قسَت عليه سيدةٌ فضرب ثماني نساء... الزبير بن العوام وعلاقته بالمرأة

الخميس 16 سبتمبر 202103:06 م

كثرت حالات ضرب الصحابة لزوجاتهم، فكتمت النساء شكواهن كثيراً، حتى حانت الفرصة، فصارحنَ النبي بذلك، فحثّ محمد صحابته قائلاً: "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر بن الخطاب إليه، قائلاً: "ذئرن (أي اجترأن)، النساءُ على أزواجِهِنّ فرخِّصْ في ضربِهنّ".

ويروي أبو داود في سُننه، أن بعد ذلك "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم". ويروي البخاري في صحيحه، حديث آخر، عن عبد الله بن زمعة، أن النبي قال: "لا يَجلِد أحدُكم امْرأتَه جَلدَ العَبد، ثمّ يُجامِعها في آخرِ اليوم".

لكن من بين صحابة رسول الله الضرّابين لزوجاتهم برز اسم الزبير بن العوّام كأكثرهم عنفاً على زوجاته، حتى انتهت علاقاته مع أغلبهن نهايات مؤسفة.

الزبير وأسماء... الحبّ وحده لا يكفي

تزوج الزبير بن العوام أسماء بنت أبي بكر، وليس له في الأرض مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه. فكانت أسماء تعلف فرسه، وتعدّ مؤونته، وتسوسه، وتدق النوى لناضحه، وتسقي الماء، وتعجن الخبز، أو كما تقول هي في رواية أحمد في مسنده: "لَيْسَ لِي إِلَّا مَا أَدْخَلَ الزُّبَيْرُ بَيْتِي".

تلك الحياة وما بها من فقر مدقع، لم تُثنِ أسماء عن إكبار الزبير، التي تعلم مدى غيرته الشديدة، فقدرتها، وسعت جاهدة لمحو ما يشعل تلك الغيرة، مثلما فعلت حين كانت تحمل النَّوَى من أرض الزبير إلى بيتها، فلقيت الرسول ومعه نفر من الصحابة فدعاها لتسير معهم.

خلال تلك المسافة التي قدرتها بـ"ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ"، كما تقول في رواية البخاري: "اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ، وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ، وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ، فَمَضَى، وَجِئْتُ الزُّبَيْرَ، فَقُلْتُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ مَعَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ. فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ. قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ، فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي".

"كُنْتُ رَابِعَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ تَحْتَ الزُّبَيْرِ، فَكَانَ إِذَا عَتَبَ عَلَى إِحْدَانَا، فَكَّ عُوداً مِنْ عِيدَانِ الْمِشْجَبِ، فَضَرَبَهَا بِهِ حَتَّى يَكْسِرَهُ عَلَيْهَا"

تلك العلاقة انتهت بتطليق الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأول من سلّ سيفه في سبيل الله، لأسماء بنت الخليفة الأول وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأخت أم المؤمنين عائشة.

الزبير عدوّ المرأة!

تقول أسماء بنت أبي بكر عن نفسها في رواية أوردها الطبري في كتابه "تهذيب الآثار": "كُنْتُ رَابِعَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ تَحْتَ الزُّبَيْرِ، فَكَانَ إِذَا عَتَبَ عَلَى إِحْدَانَا، فَكَّ عُوداً مِنْ عِيدَانِ الْمِشْجَبِ (عصا توضع في الأرض تُنشر عليها الملابس)، فَضَرَبَهَا بِهِ حَتَّى يَكْسِرَهُ عَلَيْهَا".

حاولت أسماء أن تلوذ بأبيها لحمايتها من بطش الزبير، "فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ اصْبِرِي فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ صَالِحٌ ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَلَمْ تَزَوَّجْ بَعْدَهُ، جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَنَّةِ"، بحسب رواية ابن سعد في "الطبقات الكبرى".

لكن ولدهما عبد الله لم يُطِق أن يرى أمّه تُضرب من أبيه، فكثرت تدخلاته لحمايتها، لكن الزبير كره ذلك، فكان ذلك الأمر سبباً في طلاقها، حين اشتد النزاع بينه وبين أبيه، أو كما يقول عبد الله في رواية الطبراني في "المعجم الكبير": "لَقَدْ كُنْتُ غُلَاماً رُبَّمَا أَخَذْتُ بِشَعْرِ مَنْكِبِيِ الزُّبَيْرِ".

في هذه المرة الفاصلة، كان الزبير يضرب أسماء، فصاحت بعبد الله ابنها، فأقبل، فلما رآه الزبير، قال: "أُمُّكَ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتَ. فَقَالَ: أَتَجْعَلُ أَمِّي عُرْضَةً لِيَمِيْنِكَ؟! فَاقْتَحَمَ، وَخَلَّصَهَا، وبعّدها فَبَانَتْ مِنْهُ"، وفقاً لما أورده الذهبي في "سيَر أعلام النبلاء".

أسماء ليست وحدها

تزوج الزبير بن العوام سبع نساء غير أسماء بنت أبي بكر، هن: زينب بنت مرثد، وأم كلثوم بنت عقبة، وأمَةُ بنت خالد بن سعيد، وعاتكة بنت زيد، والرباب بنت أنيف، وتماضر بنت الأصبغ، والحلال بنت قيس بن نوفل، وأنجب منهن جميعاً أحد عشر ابناً وتسع بنات.

أولئك النسوة السبع، رُويَ عن بعضهن حالات مماثلة عن شدة الزبير معهن وأنه كان ضرّاباً للنساء، حتى إن بعضهن كرهن العيش معه. فيروي القرطبي في تفسيره: "أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ امْرَأَةَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ كَانَتْ تَخْرُجُ حَتَّى عُوتِبَ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَعَتَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى ضَرَّتِهَا، فَعَقَدَ شَعْرَ وَاحِدَةٍ بِالْأُخْرَى ثُمَّ ضَرَبَهُمَا ضَرْباً شَدِيداً، وَكَانَتِ الضَّرَّةُ أَحْسَنَ اتِّقَاءً، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ لَا تَتَّقِي فَكَانَ الضَّرْبُ بِهَا أَكْثَرَ".

وربما تتشابه واقعة أسماء بنت أبي بكر مع ما جرى لأم كلثوم بنت عقبة، التي كانت كارهة للزبير هي الأخرى، بحسب رواية ابن شبة في "تاريخ المدينة"، بقوله: "أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ، كَانَتْ تَحْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَكَانَتْ لَهُ كَارِهَةً، وَكَانَ شَدِيداً عَلَى النِّسَاءِ، فَكَانَتْ تَسْأَلُهُ الطَّلَاقَ، فَيَأْبَى، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَوَضَعَتْ، فَاتَّبَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ أَهْلِهِ وَقَالَ: إِنَّهَا وَضَعَتْ، قَالَ: خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا اللَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: سَبَقَ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، اخْطُبْهَا. قَالَ: لَا، لَا تَرْجِعُ إِلَيَّ".

عاش الزبير مع أمه صفية بنت عبد المطلب حياة خشنة، شديدة البأس، "ودأبت على أن تقذفه في كلِّ مخوفةٍ وتقحمه في كلِّ خطرٍ، فإذا رأته أحجم أو تردَّد ضربته ضرباً مبرِّحاً"

ولتماضر بنت الأصبغ، التي تزوجها الزبير بن العوام سبع ليالٍ فقط، رواية غير مباشرة عن شدته مع نسائه، يرويها ابن سعد في "الطبقات الكبرى"، بقوله: "حِينَ طَلَّقَهَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ (...) كَانَتْ تَقُولُ لِلنِّسَاءِ: إِذَا تَزَوَّجَتْ إِحْدَاكُنَّ فَلا يَغُرَّنَّكُنَّ السَّبْعُ بَعْدَ مَا صَنَعَ بِيَ الزُّبَيْرُ"!

من أين أتى الزبير بهذه القسوة؟

نشأ الزبير في مكة يتيماً، بعدما قُتِل أبوه العوام بن خويلد في حرب الفجار، على يد مُرَّة بن مُعتِّب الثقفيّ، فتكفلت أمه صفية بنت عبد المطلب، بتربيته، التي نادراً ما يخلو كتاب يتناول حياة الصحابيات من اسمها، والحديث عن مناقبها. فهي المرأة التي قيل عنها إن الرجال يحسبون لها ألف حساب، بعدما اشتهرت بقتلها أول مشركٍ في الإسلام.

زوجها الأوَّل، كان الحارث بن حرب، أخا أبي سفيان بن حرب زعيم بني أميَّة، وزوجها الثَّاني، هو العوَّام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد، وبعد مقتله ربطت نفسها على تربية نجلها الوحيد الزبير، حتى توفيت في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين من الهجرة، ودُفِنَت بالبقيع، وفقاً لابن الأثير في "جامع الأصول".

عاش الزبير مع أمه صفية بنت عبد المطلب حياة خشنة، شديدة البأس. ربَّته على الفروسيَّة والحرب، وجعلت لعبته في بري السِّهام وإصلاح القسيِّ، "ودأبت على أن تقذفه في كلِّ مخوفةٍ (موقف يخاف منه) وتقحمه في كلِّ خطرٍ، فإذا رأته أحجم أو تردَّد ضربته ضرباً مبرِّحاً"، وفقاً لما أورده عبد الرحمن رأفت الباشا في كتابه "صور من حياة الصحابيات".

تلك الشدة في تربية الزبير صغيراً على يد أمه صفية، حدَت بعمه نوفل بن خويلد لعتابها، فقال لها: "ما هكذا يُضرب الولد. إنَّك تضربينه ضرب مبغضةٍ لا ضرب أمٍّ". فردّت عليه شعراً، قائلة: "من قال إنّي أبغضه فقد كذب/ وإنّما أضربه لكي يلِب/ ويهزم الجيش ويأتي بالسّلب/ ولا يكن لماله خبأ مخب/ يأكل في البيت من تمر وحب"، بحسب رواية ابن حجر العسقلاني في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة".

ويروي البلاذري في "أنساب الأشراف" أن "الزُّبَيْرُ قَاتَلَ، وَهُوَ غُلامٌ بِمَكَّةَ، رَجُلاً فَكَسَرَ يَدَهُ، وَضَرَبَهُ ضَرْباً شَدِيداً، فَمُرَّ بِالرَّجُلِ إِلَى صَفِيَّةَ وَهُوَ يُحْمَلُ، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُهُ؟ قَالُوا: قَاتَلَ الزُّبَيْرَ فَقَالَتْ: كَيْفَ رَأَيْتَ زَبْراً/ أَأَقِطاً (اللبن المجفف على هيئة أقراص) أَمْ تَمْراً/ أَمْ مُشْمَعِلاً صَقْراً (مرتفعاً كالصقر)".

الغريب أن صفية بنت عبد المطلب نفسها، حين شبّ ولدها الزبير، رأت في طباعه خشونة أقلقتها، فأنشدت شعراً أورده البلاذري في "أنساب الأشراف"، قالت فيه: "إِنَّ ابْنِي الأَصْغَرَ جَبٌّ حَنْكَلٌ (جاف غليظ)/ أَخَافُ أَنْ يَعُقَّنِي وَيَبْخَلَ/ يا رب أمتعني بِبَكْرِي الأَوَّل/ بِالْمَاجِدِ الْفَيَّاضِ وَالْمُؤَمَّلِ"!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard