سفر دون استعدادات مسبقة... في شواطئ فايد

الثلاثاء 5 أكتوبر 202105:47 م

يبدو أن شرائح واسعة من المصريين لا تزال تحذو حذو الأجداد الفراعنة، الذين كانوا يتوجّسون من البحر الأحمر في شرق البلاد، ويرون أمواجه ورماله مسرحاً للغموض والأساطير، فالطريق إليه إن لم يكن غرقاً مباشراً، فإنه يحمل في طيّاته خبايا مجهولة، ومغامرات غير آمنة!

وإلى يومنا هذا، لا ينفكّ البسطاء، وأصحاب الدخول المنخفضة، وهم الأكثرية في مصر، يستثقلون فكرة شدّ الرحال إلى السواحل البحرية الشرقية، حيث البحر الأحمر والبحيرات المُرّة وقناة السويس، لقضاء يوم ممتع أو بضعة أيام على ضفاف الشواطئ الدافئة.

وتعود الهواجس المقلقة هذه إلى أمور عدة، بخلاف ذلك الإرث التاريخي بطبيعة الحال، منها اعتقادهم أن مثل هذه السياحة، ولو لساعات قليلة، هي بالغة التكلفة، في ضوء ما يطالعونه من الأسعار الباهظة للإقامة المختصرة في مدن ومقاصد سياحية شرقية فارهة تعج بالوافدين الأجانب والمصريين ميسوري الحال، مثل الجونة والغردقة وشرم الشيخ ودهب وراس محمد وسفاجا والعين السخنة وغيرها.

ومن الأسباب كذلك، ارتباط المصايف الشعبية عادة في مخيلتهم وموروثهم ويومياتهم المعيشية بالبحر المتوسط وشواطئه الحميمة القريبة، وتوفّر بدائل متنوعة تتيح لهم حتى اللحظة الراهنة زيارات هانئة سهلة، بأقلّ القليل من النفقات والتبعات، فلا تزال بلطيم وجمصة ورأس البر والإسكندرية وغيرها من مدن المتوسط تفتح أذرعها لهم بغير تعقيدات، ولا استعدادات مسبقة.

ترتبط المصايف الشعبية عادة في مخيلة المصريين وموروثهم ويومياتهم المعيشية بالبحر المتوسط وشواطئه الحميمة القريبة

وعلى خلاف السائد في أغلبية المدن الساحلية الشرقية في مصر، المنحازة غالباً إلى الأثرياء، فإن مدينة فايد الشاطئية، الواقعة بين السويس والإسماعيلية، والمطلّة على البحيرات المُرّة، تمثّل حالة بالغة الخصوصية، تجعلها أقرب في روحها إلى مصايف البحر الأبيض التي ترحّب بالطبقات المتوسطة و"الغلابة" من فئات المجتمع المصري الكادح. وفي الآن ذاته، فإن السياحة في فايد، من حيث العصرية والأناقة والراحة والنظافة والخدمات، هي في مستوى لائق، بل متفوق، يقرّبها من رفيقاتها، المدن الساحلية الشرقية.

لقد تمكنت فايد من حلّ الكثير من المعادلات الصعبة. فمن حيث القُرب، يمكن القول ببساطة إنها تكاد تأتي بالبحر الغامض، بأريحية، إلى بيت قاصديها! فهي على مسافة حوالي مئة كيلومتر من القاهرة (أقل من ساعة ونصف الساعة بالسيارة)، وهي وثيقة الصلة، عبر الطرق الممهدّة والمواصلات المتنوّعة، بالعاصمة، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومحافظات الدلتا بين فرعي النيل، والمحافظات الشرقية، ما يجعلها الحل المثالي لرحلات اليوم الواحد، التي لا تتطلب مبيتاً، وهي رحلات ملائمة لإيقاعات الحياة الحديثة، المشحونة بالضغوط والانشغالات واللهاث المحموم خلف لقمة العيش.


وبالرغم من هذا القُرب من محافظات مصر الأكثر ازدحاماً، فإن قصر الرحلة لم يُسقط منتجعات فايد وشواطئها في فخ العشوائية وسوء التنظيم، حيث تحافظ المدينة الساحلية على رقيّها السياحي ووجهها الناصع، وذلك من دون التورط في فخ آخر، هو رفع الأسعار بصورة مبالغة فيها، ما مكّنها من الإمساك بالخيوط كلها، في الوقت نفسه.

بل إن الطرق المعبّدة ذاتها، التي تقود إليها، تنتشر عليها بعض الخدمات البسيطة، التي تبرز مدى اهتمام المدينة وأهلها بضيوفهم من المصطافين والمُتَشَتّين على السواء، حيث تُباع مثاًا على جوانب هذه الطرق لوازم البحر من ملابس وأحذية وأغطية للرأس وعوّامات وأدوات مختلفة وألعاب للأطفال، كما ينتشر السماسرة ومكاتب تأجير العقارات من أجل مساعدة الزائرين في تدبير شقة أو شاليه أو فيلا، في حالة الرغبة في المبيت ومواصلة الاستجمام لأكثر من يوم.

تستفيد المدينة من النزعة الفنية المعروفة في محافظتي الإسماعيلية والسويس، فتجتذب شواطئ فايد الفِرقَ الموسيقية والغنائية والمسرحية، التي تقدّم العروض المتنوعة

الطبيعة البكر كذلك، تساند فايد إلى حد كبير، إذ تحبوها المياه النقية، والرمال الذهبية والصفراء الناعمة، والسماء الصافية، والطقس الصّحْو، والمناظر الخلابة، حيث الاتساع الكبير لعرض البحيرات المُرّة، التي تربط طرفي قناة السويس، ومن حولها النخيل وأشجار المانجو والبساتين الخضراء؛ الأمر الذي جعل المنطقة الساحلية قبلة للمراكز والمشروعات السياحية اللافتة التي تضاعفت أعدادها خلال السنوات الأخيرة، إذ تجاوزت عشرين قرية سياحية، وثلاثين شاطئاً عامّاً وخاصّاً، بالإضافة إلى مجموعة من الفنادق والمنتجعات والوحدات المجهزة، التي قد تصل إلى أربع نجوم، ومئات الشاليهات والشقق والفيلات.

ويجد زوّار الشواطئ ضالتهم كذلك في الألعاب المائية المتعددة، التي تلائم الصغار والكبار على السواء، ومنها البدّالات والزوارق والقوارب والموتوسيكلات المائية، وهي متاحة بأسعار مقبولة للغاية، شأنها شأن سائر خدمات المدينة، كالملاعب والملاهي والأسواق والمتاجر ومطاعم المأكولات البحرية وغيرها، التي تأبى التخلّي عن متوسّطي الحال ومحدودي الدخل من عشّاق النسائم والجمال.

كما تستفيد المدينة من النزعة الفنية المعروفة في محافظتي الإسماعيلية والسويس، فتجتذب شواطئ فايد الفرق الموسيقية والغنائية والمسرحية، التي تقدّم العروض المتنوعة، الحافلة بالعزف على الآلات الموسيقية الشعبية الشهيرة في المنطقة، ومنها: السمسمية، والربابة. والسمسمية، هي آلة وترية تشبه القيثارة، تعود إلى قدماء المصريين، وتُصنع محليّاً من خشب الزان والأوتار المعدنية المشدودة على صندوق خشبي. والربابة، هي آلة وترية، تعود إلى العرب والفرس والأتراك، وتُصنع من أدوات بدائية، مثل خشب الأشجار، وجلود الحيوانات.

هذه التركيبة الفريدة التي تتمتع بها شخصية مدينة فايد، مضت بها قدماً إلى الواجهة، لتكون واحدة من أبرز وجهات العائلات المصرية، الباحثة عن الاستجمام والتنزه والتريّض البدني والذهني والروحي، لاسيما في الرحلات القصيرة، خلال العطلات الأسبوعية، والإجازات الرسمية، والمواسم، والأعياد، التي تكثر فيها التخفيضات كحافز إضافي لاجتذاب الضيوف. كما أن سهولة توفير أمكنة مريحة للمبيت بأسعار مناسبة، قد يغري الزوّار بقضاء أكثر من ليلة، حال توفّر الوقت لديهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard