عن صراع الإنش والمتر على أرض مصر

الخميس 23 سبتمبر 202105:49 م

سأحكي حكاية لم يروها أحد قبلي، رغم أن أحداثها منشورة ومتاحة للجميع، سأحكي عن خناقة المتر والإنش، أو خناقة الفرنسيين مع الإنجليز إذا شئت، وإن حملت في الحالتين معنى أبعد وأهم، فحكايتي هي في الأساس عن كيف يغفر العلم للخطأ، لكنه في ذات الوقت لا يتسامح أبداً مع الخرافة، مهما كانت الإغراءات.

تبدأ الحكاية يوم شرعت أكاديمية العلوم الفرنسية عام 1790، بتكليف من حكومة الثورة، بوضع نظام موحّد للمقاييس، مستهدفة بذلك قطع كل صلة بالماضي الرجعي، لتستقبل الجمهورية حياة تبدأ بزمن أو توقيت جديد، وتقويم مختلف، وأوزان أمست بالكيلوجرام لا بالرطل كما كانت، وضم المشروع العلمي الضخم التوصل إلى وحدة لقياس المسافة بعيداً عن الوحدات القديمة "الذراع والقدم والياردة".

7 سنوات من أجل قضيب بلاتيني

اختير للمهمة عالم الرياضيات والفلكي الأبرز وقتها جان باتيست ديلامبر ومعه الفلكي بيير ميتشاين، حيث كُلفا بوضع وحدة قياس تعتمد على معرفة المسافة بين القطبين الشمالي والجنوبي، ومن خلال ذلك يمكن حساب وحدة الطول المستهدفة، وتساوي عُشر مليون ربع طول الخط الممتد بين القطبين، وإن رأى علماء الأكاديمية أن قياس المسافة من برشلونة إلى دونكيرك كاف لإجراء حساباتهم، وبينما قاد ديلامبر بعثة انطلقت لقياس الخط الواصل بين دونكيرك وروديز، بجنوب فرنسا، قاد ميتشاين بعثة ثانية من برشلونة إلى روديز.

رفض البريطانيون نظام المقاييس الفرنسي وظلوا على عنادهم حتى بعد اعتماده نظاماً عالمياً في المؤتمر الأول للأوزان بباريس عام 1875، وفي إطار المدافعة عن الإنش في معركته مع المتر، أتى عضو الجمعية الملكية البريطانية تشارلز شميث، بنظرية عجيبة، تفيد أن الإنش قياس إلهي منزل من السماء!

استغرقت الرحلة العلمية 7 سنوات، واجه فيها أفراد البعثتين مصاعب جمة، قطعوا القفار، تسلقوا براكين خامدة، صودرت دفاترهم لأنها كانت شبيهة بكتب السحر والشعوذة، سجنوا بتهمة التآمر مع أعداء الثورة الفرنسية، لكن المغامرة أثمرت في النهاية عن قضيب بلاتيني صنع على حسب وحدة القياس الجديدة، المتر، وفي احتفال ضخم، قبض نابليون بونابرت على العصا ليرفعها عالياً مخاطباً الفرنسيين: "بطولات المعارك تذهب وتجيء أما هذه فستدوم للأبد".

العالم يحتفي بالمتر وبريطانيا تطارده

كان طبيعياً أن يستقبل العالم نظام المقاييس الفرنسي بحفاوة، فهو سهل الفهم وبسيط للغاية، ويعتمد على فكرة "التضاعف العشري"، كل 10 ملي تساوي 1سم، وكل 10 سم تعادل ديسم وكل 10 ديسم توازي متراً، أما إذا رغبت في الحصول على اللتر، فمن خلال مكعب طول ضلعه 10 سنتيمتر، والكيلو جرام مكعب طول ضلعه عُشر المتر.

هذه العلاقة التسلسلية البسيطة لم تعرفها المقاييس القديمة متمثلة في النظام الملكي البريطاني، فالياردة تعادل 3 أقدام، والقدم يساوي 12 إنشاً، والميل يساوي 5280 قدماً، مع هذا، فالبساطة والسلاسة التي اتسمت بها المقاييس الفرنسية وحرمت منها نظيرتها الإنجليزية، كانت غير كافية لإقناع البريطانيين بقيمة المقاييس الجديدة.

إذ لم يدر في خلدهم غير فكرة واحدة، أن الفرنسيين يرغبون في مزاحمة الهيمنة الإنجليزية على الأسواق العالمية، لهذا رفض البريطانيون نظام المقاييس الموحد الجديد وظلوا على عنادهم حتى بعد اعتماده نظاماً عالمياً في المؤتمر الأول للأوزان بباريس عام 1875، وفي إطار المدافعة عن الإنش في معركته مع المتر، أتى عالم الآثار الشهير وعضو الجمعية الملكية البريطانية تشارلز شميث، بنظرية عجيبة، تفيد أن الإنش قياس إلهي منزل من السماء!

الهرم بناه نوح والإنش مقدس

البداية جاءت مع كتاب نشر عام 1859 تحت عنوان "الهرم الأكبر: لماذا تم بناؤه؟ ومن الذي بناه"، لجون تايلور، ادعى من خلاله أن الهرم بُني بإشراف من نبي الله نوح ليكون سجلّ قياس للأرض، حينها تلقف العالم المتدين شميث هذه النظرية وانطلق إلى مصر بغرض اختبار مدى صدقها.

وبعد أن أجرى حساباته داخل الهرم الأكبر توصل إلى مفاجأة لم يحسب لها حساب حينما شرع في عمله، أن قياسات الهرم قائمة على وحدة للقياس تتطابق مع الإنش، واستنتج من ذلك أنه بما أن الهرم بُني تحت إشراف النبي نوح إذن فالإنش وحدة قياس مقدسة!

لماذا على مدى التاريخ يغفر دائماً العلم للخطأ، لكنه في ذات الوقت لا يتسامح أبداً مع الخرافة، مهما كانت الإغراءات؟

عاد الأثري الكبير إلى إنجلترا حاملاً تلك النتيجة، وتقدم بها إلى الجمعية الملكية بفخر واعتزاز، بعدما انتصر للإنش الإنجليزي على المتر الفرنسي، بل وأخرجه من المنافسة، فأنى للمتر الأرضي أن ينافس الإنش السماوي.

هلل الإنجليز لهذا النصر واحتفوا به، لكن حينما فحصت الجمعية الملكية حسابات شميث وجدتها غير دقيقة، وألفت استنتاجاته ليست قابلة للإثبات، وأنها قائمة في الأساس على فرضية غير علمية أقرب إلى الخرافة، وفي منتهى الحزم والصرامة رفض أعضاء الجمعية ورقة العالم الكبير دون الالتفات لمكانته أو لاحتفاء المجتمع البريطاني بالنصر الموهوم، أو حتى لعصبية قومية حرضت الإنجليز إلى اليوم على رفض النظام المتري رغم إقراره رسمياً من حكومتهم منذ عام 1965.

خطأ المتر وخرافة الإنش

أما في فرنسا، فبعد وفاة بيير ميتشاين 1805، انتقلت أوراقه العلمية إلى رفيق دربه ديلامبر، فوجدها الأخير فرصة لمراجعة الجزء الخاص ببعثة الراحل، وبعد قراءة مدققة اكتشف ديلامبر خطأ في الحساب أسقط مسافة قدرت بـ 2290 متراً، كانت مفاجأة غير سارة للعالم الكبير واحتار فيما يفعل، لكنه والأكاديمية الفرنسية آثروا نهايةً غض الطرف عن الخطأ الذي لن يترتب عليه مشكلة لأحد.

إذا عرضنا موقفي الجمعية الملكية البريطانية والأكاديمية الفرنسية للتقييم، فإننا سنحتفي بلا شك بما أقدمت عليه الأولى، فتمرير بحث شميث رغم ما حمله من إغراءات كان سيعد ترويجاً للخرافة وهزيمة للعلم وخيانة للتنوير، في ذات الوقت لا يمكن المزايدة على منحى الفرنسيين، لأن تصرفهم لم يناقض روح العلم أو يخون جوهر التنوير الذي تصالح مع الخطأ، بعدما كان قديماً يعد "عيباً ونقصاً ولا وجوداً"، فأمسى ينبوعاً انحدرت منه المعرفة العلمية.

أو هل نردد مع جاستون باشلار بأن "صورة الفكر العلمي ذاته لم تكن إلا حقيقة منسوجة على أرضية الخطأ"، وكان تعليقه ذاك إجابة عن سؤال: كيف انتقلت البشرية من "ما قبل العلمية" إلى "الروح العلمية" خلال الفترة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟

هذه الرؤية تشبّع بها عصر التنوير فشجعت على التسامح مع خطأ لا يترتب على إقراره مفسدة علمية، بينما لم يكن متاحاً التساهل مع خرافة تناقض صميم العلم، وإن وافقت الهوى القومي وشجعتها المصلحة الآنية. كان للتنوير صناع مهرة يزنون الأمور بموازينها فلا تختل الموازيين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard