عندما تلبسك أحلام الغير فتتشيطن أحلامك

السبت 25 سبتمبر 202112:06 م

مجاز الحلم، مجاز النائم في هوى المنحدر


بمريلتي البنية وضفيرتي القصيرة، خطوت أولى خطواتي نحو عالم الدراسة، مبتسمة ألوح بذراعي لكل جديد يأتيني، أمسح بابتسامتي أي ضغينة طفولية تتولد بيني وبين زملائي. أحببت المدرسة كثيراً. لم أتحجج يوماً حتى أتهرب منها مثل شقيقاتي، كانت بالنسبة لي الفسحة والمتسع والموطن والأهل.

حبي الطفولي لجدران المدرسة نما. كان يزداد مع كل تصفيق حار أحصل عليه من زملائي، أنظر من شباك الفصل فأحلق في الأفق، أنتظر أن يتجسد حلمي لأحمله بين ذراعي. هذا الحب الطفولي لم يعكره مع الوقت سوى هذا السؤال الذي طرحه على أقاربي: "ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟". وقتها لم أجب، لم يكن لدي جواب، ولم تسمح لي سنواتي السبع أن أحدد، فأجابت بدلاً عني أسرتي(‹دكتورة طبعاً). إجابتهم الجاهزة التصقت بذهني الصغير غير المدرك منذ هذا الحين، وعندما بات يسألني أحد هذا السؤال، كنت أكرر الإجابة دون تفكير.

لم أكن وقتها أفرش أسناني بالشكل المطلوب، ولكني عرفت أني أريد أن أكون طبيبة، أردد الجمل التي يقولها الأطباء وأنا لا أرتدي ملابسي وحدي، تخشى علي والدتي من الذهاب للمدرسة مفردي، ورغم ذلك أمسك القلم لأصنع منه سماعة طبية وأكشف على أصدقائي المرضى الصغار من الجيران وأكتب لهم الدواء.

كانوا يرددون أن الرياضيات هي مادة الذكاء والتفوق، وأن المتفوق في الرياضيات هو شخص لامع بالفطرة وماهر، وأيقنت وقتها أني أفتقر للذكاء... أنا الابنة الغبية التي لا تحب الأرقام وتتوه معها ولا تجد لها حلاً مهما حاولت... مجاز في رصيف22

في سنواتي الدراسية الأولى أحببت كل المواد إلا الرياضيات، كنت أحب اللغات كثيراً، فأتقنت الإنجليزية والعربية، ولكني لم أحب الأرقام. كانت رأسي تدور عندما أنظر إليها، لم أحبها ولم تحبني أيضاً. في المدرسة عرف المدرسون أنني متفوقة في كل المواد عدا الرياضيات، وفي الدرس لم يستطع المدرس أن يساعدني في حل مشكلتي مع الأرقام التي تجعلني أشعر بالقيء طوال الوقت.

شقاء الحلم

بمرور السنوات ازدادت الأرقام تعقيداً وزادت المسائل صعوبة، كانت الأرقام والمسائل ترصّ طويلة بجوار بعضها، ويكون الحل في رقم صغير لا أستطيع أن أصل إليه مهما حاولت، أخبرتهم كثيراً أنني لا أحب الرياضيات ولكن لم ييأس والدي مني، كانوا يرددون أن الرياضيات هي مادة الذكاء والتفوق، وأن المتفوق في الرياضيات هو شخص لامع بالفطرة وماهر، وأيقنت وقتها أني أفتقر للذكاء... أنا الابنة الغبية التي لا تحب الأرقام وتتوه معها ولا تجد لها حلاً مهما حاولت، ويجب أن تتخلى عن حلمها بأن تصبح طبيبة وتبحث عن أي حلم آخر.

ومع تفاقم معضلة الرياضيات لم تتخل أسرتي عن حلمها في أن أصبح طبيبة، والتحقت بالقسم العلمي في الثانوية العامة، وعشت لعامين شقاء الابنة التي تحاول أن تزج بنفسها في عالم ليس لها، دون أن تدري أنه ليس لها. تدفع بكل طاقتها وتحاول أن تقتحم عالم الأرقام لتتفاهم معه دون أن يُسمح لها بالتفاهم، كان يكشر باستمرار عن أنيابه ولم تكن خلايا عقلي تتحمل تكشيرته، فاستسلمت وجاءت الدرجات مخزية لي ولأهلي، عندئذ فقط سألت نفسي: لماذا أريد أن أكون طبيبة؟

وأنا في المرحلة الإعدادية بدأت أنتبه لحبي الشديد للكتابة، فكنت أعشق مادة التعبير. أحب هذه الورقة البيضاء التي تترك لي متسعاً للتعبير عما يجيش في صدري عن أي موضوع، فأكتب دون حاجز وأستفيض/ فينمو خيالي وتفيض موهبتي دون أي حسابات أو أرقام.

الكتب كانت المهدئ الذي يطبطب على قلبي ويبعد عني طعنات الأرقام وزحامها الذي يضج بعقلي، ورغم ذلك لم أنتبه أنني يمكن أن أصبح كاتبة، وأن هذا هو حلمي الدفين الذي يحمله قلبي، كنت مازلت متمسكة بهذه الجملة البريئة التي ظللت أكررها لسنوات حتى التصقت بلساني: "أريد أن أكون طبيبة".

أنا التي قررت الزواج أم أن فقط آمال الغير كانت الدافع الرئيسي لزواجي؟ أنا من أردت أن أكون أماً أم أن إلحاح الغير دفعني لهذه الخطوة؟ أحتار في كل خطوة، وأسأل هل هي خطوتي أم هي خطوات الغير متقمصة بصمات قدمي؟ مجاز في رصيف22

أختي الكبرى كانت أول من انتبه لموهبتي في الكتابة، عرفت قبلي أني لا أصلح لأكون طبيبة حتى لو كنت ماهرة في الرياضيات، كانت تضحك من هذه الجملة وتخبرني أنني أخاف من كل شيء، وأن الدماء يمكن أن تصيبني بالإغماء وأن حلم الطبيبة ليس حلمي، وبعد كلامها بسنوات بدأت أقتنع، وعرفت أنني أريد أن أكتب.

شيطان الشك

درجاتي في الثانوية العامة خذلت أبي وأمي وأنا أيضاً، فكنت أريد أن أحصل على درجات عالية ليس فقط لألتحق بكلية الطب – فكنت قد بدأت أتخلص من هذا الوهم - ولكن حتى لا أكون مجبرة على اختيارات محددة، وكانت الرياضيات سبب نقص درجاتي، ففشلت كل محاولات في عقد صلح مؤقت معها، واستسلمت لعجزي أمامها وصفعتني هي بقوة.

وقتها ألح والدي حتى ألتحق بكلية التربية حتى أكون مدرسة باللغة الإنجليزية وأعمل في المدرسة المجاورة للمنزل ولا أخرج من حضن القرية، ولكنه لم يكن يدرك أن الطفلة كبرت وأن جناحيها تجاوزت أسوار القرية، والتحقت بكلية الآداب قسم الإعلام، وسافرت بعدها إلى القاهرة للعمل.

دخلت من عمل إلى آخر وحققت بعض النجاحات بعد الكثير من الإخفاقات. أردت أن أكتب وأن أعمل بالصحافة وأن أخوض تجربة كتابة السيناريو، وطمحت لأن أستكمل دراستي في عدة مجالات استهوتني، حتى مع الوقت مللت من كثرة تفكيري وتطلعاتي، وسألت نفسي هل يجب أن يكون لي حلم دائماً؟ ألا أستطيع أن أفعل فقط ما أحب دون أن  أضعه في قالب الحلم لأخضعه وقتها لمقاييس النجاح والفشل فأعيش أنا مأساة تتكرر دائما مع كل حلم يتجدد.

ومع ازدياد التطلعات والأحلام يتولد لدي دائماً هذا الشك: هل أنا فعلاً أحقق حلمي الخاص الذي أريده؟ هل أعيش تلك الحياة التي أريدها؟ هل أسعى وأبذل جهداً حقيقياً للوصول لهدفي أنا؟ هل هذه أحلامي أنا؟ تتكاثر هذه الأسئلة بداخلي مع كل مرحلة مع الزواج والإنجاب وحتى التوقف عن العمل لسنوات وغير ذلك أسأل نفسي إن كنت أنا التي تحلم وتفكر وتقرر أم أن هناك شخصاً خفياً يفكر ويقرر ويحلم لي، وأنا فقط أنفذ وأنا معصوبة العينين دون أن أدرك ما يحركني. أنا التي قررت الزواج أم أن فقط آمال الغير كانت الدافع الرئيسي لزواجي؟ أنا من أردت أن أكون أماً أم أن إلحاح الغير دفعني لهذه الخطوة دون أن أكون متأكدة أنني أريد أن أعيشها؟ أحتار وأنا أفكر في كل دقيقة، في كل خطوة، وأسأل هل هي خطوتي أم هي خطوات الغير متقمصة بصمات قدمي؟

هذه المخاوف التي أعيشها هي التي تدفعني أحياناً للتمرد فقط من أجل أن أثبت لنفسي أنني موجودة وأحلم ليـ ولا يوجد شخص خفي يستطيع أن يفرض علي أحلامه وتطلعاته وقراراته دون أن أكون أنا المتحكمة. هذه المخاوف التي صنعتها الأيام وتجعلني دائمة التشكك والتساؤل، هذه المخاوف التي تعكر سعادتي بأي نجاح أحققه وأظل دوماً أتساءل إن كان هذا ما أريده حقاً وإن كان هذا الطريق طريقي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard