صادق جلال العظم... مزايا الأدب ومعارضة المقدس

الأحد 28 مارس 202111:06 ص

أوسع نصوص صادق جلال العظم، الذي تتجلّى فيه نظريته في النقد الأدبي والفني بوضوح واستفاضة أمام القارئ، هي دراسته المعنونة "سلمان رشدي وحقيقة الأدب" من كتابه "ذهنية التحريم، 1994"، التي تتضمن بالإضافة للدفاع عن سلمان رشدي، رؤية العظم للفن الروائي ودوره وتقنياته، مستشهداً بالعديد من الأعمال الأدبية والفنية التي تعبر عن رؤيته ونظريته في الأدب، والتي يمكن أن نحدد محاورها الأساسية في العناوين التالية: الأدب التخييلي أو الفانتازي، الأدب النقدي، أدب الالتزام، الأدب الوجودي، أدب معارضة المقدس وأدب التهكم.

ابتكار التخييل من تقنيات الفن الأدبي

يدافع العظم بشدة عن التقنيات التخييلية في الرواية، ويؤكد على ضرورة التمييز بين الروائي الأديب وبين المؤرخ. فالأدب باعتباره قائماً على التخييل، لا يمكن إخضاعه لمعايير نقد الدراسات وكتب التاريخ. وأطلق العظم للأديب حرية إعمال الخيال في التأليف القصصي والروائي، لنراه أيضاً يدافع عن الجانب الفانتازي للعمل الأدبي، الجانب العجائبي أو الما فوق طبيعي، على اعتبار أن الحدث الروائي ليس حدثاً منطقياً أو خاضعاً للشروط الفيزيائية، بل إن الخيال الروائي عُرِفَ بعلاقته مع الفانتازية، وبتوظيفه للخوارق والما فوق طبيعي في سبيل معالجة موضوعاته وتصوير حكاياته بطريقة فنية.

أوسع نصوص صادق جلال العظم، الذي تتجلّى فيه نظريته في النقد الأدبي والفني بوضوح واستفاضة أمام القارئ، هي دراسته المعنونة "سلمان رشدي وحقيقة الأدب" من كتابه "ذهنية التحريم

واستشهد بمقولة شكسبير: "إن أصدق الشعر أكثره اختلاقاً"، ومن الأدب العربي استشهد بمسرحية "يا طالع الشجرة، توفيق الحكيم"، كنموذج على المقدار الذي يمكن أن تبلغه الفانتازيا والتخييل في العمل الأدبي، وكذلك بين دور الفانتازيا وفوق الواقعي في الأساطير والحكايات الدينية ومنها قصة الإسراء والمعراج.

وفي هذا الإطار، يشدد العظم على حق الروائي في خلق عوالمه وأجوائه، والاستقلال النوعي بين مهمة الأديب كمبتكر للتخييل، وبين مهمة المؤرخ المدقق في صحة الأحداث الروائية كواقعة تاريخية: "تكمن المشكلة في أن المتهجمين العرب على رواية 'الآيات الشيطانية' عالجوا موضوعهم وكأن الروائي رشدي، يجب أن يكون فقيهاً وعالماً ومؤرخاً ومحققاً ولاهوتياً وواعظاً وعالم منطق، بدلاً من أن يكون فناناً وأديباً وروائياً". هذه الرؤية عند العظم تسعى للفصل بين تقنيات الأدب وتقنيات التوثيق التاريخي.

الأدب الناقد للشرق وروحانياته

الأدب الذي اهتم به العظم هو ذلك الأدب القادر على نقد الثقافة التي يندرج في إطارها، فركّز على الأدب الذي ينتقد الأوضاع السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات التي يكتب عنها، واهتم بأدب دول العالم الثالث الذي ينتقد السلطات الدينية والسياسية فيها، يكتب في ذلك: "أدب سلمان رشدي يسعى إلى نقد الشرق وليس إلى التغني بروحانيته". فأعجب بكتاباته التي تسخر بقوة من رغبة الغرب في الحفاظ على الصورة النمطية للشرق الروحاني، العجائبي والاستبدادي.

"أدب سلمان رشدي يسعى إلى نقد الشرق وليس إلى التغني بروحانيته"

إذن، يقدم العظم لأدب شرقي يسعى إلى تحرير الشرق من جهله، أساطيره وخرافاته، ديكتاتوريته العسكرية، حروبه الطائفية والمذهبية وهامشيته الكاملة في الحياة المعاصرة، وأعطى أمثلة على هذا النوع من الأدب كتاب "المنتخب من اللزوميات: نقد الدولة والدين والناس، أبو العلاء المعري" ورواية "حكاية بلا بداية ولا نهاية، نجيب محفوظ".

الأدب وقضايا المهمّشين والمهاجرين

لقد شدد العظم على ضرورة الارتباط بين الأدب والقضايا السياسية والاجتماعية، وبالتالي الإنسانية عامة. لقد أضاء على جوانب من أدب رشدي التي تتناول مشكلات الطبقية، ما أسماه رشدي نفسه بالصراع بين الطبقات والجماهير Masses and Classes، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الطبقات في الهند تحمل معنى إضافياً لمعناه المعروف، أي التراتبية المشهورة للطبقات المغلقة وهرمها الصلد، الذي يقبع في أسفله المنبوذون ويتربع على عرشه البراهمة.

كذلك اعتبر العظم أن التصدي لفكر الحركات الإسلامية الأصولية المتشددة واحداً من موضوعات أدب الالتزام الأساسية في المرحلة الحالية، سواء كان ذلك في العالم العربي أو في الهند أو حتى في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، وأكد العظم، كما في كتاباته السياسية والفلسفية، على العلمانية كمنهج يجب للأدب أن يدافع عنه.

الأدب الذي اهتم به صادق العظم هو ذلك الأدب القادر على نقد الثقافة التي يندرج في إطارها، فركّز على الأدب الذي ينتقد الأوضاع السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات التي يكتب عنها

كما اهتم بذلك الجانب في أدب رشدي المخصّص لعكس قضايا المهاجرين في الدول الأوروبية وأميركا، وصنّف معالجة رشدي لهذه المسألة بالمعالجة العميقة والعارفة بتفاصيل العلاقة الثقافية بين المهاجرين وثقافات دول المهجر وحقوقهم فيها، فقد عالج المسائل الجوهرية والأسئلة المصيرية الكبيرة حول أوضاع جاليات المهاجرين الآسيويين من أصول هندية أو باكستانية أو بنغالية، في بريطانيا على العموم، وفي لندن على الخصوص، وكيف يرسم الأقوى صورة الأضعف ثقافياً ويفرضها عليه، وذكر العظم أعمالاً أدبية عالجت موضوعة الصورة المفروضة على الأضعف ثقافياً، كما هو الحال في مسرحيتي "الزنوج، الخادمات، جان جينيه".

لقد أدان كل من العظم ورشدي معاً انسحاب الأدب من صراعات التاريخ وقضايا السياسة ومتاعب حمل القضايا الإنسانية، فكلاهما ينفيان بقوة وجود الأعمال الفنية خارج سياق الإطار الاجتماعي والسياسي، لأن لكل نص سياق، ويستشهد العظم بما كتبه رشدي في كتابه "أوطان خيالية": "إذا ترك الكتّاب مهمة رسم العالم لرجالات السياسة، سيقترفون بذلك واحداً من أكثر أعمال الاستسلام خسة في التاريخ".

أدب الأسئلة الوجودية بين الإيمان والشك

نكتشف ميل العظم إلى الأدب الوجودي من خلال تركيزه على فقرات من رواية "آيات شيطانية" تلك التي تحوي على صراعات وجودية بين شخصية ماهوند الرئيسية في الرواية وبين الملاك جبريل، وأيضاً في حكاية صراع سلمان الفارسي بين الإيمان والشك. كما ركز على العديد من الأسئلة الوجودية التي تتعلق بالإيمان والإلحاد في قصص الديانات وفي الأدب والرواية.

أدان كل من صادق العظم وسلمان رشدي انسحاب الأدب من صراعات التاريخ وقضايا السياسة ومتاعب حمل القضايا الإنسانية

وقد ذكر في هذا السياق حكاية صراع يعقوب مع الله في سفر التكوين في التوراة، وحكاية "فاوست" لغوته في صراعاته وأسئلته الوجودية والماورائية، وكذلك شخصية "جبلاوي" في رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، وكذلك أورد في نصه هذا المقطع الذي يجسد فكرة الصراع الوجودي في أدب اليوناني نيكوس كازانتزاكس، من كتابه "تقرير إلى غريكو:

- أما تزال تتصارع مع الشيطان يا أب مكاريوس؟

- ليس بعد يا بني، لقد شخت الآن، وهو الآخر قد شاخ معي، لم تعد لديه القوة. إنني أتصارع مع الله.

- مع الله؟ وهل تأمل أن تنتصر؟

- إنني آمل أن أُلا أُهزَم يا بني. ماتزال عظامي معي وهي التي تستمر في المقاومة.

أدب معارضة المقدس

استتباعاً لأدب الالتزام السياسي وأدب الأسئلة الوجودية، اعتبر العظم أن الأعمال الأدبية الكبرى دوماً ما تسعى لطرح الأسئلة حول قدرة الإنسان على العيش دون الله، والأسئلة حول الإيمان والإلحاد، والموضوعات التي تتناول المقدس بالشك والمساءلة، وفي الأدب العربي يعطي أمثلة كتب "كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، الجاحظ" الذي اعتبره معارضة ساخرة للمقدس، وكذلك ما ورد في معارضة المقدس من قصائد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، وكذلك مقامات "ابن نافيا"، وضَمّنَ نصه العديد من القصائد الشعرية لأبي العلاء المعري التي كتبت في معارضة المقدس:

عجبت لكسرى وأتباعه/ وغسل الوجوه ببول البقر

وعجب اليهود برب يُبَرُ/ بسفك الدماء وسم القتر

وقومٌ أتوا من أقاصي البلاد/ لحلق الرؤوس ولثم الحجر.

سلمان رشدي: "إذا ترك الكتّاب مهمة رسم العالم لرجالات السياسة، سيقترفون بذلك واحداً من أكثر أعمال الاستسلام خسة في التاريخ"

إن نص العظم هذا يعتبر مرجعاً للباحثين عن الأعمال الشعرية الأدبية العربية والإسلامية في معارضة المقدس، فيكتب في ذلك: "إن كلاً من مسيلمة الكذاب وابن المقفع وابن الراوندي والمتبني وأبي العلاء المعري قد عارض القرآن أدبياً على طريقته الخاصة"، وفي هذا الإطار، رفض العظم أي وصاية فكرية على الأعمال الفنية أو البحثية التي تعارض المقدس، واتهم النقاد العرب بتطبيق دور الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بدلاً من الدفاع عن حرية التعبير وحق الكاتب في المساءلة والشك، مذكراً بالرقابة التي مارستها الثقافة العربية على كتب مثل "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرزاق، "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، و"نقد الفكر الديني" للمؤلف نفسه، وكذلك الهجوم التي تعرض له كتاب جريئون مثل نجيب محفوظ، محمد أحمد، عبد الله العلايلي، محمود محمد طه وحمود العودي.

اعتبر العظم أن الأعمال الأدبية الكبرى دوماً ما تسعى لطرح الأسئلة حول قدرة الإنسان على العيش دون الله، والأسئلة حول الإيمان والإلحاد، والموضوعات التي تتناول المقدس بالشك والمساءلة

أكد العظم بعد دراسته لأدب سلمان رشدي، أن العالم الإسلامي بحاجة اليوم إلى حداثة العقل والعلم والتقدم والثورة، بدلاً من أصالة الدين والشرع والتراث والرجعية، فالمسألة التي على الأدب أن يواجهها اليوم هي "كيف نبني عالماً جديداً وحديثاً من حضارة قديمة تسكنها الخرافة؟، وإن إعادة وصف العالم من جانب الروائي تشكل الخطوة الضرورية باتجاه تغيير هذا العالم. وبالتالي رأى أن على الأدب أن يسهم في فتح آفاق نقدية جديدة أمام الوعي الإسلامي والثقافي والتاريخي المعاصر، بهدم الأسوار التي تعيق تفتحه وإزاحة العقبات التي تقف حائلاً أمام تطوره ونموه. لقد دخل رشدي في عقل التشكيلة المعرفية الإسلامية القديمة وأمعن النظر في محتوياته فوجده فارغاً من كل ماله علاقة بالعالم الحديث حقاً، ومن كل ما هو مهم وحاسم بالنسبة للاستمرار والنمو والتقدم في المرحلة التاريخية المعاصرة".

الأدب التهكمي الساخر

يقدم لنا العظم العديد من المرجعيات الأدبية في التاريخ، كشواهد على نوع الأدب التهكمي الساخر، منهم رابليه، فولتير، جويس وبريخت، في إطار إثباته لأهمية الأدب الساخر، والذي يطلق عليه "أدب الهجاء التنويري، أدب نقد الزمن والمجتمع والمحيط الثقافي بغرض التحريض والصدم والإيقاظ والتحريك والتغيير والتجديد وطرح البدائل". ويعدد العظم تقنيات وأساليب الأدب الساخر من ألاعيب الضحك والفكاهة ومداعبات التهكم والاستهزاء وأحابيل المبالغة والتشويه والشطح، معتبراً إياها أدوات ووسائل يستعملها الأدباء لفضح حقائق عتيقة وموروثة، وتعرية وقائع مهترئة لا مصلحة لقوى التسلط البالي والسيطرة في انكشاف حقيقتها.

لقد فند العظم تقنيات الأدب الساخر الذي يجمع بين كتّاب مفضلين لديه مثل رابليه ورشدي، ومنها: "إحلاس الدنس محل المقدس وبالعكس، خلط السخيف بالجليل، الدمج بين الجميل والقبيح، شبك الأرضي بالسماوي، المزج بين الورع والفاجر، بين العفيف والفاحش. وذلك بغرض وضع علامة سؤال كبرى على المفروض إيديولوجياً والموروث تقليدياً. أي بغرض طرح السؤال الكبير حول مدى نفع معايير مستمدة من عصور سابقة أخرى وتجارب تاريخية ماضية".

"إن كلاً من مسيلمة الكذاب وابن المقفع وابن الراوندي والمتبني وأبي العلاء المعري قد عارض القرآن أدبياً على طريقته الخاصة"، وفي هذا الإطار، رفض العظم أي وصاية فكرية على الأعمال الفنية أو البحثية التي تعارض المقدس، واتهم النقاد العرب بتطبيق دور الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

إن الأدب الساخر برأي العظم "لا يسعى عبر هجائه وسخريته إلى تكريس اليأس والقنوط أو تجميل العدمية المطلقة، وعليه ألا يقع في مطبات الوعظ والتعليم والدغمائية والأخلاقوية والإيديولوجيا، بل الأدب الساخر يُنتِجُ في عقل القارئ الريبية الإيجابية، أي الريبية النقدية البناءة، وهو الأدب القادر على إثارة الشك حول معايير العالم الموضوعي والواقعي والأخلاقي والعقلاني الذي نعيش في إثره، أي تنفضح كم هي مصطنعة واقعية هذا العالم الواقعي، وكم هي مخادعة موضوعية هذا العالم الموضوعي، وكم هي زائفة أخلاقية هذا العالم الأخلاقي، وكم هي لاعقلانية عقلانية هذا العالم العقلاني".

دور النقد الأدبي

إشارة أخيرة إلى ما ورد في نص صادق جلال العظم عن دور النقد الأدبي. فقد هاجم النقادَ الذين يضعون أنفسهم أوصياء على القارئ، مدافعاً عن النقد الذي يستعرض للقارئ العمل الأدبي دون أحكام قيمة، ورأى أن على الناقد إفساح ما أمكنه المجال ليكوّن القارئ، بنفسه ولنفسه، الحكم الراغب فيه حيال العمل الأدبي. واعتبر أن مهمة الناقد هو التفكير، القراءة، البحث في الكتاب للوصول إلى الاجتهاد في القراءة النقدية الأدبية ورفض النقد القائم على البديهة والارتجال ورجز الكلام، والذي يسعى إلى المعاني المرسلة والألفاظ المنثالة، مستشهداً بكتابات الجاحظ في هذا المجال.

"إن أصدق الشعر أكثره اختلاقاً"

هذه هي الأعمال الأدبية التي اعتبرها صادق جلال العظم تستحق التقدير الفني والنقدي، وهي المرتبطة بالتخييل والفانتازيا لمعالجة موضوعات الواقع، المرتبطة بأدب الالتزام، وأدب القضايا السياسية والاجتماعية، وأدب معارضة المقدس وتعريته، والأهم، دفاعه عن حق الروائي في استعمال التقنيات الأدبية التخييلية والفنية في حدودها القصوى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard