عملية الحليب الأبيض"… كيف تدخّل الموساد لحماية أحد جزّاري الأسد؟

الاثنين 20 سبتمبر 202105:55 م

كان في سنوات الخدمة لدى مخابرات الرئيس الأسد، يعذب ويجلد ويقتل، ويغتصب السوريين على "بساط الريح" الخشبي، تحت لافتة كبيرة تحمل شعار حماية الوطن والحفاظ على استقراره من الخونة والعملاء، لكن عندما انهار الوضع في الرِقّة عام 2013، طار إلى أوروبا، ليعيش في حرية تامة، متمتعاً بحماية المخابرات النمساوية، بناء على طلب خاص من الموساد. 

إنه العميد خالد محسن الحلبي، رئيس فرع المخابرات السورية في مدينة الرقة، وهو كان يشرف بنفسه على التعذيب وانتزاع الاعترافات من المعارضين حتى عشية سقوط الرقة في يد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". 

كشف تحقيق نشرته صحيفة دير ستاندرد النمساوية بالتعاون مع دير شبيغل الألمانية، أن الحلبي تمكن من الاختباء وعيش حياة طبيعية في أوروبا، في الوقت الذي كان المدعون العامون في ألمانيا والسويد وفرنسا يعملون بجد لإخضاعه وسواه من مجرمي الحرب السوريين إلى المحاكمة. خاصة أن الحلبي هو أعلى مسؤول سوري من نظام الأسد، مشتبه في ارتكابه وقائع تعذيب بشعة، يختبئ لديهم في أوروبا. 

توضح القصة مدى التناقض بين مصالح مختلف وكالات الاستخبارات والمدعين العامين الجنائيين في أوروبا. كان البعض يريد معلومات، ويعده بالرأفة. وكان آخرون يهتمون أكثر بمحاكمته على جرائمه.

 خلال جلسة الاستماع إلى طلب اللجوء، ادعى قائد فرع المخابرات السورية أنه غادر البلاد لأنه لا يريد الانضمام إلى النظام أو الثوار. وقال: "في كلتا الحالتين، كنت سأضطر للقتل، لم أرغب في تلطخ يدي بالدماء"

"عملية الحليب الأبيض"

 تبين لمحققي الصحيفتين من خلال فحص وثائق وصلت إليهما، أن المكتب الاتحادي النمساوي لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب قام بتهريب الجنرال إلى البلاد قبل ست سنوات، بناءً على طلب من المخابرات الإسرائيلية "الموساد".

 بدأت الفضيحة في أذار/مارس 2015، أي بعد أربع سنوات من بداية الحرب الأهلية السورية، وذلك عندما استقبل الموساد وفد الاستخبارات النمساوي في تل أبيب، وعقدوا اجتماعاً آخر بعد بضعة أسابيع في فيينا. توصل العملاء إلى اتفاق بشأن تعاون سري للغاية بين الوكالتين، حمل اسم "عملية الحليب الأبيض". 

وبحسب الملفات النمساوية، تمكن الإسرائيليون من تجنيد "ضابط المخابرات السوري الرفيع المستوى" الجنرال خالد الحلبي كعميل لصالح الموساد. وقيل إن الجنرال السابق "يمتلك معلومات أساسية عن جهاز المخابرات السورية"، واعتقدوا أنه يمكن أن "يلعب دوراً مهماً في الدولة السورية".

 أردوا جلبه إلى النمسا لأنه كان يستقر في فرنسا، وكان هناك "مشاكل في الاتصال" مع المخابرات الفرنسية، ولهذا السبب أراد الموساد إحضاره إلى بلد "أكثر تعاوناً".

 في خلفية القصة، كان محققو وكالة اللجوء الفرنسية تراودهم الشكوك في أن الحلبي طالب اللجوء ليس ضحية للحرب كسواه من اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى الأراضي الفرنسية، وتكونت لديها شكوك في أنه ربما ينتمي إلى النظام نفسه الذي تسبب في فرار كل هؤلاء السوريين إلى أوروبا، وأنه مسؤول عن "انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في سوريا". وبدا الأمر كما لو أن طلب اللجوء الذي قدمه سيرفض في فرنسا.

بحسب التحقيقات التي يجريها النائب العام (الادعاء العام) في النمسا الآن، فقد حاول الموساد التواصل مع المخابرات الفرنسية لوقف التحقيق والتدخل لمنح حق اللجوء العاجل للحلبي، إلا أن الموساد لم يتلق الاستجابة المطلوبة. وهنا تحول الموساد إلى النمسا. 

لماذا النمسا؟

تقول دير شبيغل: "تشتهر المخابرات النمساوية حالياً بسمعة سيئة في عالم الاستخبارات، ورأت الوكالة أن هناك فرصة للوقوف جنباً إلى جنب مع واحدة من أفضل وكالات الخدمة السرية في الوجود. فإذا طلب شريك قوي مثل الموساد خدمة، فلن يرفضوا".

انتقل الحلبي إلى شقة واسعة في فيينا، يبلغ إيجارها الشهري نحو ألف يورو، كانت تدفع من تحويلات منتظمة تبلغ 5000 يورو شهرياً يدفعها الموساد 

يدان طاهرتان! 

كانت أولوية إسرائيل هي حماية منشق رفيع المستوى عن عدوها اللدود سوريا. وهو "رجل لديه نظرة ثاقبة على جهاز الأمن السوري"، ولديه "أسرار دولة بالغة الحساسية"وفقا للوثائق التي توصل إليها التحقيق الجنائي الجاري الآن في النمسا. 

كان الحلبي طالب فقه وخريج الكلية الحربية، وتولى مسؤولية مكافحة التجسس في دمشق قبل أن يتولى قيادة الفرع 335 في الرقة.

 وفقا للوثائق، يبدو أن عملاء الموساد نقلوا الحلبي سراً من فرنسا في 13 حزيران/يونيو 2015، قبل دخول النمسا عن طريق معبر فالزربيرغ الحدودي الألماني النمساوي السابق، الواقع بالقرب من سالزبورغ.

 وضعه فريق الاستخبارات النمساوية  في فندق  في فيينا ورافقه بعد يومين إلى جلسة الاستماع الخاصة باللجوء. خلال تلك الجلسة ادعى الحلبي أنه غادر سوريا لأنه لا يريد الانضمام إلى النظام أو الثوار. وقال: "في كلتا الحالتين، كنت سأضطر للقتل، لم أرغب في تلطخ يدي بالدماء".

 أقرت السلطات النمساوية للحلبي بحق اللجوء، بموجب رقم التسجيل 151965848. في الوقت الذي كان مئات الآلاف من اللاجئين الشرعيين من سوريا يبحثون عن الحماية في أوروبا، وكان المستشار النمساوي سيباستيان كورتس يطالب بـ "إنهاء سياسات اللجوء".

 عاش الحلبي في شقة مساحتها 32 متراً مربعاً في فيينا، وهي شقة مملوكة لوالد زوجة أحد وكلاء الاستخبارات النمساوية. ثم تمكن من الانتقال إلى شقة واسعة مساحتها 111 متراً مربعاً مكونة من أربع غرف في الحي السادس عشر. وكان بدل الإيجار البالع نحو ألف يورو يدفع  من حساب في بنك "Raiffeisen"، أنشأه وكيل للاستخبارات النمساوية تولى ملف الحلبي، تحت اسم المستعار Alexander L.

 وفقا للتحقيق، فإن الاستخبارات النمساوية تلقت من الموساد دفعات شهرية منتظمة بقيمة خمسة آلاف يورو نقداً، لملء الحساب البنكي.

 اهتم العملاء النمساويون بكل احتياجات حلبي: اشتروا له هاتفاً محمولاً وتلفزيوناً ووصلة إنترنت، كما رتبوا له دورة لتعلّم اللغة الألمانية، وتولوا حتى إصلاح وتركيب مصابيح غرفة المعيشة. وعندما حدث عطل في مطبخه، رتبت الاستخبارات النمساوية عاملاً يأتي لإصلاحه. كما تلقى حلبي أموالاً من منظمة كاريتاس الخيرية الكاثوليكية، باعتباره من "الأجانب المحتاجين للمساعدة والحماية". وبلغ المبلغ ما بين 200 و 320 يورو شهرياً.


الحلبي يتنزه في النمسا - صورة شخصية له حصلت عليها دير شبيغل

كشف القضية

كان من المفترض أن تكون القضية بداية صداقة رائعة بين جواسيس النمسا والموساد. لكن في كانون الثاني/يناير 2016، اتصلت لجنة العدالة والمساءلة الدولية، وهي مبادرة بحثية، بمسؤولين عدليين في فيينا، وقالوا إن لديهم معلومات تفيد بوجود مجرم حرب مشتبه به في النمسا وطلبوا تحديد موعد معهم.

أسس هذه المبادرة الكندي بيل وايلي، المدعي العام السابق لجرائم الحرب في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، الذي جعل مهمته توثيق جرائم الحرب التي تُرتكب في الحرب الأهلية السورية. وتلقت لجنة وايلي تمويلاً من دول مثل ألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة.

تمتلك هذه المبادرة مئات الآلاف من الصفحات، التي تحوي الأدلة التي تدين النظام السوري وداعش. وتوثق تلك الوثائق أدلة على التعذيب المنهجي والإعدامات بالإضافة إلى المجازر واستخدام الأسلحة الكيماوية في هذه الحرب.

في أواخر عام 2015 ، تمكن محققو المبادرة من تحديد موقع حلبي في فيينا عن طريق ملفه الشخصي على Skype. ولكن عندما سافر اثنان من ممثلي المبادرة إلى النمسا في كانون الثاني/يناير 2016، حدث أمر غريب.

رفض الفرنسيون طلب الموساد قبول لجوء الحلبي إلى فرنسا. وكتبوا في تقريرهم: "الحلبي والعسكريون الخاضعون لسيطرته، مسؤولون عن التعذيب بالصدمات الكهربائية وانتهاكات أخرى في الرقة"

خلال اجتماعهم مع اثنين من مندوبي وزارة العدل، كان اثنان من وكلاء الاستخبارات النمساوية حاضرين أيضاً. يبدو أنهما كانا قلقين من أن تعاونهما السري للغاية مع الموساد بخصوص عملية الحليب الأبيض، يمكن أن يتم كشفها.

يقول كريس إنجلز، مدير المبادرة وكان في الاجتماع: "كان الأمر غير عادي، لقد شعرت أنه ليس لديهم اهتمام بالقضية نفسها". وذكر أنه فهم لاحقاً اللعبة القذرة التي تلعبها فيينا. لمدة ثلاث سنوات، ضللت الاستخبارات في النمسا المدعين العامين في بلدهم، وأخفوا عنهم أنهم أحضروا حلبي إلى البلاد وكانوا يقدمون له المساعدة باعتباره لاجئاً.

سلم إنغلز كل ما يعرفه عن الحلبي إلى مسؤولي وزارة العدل في فيينا. ويقول: "في بلدان أخرى ، كانوا سيشعرون بالحماس. لكن المسؤولين النمساويين كانوا متحفظين، وقالوا إن المواد غير كافية للإدانة".


تأشيرة إقامة خالد الحلبي في النمسا- من وثائق القضية 

في أيار/مايو 2016 ، فتح المدعون النمساويون تحقيقاً في قضية الحلبي. لكن ظهرت مشكلة أخرى ذات طبيعة قانونية إذ لا ينص القانون النمساوي إلا على محاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في عام 2015 أو بعد ذلك. لكن الحلبي كان قد غادر سوريا في آذار / مارس 2013. ولا يمكن تطبيق التعديل الجديد المتعلق بالتعذيب، إلا لفترة قصيرة قضاها مع جهاز أمن الدولة ثم تعثرت القضية.

حدث تقدم في القضية في صيف 2018 بفضل الضغط الخارجي. قدمت فرنسا طلباً قضائياً عبر اليوروبول لإجراء تحقيق في مكان وجود حلبي، وهو طلب تم إرساله إلى جميع الدول الأعضاء، بما في ذلك النمسا.

كتب الفرنسيون أن الحلبي والمسؤولين الخاضعين لسيطرته مسؤولون عن التعذيب بالصدمات الكهربائية وانتهاكات أخرى في الرقة. وقد اهتم محققو باريس المتخصصون في جرائم الحرب بقضيته.

على الرغم من التحقيقات الجارية، سُمح للحلبى بالسفر خارج البلاد. 

 فتح مكتب الادعاء العام المتخصص في "جرائم الياقات البيضاء والفساد" تحقيقاً مع العديد من مسؤولي مكتب الاستخبارات النمساوي بتهمة إساءة استخدام السلطة، واتهمهم بتهريب مشتبه فيه بالتعذيب بشكل غير قانوني إلى البلاد، وإبقاء مكانه سراً وإخفائه عن مسؤولي العدالة. 

في تشرين الأول/أكتوبر 2018، أنهت المخابرات النمساوية تعاونها السري مع الإسرائيليين، الذين رفضوا أيضاً التعليق على القضية عند الاتصال بهم. بعد وقت قصير، اختفى الجنرال السوري السابق من دون أن يترك أثراً. وجد المحققون الجنائيون فقط بقايا الطعام المتعفن في شقته.

خالد الحلبي للمحققين: خلال رئاستي للفرع 335، لم أسمح قط بإساءة المعاملة من أي نوع، ولم أكن على علم بأي عنف جنسي أو غير ذلك، يُرتكب ضد السجناء... ضميري طاهر 

ظهور جديد في فيينا

كشف تقرير دير شبيغل ودير ستاندارد أن حلبي لا يزال يعيش في فيينا. وتعاقد مع محام للدفاع عنه. وقبل بضعة أشهر، استدعاه المدعون العامون في فيينا إلى جلسة استماع نفى خلالها جميع الاتهامات.

 قال إنه خلال الفترة التي قضاها كرئيس للفرع 335، لم يسمح قط بإساءة المعاملة من أي نوع، وادعى أنه لم يكن على علم بأي عنف جنسي أو غير ذلك، يُرتكب ضد السجناء، وأكد أن ضميره طاهر.

  وذكر محاميه تيمو جيرسدورفر في بيان "كثير من الاتهامات تستند إلى شهادات شهود مجهولين أو متناقضة للغاية. موكلي لم يرتكب التعذيب ولم يأمر الآخرين بذلك".

 في هذه الأثناء، جمعت منظمات غير حكومية من ألمانيا والنمسا والولايات المتحدة المزيد من أدلة الإدانة، ووجدت شهوداً إضافيين على استعداد للإدلاء بشهاداتهم ضد حلبي في المحكمة.

أحد الناجين هو عبادة الحمادة، طبيب يعيش الآن في ألمانيا. لا يزال يتذكر التعذيب الذي تعرض له في الرقة كما لو كان بالأمس. كان قد شارك في الاحتجاجات، وأرسل سراً فيديو من تلك التظاهرات إلى المراسلين الأجانب.

وقال إن خمسة أو ستة من أتباع النظام اعتقلوه وضربوه بالقبضات وأعقاب البنادق، وفي مبنى أمن الدولة تحت إشراف الحلبي، حاولوا إجباره على الكشف عن أسماء المتظاهرين.

ومع ذلك، لم يوجه المدعون العامون في فيينا اتهامات - بعد أكثر من خمس سنوات من التحقيقات للجنرال. وقال مكتب الادعاء: "بسبب جوانب خارجية وصعوبات الوصول إلى الشهود المعنيين، فإن التحقيق معقد للغاية".

ألغت النمسا وضع الحلبي كلاجئ. لكن محاميه عارض القرار امام المحكمة "استئناف". وحتى اليوم، لا يزال جنرال الأسد رجلاً حراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard