العلاج الحقيقي للزهايمر... القضاء على وصمة العار

الثلاثاء 21 سبتمبر 202105:26 م

يحتفل العالم كله يوم 21 سبتمبر/أيلول من كل عام، باليوم العالمي لمرض الزهايمر، فتكثر الأنشطة التي تهدف لزيادة الوعي بالمرض والحدّ من آثاره الاجتماعية والنفسية.

على الرغم من أن الخرف يصيب أكثر من 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ويشكل مرض الزهايمر نحو 60 إلى 70% من تلك الحالات، غير أن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تدور حول هذا المرض الغامض، الذي يخيّم عليه بشكل رئيسي الخوف من المجهول والقلق من التغييرات الجذرية التي قد تصيب المريض/ة وتؤثر على علاقته/ا بمحيطه/ا.

للأسف، من الملاحظ أنه حتى يومنا هذا، لا يزال تشخيص مرض الزهايمر يحمل في طياته وصمة عار، ويمكن أن يكون لهذه الوصمة آثار ضارة ومنهكة لأولئك الذين يتعاملون بالفعل مع تحديات هذا المرض. كيف يمكن مساعدة المرضى ودعمهم من الناحية النفسية والمعنوية في مجتمعات لا تزال تنظر إلى الزهايمر على أنه "تابو" من المحرج التحدث عنه في العلن؟

ليس مجرد فقدان الذاكرة

إن مرض الزهايمر هو اضطراب عصبي تدريجي يتسبب في ضمور الدماغ وموت خلاياه.

تمّ التعرّف على هذا المرض في العام 1906، بعد أن قام الطبيب النفسي الألماني وعالم التشريح العصبي، الدكتور ألويس ألزهايمر، بفحص دماغ مريضة متوفية عانت من فقدان الذاكرة ومشاكل في اللغة، بالإضافة إلى سلوك غير متوقع.

واللافت أن داء الزهايمر لا ينحصر فقط بمسألة فقدان الذاكرة، إنما هو مرض يغيّر الشخصية والتفكير والحياة اليومية بطرق غير متوقعة، أما الأسباب فتبقى في الغالب مجهولة، بحيث لا يمكن التنبؤ بمن سيُصاب بالزهايمر، أو مدى سرعة تقدم المرض، مع العلم بأن هناك دراسة حديثة أجرتها جامعة كيرتن في بنتلي في أستراليا، كشفت أن بروتين الأميلويد الذي يصنعه الكبد بشكل طبيعي، يلعب دوراً مهماً في ظهور مرض الزهايمر وتطوره.

لا يزال تشخيص مرض الزهايمر يحمل في طياته وصمة عار، ويمكن أن يكون لهذه الوصمة آثار ضارة ومنهكة لأولئك الذين يتعاملون بالفعل مع تحديات هذا المرض. كيف يمكن مساعدة المرضى ودعمهم من الناحية النفسية والمعنوية في مجتمعات لا تزال تنظر إلى الزهايمر على أنه "تابو" من المحرج التحدث عنه في العلن؟

يعد الزهايمر السبب الأكثر شيوعاً للخرف، بحيث يمثل 60 إلى 80% من حالات الخرف، وهو مصطلح أوسع للحالات ذات الأعراض المتعلقة بفقدان الذاكرة، مثل النسيان والارتباك، مع العلم بأن الخرف يشمل حالات أكثر تحديداً، مثل مرض الزهايمر ومرض باركنسون وإصابات الدماغ الرضحية وغيرها، والتي يمكن أن تسبب هذه الأعراض.

يتم تشخيص معظم المصابين بمرض الزهايمر بعد سن 65، ومع ذلك، يمكن أن يطال الأشخاص في الأربعينيات أو الخمسينيات من العمر، في سياق ما يُعرف بمرض الزهايمر المبكر، الذي يؤثر على حوالي 5% من جميع الأشخاص المصابين بهذه الحالة.

مراحل تطور المرض

تشمل العلامات المبكرة لمرض الزهايمر نسيان الأحداث أو المحادثات الأخيرة. ومع تقدم المرض، يعاني الشخص المصاب من ضعف شديد في الذاكرة ويفقد القدرة على القيام بالمهام اليومية.

يمكن للأشخاص المصابين بمرض الزهايمر اختبار ما يلي:

-تكرار الأسئلة مراراً وتكراراً.

-نسيان المحادثات أو المواعيد أو الأحداث.

-وضع الأشياء في غير مكانها بشكل روتيني، وغالباً ما يتم وضعها في أماكن غير منطقية.

-نسيان أسماء أفراد الأسرة والأشياء اليومية.

-صعوبة في العثور على الكلمات الصحيحة لتحديد الأشياء أو التعبير عن الأفكار أو المشاركة في المحادثات.

في الواقع، ينقسم مرض الزهايمر إلى سبعة مراحل:

المرحلة الأولى: لا توجد أعراض في هذه المرحلة، ولكن قد يكون هناك تشخيص مبكر يعتمد على تاريخ العائلة.

المرحلة الثانية: تظهر بعض الأعراض المبكرة، مثل النسيان.

المرحلة الثالثة: يظهر تدهور جسدي ونفسي خفيف، مثل انخفاض الذاكرة والتركيز. قد تكون هذه الأعراض ملحوظة فقط من قبل شخص قريب جداً من الشخص المصاب.

المرحلة الرابعة: غالباً ما يتم تشخيص مرض الزهايمر في هذه المرحلة، لكنه لا يزال يعتبر خفيفاً، مع العلم بأنه يصبح من الواضح أن الشخص المعني يعاني من فقدان الذاكرة وعدم القدرة على أداء المهام اليومية.

المرحلة الخامسة: تكون الأعراض متوسطة إلى شديدة وتتطلب مساعدة من قبل المحيطين.

المرحلة السادسة: في هذه المرحلة، قد يحتاج الشخص المصاب بمرض الزهايمر إلى المساعدة في المهام الأساسية، مثل الأكل وارتداء الملابس.

المرحلة السابعة: هي المرحلة الأشد والأخيرة من مرض الزهايمر. قد يكون هناك عجز في القدرة على الكلام والتحكم حتى في تعابير الوجه.

وفي حين أن بعض الأدوية قد تحسّن بشكل مؤقت أو تبطئ تطور الأعراض، كما يمكن أن تساعد البرامج والخدمات المختلفة في دعم الأشخاص المصابين بمرض الزهايمر والقائمين على رعايتهم، إلا أنه لا يوجد لحدّ الآن أي علاج طبي يساعد على الشفاء من مرض الزهايمر.

ومع هذا قد يكون من الممكن منع الإصابة بهذا المرض، حتى بالنسبة للأشخاص الذين لديهم مخاطر وراثية.

فقد أظهرت العديد من الدراسات أن المفتاح لتجنب الزهايمر يكمن في اتباع مجموعة من عادات نمط الحياة الصحية، كالتمارين الرياضية المنتظمة، اعتماد نظام غذائي صحي للدماغ وعدم التدخين، بحيث تبيّن أنه كلما زادت العادات الصحية التي يتبناها المرء، كلما انخفض خطر التدهور المعرفي.

وصمة العار

من المحزن أن نرى شخصاً نحبه يتغيّر ونصبح بالنسبة إليه مجرد وجه غريب لا يتعرف عليه ولا حتى على اسمه.

وبسبب الخوف والعار قد نعمد إلى عدم التحدث عن هذا المرض وتجاهله، وقد يقوم البعض بإخفاء المريض/ة، اعتقاداً بأنه يمكن التعامل مع هذا المرض بهدوء في المنزل.

في هذا الصدد، اعتبرت الدكتورة تيا باول، مؤلفة كتاب Dementia Reimagined أن الزهايمر هو "مرض سيء، لكننا نأتي إليه بعبء تفسيرنا هذا، المتحيّز والقاسي، ما يزيد الأمر سوءاً".

في الحقيقة، يشعر العديد من الأشخاص الذين تم تشخيصهم بالزهايمر أنه يتعيّن عليهم أن يهمسوا بشأن مرضهم، وفي الكثير من الأحيان لا يكون التشخيص معروفاً حتى من قبل أفراد الأسرة، لحين أن يحدث أمر مقلق، كأن يضيع الشخص المعني في الشوارع أو يتعرض لحادث سيارة أو يرتكب خطأ مالياً كبيراً.

من المحزن أن نرى شخصاً نحبه يتغيّر ونصبح بالنسبة إليه مجرد وجه غريب لا يتعرف عليه ولا حتى على اسمه

في هذا الصدد، وجدت دراسة حديثة أن واحداً من كل أربعة أشخاص يخفي تشخيص مرض الزهايمر عن الآخرين، وذلك بسبب الصور النمطية والأفكار السلبية التي تحيط بالمرض.

يرتبط الزهايمر بكلمات قاسية تنطوي على تجريح معنوي ونفسي كبير، مثل اتهام الشخص المعني بـ"الجنون" و"الشيخوخة". نتيجة لذلك، يتم ربط الذل والضيق والعار عند التفكير في شعور الشخص المصاب بالمرض، هذا ويشعر الكثير من المرضى، في المراحل الأولى، بالذنب، كما لو أنهم أصبحوا عبئاً على أحبائهم.

في هذا الصدد، تظهر الأبحاث أن الشعور بالعار، الذي يُعرّف بأنه علامة على الخزي والإذلال، يزيد من مشاعر العزلة الاجتماعية والاكتئاب لدى المصابين بالزهايمر.

وعليه، من بين الأساليب التي قد تساعد في تقليل وصمة العار هي بناء مجتمعات أكثر ترحيباً وقبولاً للأشخاص المصابين بالزهايمر، وذلك عن طريق تطوير أنظمة دعم للأشخاص الذين يعانون من فقدان الذاكرة، الاعتراف بهم والاحتفاء بمساهماتهم وتمكينهم من العيش مع المقرّبين منهم داخل مجتمعات مرحبة، بالإضافة إلى أهمية التخلص من الكلمات المرعبة التي تحيط بالمرض، كوصفه بأنه "هاوية" أو "وحش يسرق العقول".

في حديثها مع رصيف22، كشفت الأخصائية في علم النفس وردة بو ضاهر، أن وصمة العار هي من بين المشاكل الأكثر شيوعاً التي يعاني منها مرضى الزهايمر، بخاصة في المجتمعات التي تفتقر إلى الوعي: "يُنظر إلى هؤلاء الأفراد على أنهم أقل شأناً من الآخرين، وكأنهم باتوا يشكلون عبئاً على المحيطين بهم".

وأوضحت بو ضاهر أنه بسبب وصمة العار تتفاقم الأمور تعقيداً وتصبح أكثر سوءاً بالنسبة للمريض/ة: "يعاني المرضى من تدهور في حالتهم النفسية، بسبب سوء المعاملة، ما يؤثر سلباً على جودة حياتهم"، منوهة بأن الشخص المعني، في المراحل الأولى من المرض، قد يعمد إلى عزل نفسه عن الآخرين حين يلاحظ أن قدراته الذهنية باتت تتدهور.

طرق تقديم الدعم

قد يكون الأمر محبطاً وحزيناً عندما يتم تشخيص أحد أفراد الأسرة بمرض الزهايمر، فما هي أفضل طريقة لدعمهم، وتعزيز شعورهم بالقوة والاستقلالية قدر الإمكان؟

في الواقع، لا أحد يريد أن يتم إخفاؤه وعزله عن مجتمعه، إنما يريد كل شخص أن يستمر في اتخاذ أكبر عدد ممكن من القرارات المتعلقة بحياته، وذلك يكون عن طريق المواجهة، بحسب ما أكدت وردة بو ضاهر: "من المهم أن يتم التحدث عن الموضوع بشفافية وبصدق، بالإضافة إلى تقديم المعلومات اللازمة حتى يتمكن الشخص المعني من مواجهة نفسه والتحلي بالثقة بالنفس".

من المهم أن نتذكر أنه من خلال تقديم الدعم المناسب، يمكن للأشخاص المصابين بالزهايمر أن يعيشوا بشكل جيّد وأن يستمروا في خلق ذكريات جميلة مع المحيطين بهم.

وفي هذا الصدد، قالت بو ضاهر: "الزهايمر ممكن يطال أي شخص بأي عمر، فمن المهم أنو ما نشوف هالمرض كوحش ونحسس الشخص المصاب إنو خلص خلصت حياتك، بالعكس لازم نحرص إنو نخلي المريض يعيش نوعية حياة جيدة لآخر دقيقة بغض النظر عن المرض الذي يعاني منه".

باختصار، يواجه مرضى الزهايمر تحدياً فريداً كل يوم. يعد مرضهم سبباً رئيسياً للعجز الجسدي والنفسي، لكن للأسف ليس هناك علاج طبي لإبطاء تقدم المرض.

"الزهايمر ممكن يطال أي شخص بأي عمر، فمن المهم أنو ما نشوف هالمرض كوحش ونحسس الشخص المصاب إنو خلص خلصت حياتك، بالعكس لازم نحرص إنو نخلي المريض يعيش نوعية حياة جيدة لآخر دقيقة بغض النظر عن المرض الذي يعاني منه"

وبدلاً من الأدوية، تتحدد نوعية حياتهم إلى حدّ كبير من خلال كيفية تعامل الأشخاص معهم.

إذا استمرينا في التظاهر بأن الزهايمر غير موجود، وإذا بقي الناس في إنكار أن أحبائهم يعانون من أعراض فقدان الذاكرة، فلن يساعد هذا في عملية الشفاء، أما في حال بدأنا في مواجهة الواقع، فإن هذا من شأنه أن يجعل الحياة أفضل بالنسبة لهؤلاء المرضى الذين يتصارعون مع الزهايمر أو مع أي شكل آخر من أشكال الخرف، وستكون تلك المعجزة الطبية الحقيقية بمعزل عمّا إذا كان هناك بصيص أمل في اختراع دواء أم لا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard