التوازن في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين والاستفادة من كلا البلدين، لكن يبدو أن واشنطن ستضغط على حلفائها الخليجيين للاختيار بينها وبين منافستها الأسيوية.

في تقرير نشرته مجلة فايننشال تايمز البريطانية، كشف مراسلاها في لندن ودبي أن علاقات الإمارات مع الصين سيطرت على المناقشات التي جرت بين مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش ومسؤولين أمريكيين خلال زيارة قرقاش إلى الولايات المتحدة في تموز/ يوليو الماضي، في أول زيارة لمسؤول إماراتي كبير إلى واشنطن بعد تولي الرئيس جو بايدن.

في حين تعتمد الولايات المتحدة على النفوذ العسكري والسياسي الهائل في علاقاتها بدول الشرق الأوسط، تعول الصين بشكل خاص على الاقتصاد في علاقاتها بدول العالم. في هذا الإطار، كانت الإمارات، تليها السعودية، من أقرب شركاء واشنطن اقتصادياً في الشرق الأوسط، إذ استثمرت الدولتان بكثافة في الأصول الأمريكية، واشترتا أسلحة أمريكية تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، إلى جانب إتاحة أراضيهما وأجوائهما للدعم العسكري الأمريكي، وتقديم الدعم المباشر للولايات المتحدة على مدى جغرافي يمتد من الصومال إلى أفغانستان.

بالتوازي، تحافظ الإمارات على علاقات اقتصادية قوية مع الصين وتنخرط بنشاط في مبادرة الحزام والطريق "طريق الحرير الجديد"، وهي الإستراتيجية الصينية الهادفة إلى التمدد الاقتصادي والعسكري في كل دول العالم تقريباً، حتى أن نطاقها يمتد إلى كندا على الحدود الشمالية للولايات المتحدة.

يذكر أن العلاقات الإماراتية الصينية العميقة تعرض الدولة الخليجية الثرية للضغط الأمريكي، إذ تتخذ واشنطن موقفاً متشدداً تجاه الصين، وتثير مخاوف بشأن الآثار الأمنية المحتملة لشركائها الذين يستخدمون التكنولوجيا الصينية، مثل شبكة اتصالات هواوي للجيل الخامس.

من منظور الخليج ودول شرق أوسطية أخرى، تقدم الصين شيئاً لا تستطيع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى تقديمه: نموذج لدولة مستبدة تحقق تنمية اقتصادية

ظرف زمان


بدأت الصين في توسيع حضورها الاقتصادي والسياسي في جميع أنحاء الشرق الأوسط قبل عقدين من الزمن وأصبحت أكبر مشتر للنفط الخام من منطقة الخليج. 

وفي نفس الوقت، يراقب حكام الخليج تحركات المؤسسة السياسية الأمريكية التي تستهدف فك الارتباط بالمنطقة، وهو ما ظهر خلال انسحاب واشنطن الفوضوي من أفغانستان في آب/أغسطس الماضي.

 يقول الأكاديمي الإماراتي وأستاذ العلاقات السياسية عبد الخالق عبد الله: "هناك نقص في الثقة في أمريكا يتزايد يوماً بعد يوم، على عكس الاتجاه مع الصين. الثقة في الصين تزداد، ليس فقط اقتصادياً ولكن سياسياً وعسكرياً وإستراتيجياً، وسيستمر هذا في السنوات القادمة. ولا يوجد شيء يمكن لأمريكا أن تفعله حيال ذلك".

 على مدى عقود، كان قادة الخليج ينظرون إلى واشنطن على أنها الضامنة لأمنهم، بينما كانت الولايات المتحدة تنظر إليهم على أنهم موردون موثوق بهم للطاقة. لكن واردات النفط الأمريكية من المنطقة تراجعت بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الماضية، نتيجة تحقيقها طفرة في انتاج النفط الصخري في أمريكا الشمالية.

 في المقابل، ارتفع الطلب على النفط في آسيا، ومع تعمق العلاقات الاقتصادية، ازدهرت العلاقة بين الصين والخليج، لتصبح اليوم أكثر بكثير من مجرد استيراد النفط الخام.

 ويتطلع الجيل الجديد من قادة الخليج إلى تحديث دولهم بشكل متزايد من خلال الاستفادة من التكنولوجيا الصينية والذكاء الاصطناعي للمدن الذكية، فضلاً عن الطائرات المسلحة بدون طيار والرعاية الصحية والطاقة المتجددة.

 علاقات مشوشة

يقول دبلوماسي أمريكي مخضرم إن مسألة الصين أصبحت "نقطة خلاف حقيقية" في العلاقات بين واشنطن والإمارات. 

ويضيف الدبلوماسي: "هذه واحدة من القضايا التي تجعل العلاقة الحالية مع أبو ظبي ودول الخليج الأخرى مشوشة، هناك جهد لجعلهم يختارون بطريقة مرضية واشنطن، لكن الإماراتيين حازمون بنفس القدر ويقولون ‘لا تجعلونا نختار‘".

يراقب حكام الخليج تحركات المؤسسة السياسية الأمريكية التي تستهدف فك الارتباط بالمنطقة، وهو ما ظهر خلال انسحاب واشنطن الفوضوي من أفغانستان في آب/أغسطس الماضي

 المال يحكم العلاقات 

يتطلع حكام السعودية والإمارات - أكبر اقتصاديْن في الشرق الأوسط، والشريكين التقليديين للولايات المتحدة - إلى تنويع استثماراتهم وإبراز قوتهم من خلال تحالفات أوسع. 

تؤمن الصين تكنولوجيا أرخص وأكثر توفراً من الخيارات الغربية، كما أن بكين مستعدة لبيع معدات تسليح وتجسس لدول الخليج من دون شروط سياسية.

ويقول المحلل السعودي علي الشهابي: "سنتوسع في الأعمال مع الصين لأسباب واضحة، أولاً وقبل كل شيء، الصينيون على استعداد لنقل التكنولوجيا وليس لديهم كونغرس لمضايقتك. ثانياً، الصين هي أكبر سوق لنا. وثالثاً، للصين نفوذ مع إيران خصم السعودية. إنها فعلياً الحليف الوحيد القيِّم لإيران، وهي مهمة جداً للمملكة".

من مخطط إنشاء مشروع نيوم - منشورة تحت رخصة المشاع الإبداعي

وكمثال على العلاقة المزدهرة، يستشهد الشهابي بقرار الرياض باستخدام شبكة هواوي للجيل الخامس في نيوم، وهو مشروع المدينة المستقبلية الذي يعول عليه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وينتظر أن تبلغ قيمة الاستثمارات التأسيسية فيه 500 مليار دولار أمريكي.

 التنمية بالاستبداد

تأخرت المملكة العربية السعودية عن باقي دول العالم العربي في إقامة علاقات رسمية مع الصين، وقضت عقوداً في محاربة الشيوعية بالمال والأفراد، ودعمت تايوان التي تصنفها بكين مقاطعة منشقة عنها. إلى أن جاء عام 1990، الذي خطت فيه السعودية نحو تطبيع العلاقات مع الصين رسمياً، وترجع فاينانشيال تايمز هذه الخطوة إلى "الإحباط الذي شعر به الحكام السعوديون من واشنطن".

 في منتصف الثمانينيات، كانت المملكة في حاجة ماسة إلى تأمين صواريخ من الولايات المتحدة كرادع لإيران. وعندما رفضت واشنطن الطلب، اتصل الملك السعودي فهد بن عبد العزيز سراً ببكين ورتب لشراء صواريخ باليستية صينية. يقول المسؤول السعودي: "لقد كانت رسالة من الملك فهد، يمكننا القيام بذلك (الخروج على الالتزام مع واشنطن) ونشتريها".

 في الآونة الأخيرة، كان رفض الولايات المتحدة بيع طائرات بدون طيار مسلحة لدول الخليج هو الذي دفع الرياض وأبو ظبي إلى شراء الأسلحة من الصين. إذ أجرى الملك السعودي سلمان وولي عهده محادثات مع الرئيس شي جين بينغ في بكين عام 2017، انتهت إلى الاتفاق على صفقة لإنشاء مصنع صيني للطائرات بدون طيار - سيكون الأول في الخليج - في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا في المملكة.

 وعندما ضرب فيروس كورونا المستجد المنطقة، لجأت الإمارات إلى الصين حيث جابت العالم بحثاً عن الموارد اللازمة لمعالجة المرض. وسرعان ما أسست شركة "مجموعة 42"، وهي تابعة للدولة يترأسها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي للاتحاد، لتعمل مع شركة BGI الصينية على فتح مختبر في أبو ظبي وإجراء تجارب اللقاح الصيني، بل مولت الإمارات إجراء اختبارات اللقاح في مرحلتيه الثانية والثالثة في دول أخرى منها مصر.

 قال مبارك، الذي يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمبادرة "مبادلة" والممثل الإماراتي الخاص لشؤون العلاقات مع الصين، لصحيفة فاينانشيال تايمز، إن أكثر من 100 مليار دولار من أصل 232 ملياراً من أصول الصندوق الحكومي تم استثمارها في الولايات المتحدة، إلا أن الإمارات تتطلع إلى زيادة استثماراتها في القوة الآسيوية الصاعدة. وتسعى "مبادلة" إلى زيادة استثماراتها في مجالات التكنولوجيا والرعاية الصحية والصناعات التجريبية. وقال مبارك: "القطاعات التي نرغب في التموضع فيها جميعاً لديها مسار نمو كبير في الصين".

 ويقول مسؤول إماراتي كبير آخر إنه على الرغم من أن العلاقة مع الصين قوية، لكن ليست "عظمى"، مضيفاً أنه لا يعتقد أنها ستعرض علاقات أبو ظبي مع الولايات المتحدة للخطر. ويضيف: "نحب في الإمارات القيام بالأشياء بسرعة، وأحياناً تكون البيروقراطيات والشركات الغربية أبطأ في التحرك، وربما لا ترى العلاقة الإستراتيجية بوضوح كما يفعل الصينيون".

وتسعى دول الخليج للاستفادة من مبادرة الحزام والطريق التي أعلنتها بكين، وربط ولي العهد السعودي، الذي يشارك في رئاسة "اللجنة المشتركة الرفيعة المستوى بين الصين والمملكة العربية السعودية"، مبادرة الحزام والطريق برؤيته "2030".

 واتفقت الإمارات والصين على إقامة "شراكة إستراتيجية شاملة" مع التركيز على العلاقات الاقتصادية ونقل التكنولوجيا والاتصالات والطاقة عندما زار الرئيس الصيني أبو ظبي عام 2018. وكانت هناك أيضاً جوانب سياسية وعسكرية للاتفاقيات الصينية مع الدولتين الخليجتين النافذتين، بما في ذلك الرغبة في "تعزيز التعاون العملي بين الجيوش في التسليح والتدريب والمجالات الأخرى".

مسؤول سعودي: "هناك الكثير لنتعلمه من الصين وقدرتها على تطوير الطريقة التي تعمل بها، مع أنها ليست ديمقراطية"

 وأدرج تقرير للبنتاغون عن القوة العسكرية للصين، صدر العام الماضي، الإمارات ضمن الدول التي تعتقد أن بكين "من المحتمل أن تعتبرها" مواقع لـ "منشآت لوجستية عسكرية".

 من منظور الخليج ودول شرق أوسطية أخرى، تقدم الصين شيئاً لا تستطيع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى تقديمه: نموذج لدولة مستبدة تحقق تنمية اقتصادية.

 يقول مسؤول سعودي: "هناك الكثير لنتعلمه من الصين وقدرتها على تطوير الطريقة التي تعمل بها، مع أنها ليست ديمقراطية... لقد أصبحوا يتقدمون بسنوات ضوئية في الكثير من الأشياء. نحن ندرس أيضاً مدنهم الصناعية، ليس فقط الصناعات الكبيرة ولكن الصناعات التحويلية والتكنولوجيا، وننظر في كيفية بنائها بنجاح كبير".

 وتقدر دول الخليج والصين التعهدات بعدم التدخل في الشؤون الداخلية، على عكس  العالم الغربي الذي سعى لمعاقبة بن سلمان في الأشهر التي تلت مقتل الصحافي جمال خاشقجي على يد عملاء سعوديين عام 2018، فيما لقي ولي العهد ترحيباً حاراً في بكين.

يصف جوناثان فولتون، الخبير في العلاقات الصينية والشرق أوسطية بجامعة زايد في أبو ظبي، علاقات القوى الخليجية ببكين بأنها "وسيلة تحوّط جيدة لقادة الخليج". ويضيف: "إنهم ينظرون إلى الصين ويرون قوة صاعدة تخلق الكثير من الفرص ولا تطلب الكثير. بينما تميل الدول الغربية إلى الارتباط بقضايا حقوق الإنسان".

ويقول الشهابي: "أعتقد أن الصين ستتسلل وتتناول المزيد من كعكة أمريكا في المملكة العربية السعودية، لأن الأمريكيين يقدمون المتاعب إلى الأسرة الحاكمة، بينما الصين تشجعهم فقط".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard