من إله إلى ولي... تمثلات المقدس في سيرة سيدي أبي النجا الفُويّ

الخميس 20 فبراير 202010:51 ص

عرفت مدينة فوة، الواقعة في إقليم الدلتا شمالي مصر، الكثير من شيوخ الصوفية الذين قدموا إليها من أماكن وأصقاع بعيدة، فاستوطنوها، واتخذوا من أرضها مقاماً وسكناً لهم. من بين هؤلاء، الشيخ أبو النجا سالم بن علي الأنصاري المغربي الفُويّ، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وتوفي في 533هـ على أرجح الأقوال.

كما هي عادة السير الصوفية بوجه عام، فأن سيرة الشيخ أبي النجا الفُويّ قد شهدت تداخلاً بين التاريخ الواقعي من جهة، والرؤية المناقبية المتخيلة من جهة أخرى، ومن هنا تظهر الإشكالية الرئيسة والتي ستتمحور حول مسألة فضّ الاشتباك بين التاريخي والمتخيل في البناء السردي لتلك السيرة، وردّ ما جاء فيها من قصص ورمزيات إلى الميثولوجيا المصرية الأكثر قدماً وأصالة.

من هو أبو النجا المغربي؟

قليلة هي المعلومات التاريخية التي يمكن أن تقدمها لنا المصادر عن شخصية أبي النجا الفُويّ المغربي، هذا فضلاً عن أن معظمها يتضارب مع بعضه البعض.

فيما يخص اسمه، فأن المصادر تتفق على "سالم بن علي"، أما الكنية فتختلف صيغتها وإن توحد معناها، فهي تأتي أحياناً أبي النجاة، وفي أحيان أخرى أبي النجا، وفي مواضع قليلة أبي النجاء.

من بين أشهر القصص المرتبطة بسيرة أبي النجا، قصة تتلمذ الشيخ عبد الرحيم القناوي على يديه، وأن الأخير قد ترك مدينة قنا وسافر عبر النيل إلى فوة، فصاحب الفُويّ وسمع منه، ومكث في مدينة فوة لفترة، ثم رجع بعدها إلى قنا. وبحسب تلك القصة، فإن أهل فوة قد بنوا مسجداً في المكان الذي أقام به الشيخ عبد الرحيم، وقد عُرف هذا المسجد بمسجد القنائي، وهو من المعالم المشهورة في مدينة فوة.

إذا ما رجعنا للمعلومات التاريخية الخاصة بكلا الرجلين، القناوي والفُويّ، لتوصلنا إلى استحالة حدوث لقاء بينهما في فوة، وذلك لسببين، الأول أن جميع المصادر التي تناولت سيرة عبد الرحيم القناوي قد أكدت على أنه لم يخرج من قنا بعد أن دخلها، وأنه مكث بها حتى وافته المنية، أما السبب الثاني، أنه لو سلمنا بوفاة أبي النجا الفُويّ في ثلاثينيات القرن السادس الهجري، فأن ذلك قد وقع قبل دخول القناوي إلى مصر أصلاً، لأن المصادر تجتمع على أن عبد الرحيم قد دخل مصر في منتصف القرن السادس الهجري، ما يعني أن الفاصل الزمني بين دخول القناوي إلى مصر ووفاة الفُويّ كان يقترب من العقدين.

من هنا، يمكن القول بأن حضور القناوي إلى مدينة فوة للقاء شيخها، لا يزيد عن كونه من القصص المتخيلة والتي شاعت وذاعت بين أهل فوة على وجه الخصوص، رغم بعدها عن الحقيقة التاريخية.

تمثلات المقدس: من أوزير إلى أبي النجا

على الرغم من قلة وندرة المعلومات التاريخية عن شخصية أبي النجا الفُويّ المغربي، إلا أن المخيال الشعبي قد أفرد لها مكانة خاصة في محيطها الجغرافي في فوة، وما حولها من مدن وقرى.

في الحقيقة، يمكن الادعاء بأن كل مدينة من المدن المصرية، قد التمست لنفسها هوية متمايزة ومستقلة، ولما كانت النزعة الدينية قوية ومؤثرة في مصر عبر التاريخ، فقد كان من المنطقي أن ترتبط هوية كل مدينة أو قرية بالدين وتجلياته بشكل أو بآخر.

في مصر القديمة، عبّر المصريون عن هويتهم من خلال المعبود الإقليمي الخاص بكل مدينة، والذي نُسجت حوله القصص التي تربطه بمحيطه الجغرافي، أما بعد اعتناق المصريين للمسيحية، فقد التمس أهل كل مدينة هويتهم الخاصة من خلال بعض الشخصيات الدينية التي تحيط بها هالات التقديس والتبجيل، كالقديسين والشهداء، وهو الأمر الذي تناغم مع النزعة التوحيدية في المسيحية، والتي لم تكن لتسمح بتعدد المعبودات والأرباب.

في العصور الإسلامية، ومع انتشار التصوف في عموم الديار المصرية، حل المتصوفة محل القديسين والشهداء، فصار المسلمون في كل قرية حريصين على الإعلاء من شأن الولي الصوفي الساكن في قريتهم أو المدفون فيها، لما في ذلك من إعلاء لمقام قريتهم ورفع لمكانتها بين المدن المجاورة.

انطلاقاً من الفرضية السابقة، فإننا إذا ما انتقلنا إلى دراسة حالة أبي النجا سالم الفُويّ المغربي، في مدينة فوة على وجه التحديد، سنلاحظ أن إقليم "واع امنتي" أو "نفر امنتي" والذي كانت مدينة فوة هي عاصمته في العصور القديمة، كان أحد المراكز الأولى لعبادة كل من الإله أوزير والإلهة إيزيس، وبحسب الميثولوجيا المصرية القديمة، كانت أحراش الدلتا التي تقع على حدود هذا الإقليم، هي المكان الذي اختبأت فيه إيزيس ووضعت فيه طفلها حورس، ويمكن القول إن تقديس إيزيس وأوزير قد بقي قائماً عبر العصور في تلك المنطقة على وجه الخصوص، بل واتخذ بعد دخول المسيحية إلى مصر، أشكالاً مغايرة تتسق مع طبيعة الدين المسيحي. من أهم تلك المتغيرات، ربط شخصية أوزير بالمسيح، والعمل على إيجاد مقاربات ونقاط تشابه واتصال بين الخوارق والكرامات المنسوبة لكل منهما، هذا فضلاً عن ظهور مجموعة من الأساطير المرتبطة بعدد من القديسين والشهداء المسيحيين في فوة وما حولها، ومنهم أوتيموس القس، الشهيدة أمبيرة والشهيد أبسخيرون القليني.

اتفقت المصادر الصوفية التي تناولت سيرة أبي النجا سالم، على ارتباط شخصيته بالرقم 40، من ذلك القول بأنه قد صاحب 40 ولياً، وبأنه تقلد منصب القطب لمدة أربعين يوماً، هذا فضلاً عن تربة القرافيين، والتي قيل إن أربعين من أصحاب أبي النجا قد دُفنوا فيها في القاهرة

بالبحث في سيرة أبي النجا الفُويّ، والقصص المرتبطة به في المتخيل الصوفي الشعبي، يمكننا الادعاء بلا مبالغة، بأن تلك السيرة قد احتوت على العديد من نقاط التماس والتلاقي مع المعتقدات المصرية القديمة والقبطية، ومنها على سبيل المثال رمزية الرقم 40 في سيرة الفُويّ، إذ اتفقت المصادر الصوفية التي تناولت سيرة أبي النجا سالم، على ارتباط شخصيته بالرقم 40، من ذلك القول بأنه قد صاحب 40 ولياً، وبأنه تقلد منصب القطب لمدة أربعين يوماً، هذا فضلاً عن تربة القرافيين، والتي قيل إن أربعين من أصحاب أبي النجا قد دُفنوا فيها في القاهرة، وذلك بحسب ما يذكر شمس الدين السخاوي في كتابه "تحفة الأحباب".

إذا ما رجعنا للميثولوجيا المصرية القديمة، لوجدنا أنه من الشائع الاعتقاد بتمزيق الإله ست جسم أوزير لـ40 قطعة، وأن أوزير قد قام من الموت بعد 40 يوماً من وفاته.

أما في المخيال المسيحي، فرمزية الرقم أربعين حاضرة وبقوة، فهناك صيام المسيح لأربعين يوماً، هذا بالإضافة إلى أن الرقم أربعين، قد مثل المدة التي قضاها المسيح بين القيامة والصعود للسماء.

من هنا، يمكن القول اعتماداً على جميع ما سبق إن رقم 40 ليست له دلالة مادية بقدر ما له من دلالة روحية رمزية، فهو يعبر عن الانتقال من صورة إلى صورة مغايرة، وهو يرمز للتسامي والتعالي والترفع عن الملموس إلى المعنوي، ومن ثم يمكن أن نفهم أن تكرار رقم 40 في سيرة أبي النجا، هو في حقيقة الأمر مجرد إعادة إنتاج لمضامين وأفكار قديمة في صورة إسلامية ليس أكثر.

وفي السياق نفسه، تأتي رمزية يوم الخميس، فبحسب ما هو معروف عند الصوفيين في فوة، فأنه كانت تُقام للشيخ أبي النجاة حضرة يوم الخميس من كل أسبوع، يقصدها مئات البشر، لكنها توقفت منذ سنوات قليلة.

اختصاص أبي النجا بيوم الخميس تحديداً، يتناغم ويتسق مع دلالة الرقم 40، فبحسب ما يذكر مجموعة من أكابر المؤرخين المسلمين من أمثال المقريزي والقلقشندي، فأن عيد خميس الأربعين كان من أهم الأعياد الكبرى عند الأقباط، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين، وكان من الشائع الاحتفال فيه بذكرى عروج السيد المسيح للسماء، عندما خرج مع تلاميذه بعد مرور 40 يوماً على قيامته، فباركهم ثم صعد إلى السماء.

من هو أبو النجا المغربي؟ وما قصة المسجد الذي يعرف بـ مسجد القنائي، والذي يعتبر من المعالم المشهورة في مدينة فوة؟ 

أيضاً يمكن أن نلاحظ التمثلات الرمزية للمقدس، في نص الوصية التي قدمها أبو النجا لتلامذته قبيل وفاته، والتي جاء فيها: "اعلموا يا إخواننا أن كل ما في الوجود يقابلكم بشاكلة ما برز منكم من الأعمال الظاهرة والباطنة، فانظروا كيف تكونون".

يمكن أن نلاحظ التشابه الشديد بين مضمون تلك الوصية من جهة، وما أورده لوقا في إنجيله في الإصحاح السادس، من جهة أخرى، وذلك عندما ذكر بعضاً من وصايا السيد المسيح لتلاميذه، وقد جاء فيها: "وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا"، وفي موضع آخر قوله: "ما من شجرة جيدة تثمر ثمراً ردياً، ولا شجرة ردية تثمر ثمراً جيداً... الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر، فإنه من فضلة القلب يتكلم فمه".

أما فيما يخص الكرامات والخوارق، فمن بين الكرامات المشهورة عن أبي النجا الفُويّ في المخيال الصوفي الشعبي، قدرته العجيبة على فكّ أعمال السحر والحسد، وبركته الخاصة في تسريع الزواج، تلك الكرامات نفسها نلاحظها في سيرة الشهيد القديس أبسخيرون القليني، والذي ورد عنه في السنكسار القبطي، أنه قد أخرج الروح الشريرة التي سكنت في جسد مكسيماس والي أسيوط، كما أن بركته قد تسببت في إتمام زواج جماعي لما يقرب من 100 رجل وامرأة، في إحدى الكنائس الواقعة بالقرب من فوة.

من بين الكرامات المشهورة عن أبي النجا الفُويّ في المخيال الصوفي الشعبي، قدرته العجيبة على فكّ أعمال السحر والحسد، وبركته الخاصة في تسريع الزواج، فمن هو؟ وكيف تحول من إله إلى ولي؟

الدلالة الرمزية للمكان: من أبيدوس لقنا

إذا كان الشك يحيط بقصة زيارة عبد الرحيم القناوي لفوة ولقائه فيها بأبي النجا الفُويّ، فتبقى مسألة شيوع تلك القصة في الوجدان الصوفي الجمعي بمدينة فوة بحاجة ماسة للشرح والتفسير.

هنا، واستناداً لنظرية التأثير والتأثر الثقافي، يمكن الادعاء بأن قصة حضور القناوي إلى فوة للقاء أبي النجا، هي في حقيقتها قصة منبثقة من الميثولوجيا المصرية القديمة والقبطية.

من المعروف، أن المستقر النهائي لجسد الإله أوزير في المعتقدات المصرية القديمة، كان مدينة أبيدوس، القريبة من قنا الحالية في صعيد مصر، والتي حظيت بقداسة عظيمة لذلك السبب، حتى قصدها الحجيج من الدلتا وباقي أنحاء مصر.

ترسيم تلك الرحلة المقدسة، من الدلتا، وهو المكان الأول لتقديس أوزير، إلى صعيد مصر، حيث المستقر النهائي له، تزامن مع هيمنة مصر العليا على مقاليد السلطة والحكم في البلاد، وتراجع مكانة حواضر وأقاليم مصر السفلى، ما يعني أن طقوس وشعائر تلك الرحلة الرمزية قد عكست التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجارية في مصر حينذاك.

على الرغم من توقف تلك الرحلة في شكلها التقليدي المعهود في العصر القبطي، إلا أن تجلياً آخر من تجلياتها قد ظهر في سيرة القديس أبسخيرون القليني، إذ يورد السنكسار أن هذا القديس المبارك قد ظهر بعد قرون من نياحته أمام إحدى الكنائس المكتظة بالمصلين في قلين، الواقعة جنوب فوة، فنقلها من مكانها إلى البيهو في سمالوط، بمحافظة المنيا في صعيد مصر.

على ضوء تلك القصص الأسطورية، يمكن فهم السياق الثقافي والتاريخي الذي شاعت فيه قصة زيارة القناوي إلى فوة، إذ يمكن القول إن تلك الزيارة الأسطورية والتي تواكب انتشارها مع زيادة العمران في فوة وتوسعها الحضاري الملحوظ في العصر المملوكي، كانت ترمز لمحاولة إظهار تفوق أقاليم الدلتا على أقاليم الصعيد، وهو ما يظهر في انتقال عبد الرحيم، شفيع قنا وحاميها ورمزها، إلى فوة، أبرز وأهم مدن الدلتا في القرن الثامن الهجري، ليتتلمذ على يد شيخها الأجل ورمزها الأكثر تبجيلاً ومكانة.

كانت تلك الزيارة إذن، دليلاً على التطورات المادية والعمرانية التي لحقت بفوة في تلك الفترة، كما كانت شاهداً على استمرارية وتواصل الخط الثقافي ذي الطابع الميثولوجي في منطقة الدلتا على مر العصور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard