الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر... تجميل لصورة النظام أم رغبة في التغيير؟

الأربعاء 15 سبتمبر 202102:51 م

أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 11 أيلول/ سبتمبر، "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة المصرية، كما أعلن عام 2022 عاماً للمجتمع المدني.

حفل إطلاق الاستراتيجية شهد حضور عدد من الإعلاميين وممثلي المجتمع المدني ووزير الخارجية وبعض مسؤوليها الحاليين والسابقين، وهي الوزارة التي ترأس وزيرها اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، وهي لجنة أنشأها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

وكان مدبولي قد أوكل إلى اللجنة التي تتكون من ممثلين عن وزارة الدفاع، والمخابرات العامة، وجهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية، وجهاز الرقابة الإدارية، والمجلس القومي للمرأة، وعدد آخر من الوزارات، مسؤولية وضع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وبدأت أولى اجتماعاتها التحضيرية في تموز/ يوليو 2020، بمشاركة ممثلين عن المجتمع المدني.

جاء إطلاق الاستراتيجية بعد انتقادات عدّة واجهها النظام المصري في ملف حقوق الإنسان، وهو ما لخّصته 372 توصية وُجّهت إلى مصر خلال الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان الذي يجريه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، خلال جولتيه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وفي آذار/ مارس 2020.

وبعد أربعة أشهر من التاريخ الأخير، بدأت الحكومة في إعداد الاستراتيجية التي رأت أخيراً النور، واختلف حولها النشطاء الحقوقيون الذين تحدثوا لرصيف22، بين مَن يراها محاولة لتجميل صورة النظام، وبين مَن يراها خطوة جديدة إلى الأمام حققها المجتمع المدني المصري.

تأتي الاستراتيجية في وثيقة عدد صفحاتها 78، وترتكز حسب "نصّها" على الضمانات الدستورية في مجال حماية وتعزيز واحترام حقوق الإنسان، والالتزامات الإقليمية والدولية لمصر في مجال حقوق الإنسان، والاستراتيجية المستدامة: رؤية مصر 2030، وذلك من خلال أربعة محاور هي: الحقوق المدنية والسياسية؛ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؛ حقوق الإنسان للمرأة، والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشباب، وكبار السن؛ التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

وتشير إلى تحديات: الحاجة إلى تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، والحاجة إلى تعزيز المشاركة في الشأن العام، والصعوبات التي تواجه التنمية الاقتصادية المستهدفة، والإرهاب والاضطراب الإقليمي.

خلال المرحلة التحضيرية للاستراتيجية، حصرت اللجنة الاستراتيجيات والبرامج السابقة الحكومية المتعلقة بحقوق الإنسان، كما درست تجارب دول أخرى، وكذلك التوصيات التي تلقتها مصر خلال الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان، وتلك التي تلقتها من المجلس القومي لحقوق الإنسان، بالتنسيق مع الوزارات المختلفة، ثم جاءت مرحلة التشاور وشملت الحوار مع ممثلين للمجتمع المدني، والتواصل مع مؤسسات الدولة المختلفة.

من المفترض أن تكون الخطة الزمنية لتحقيق أهداف الاستراتيحية خمس سنوات، عن طريق ثلاث مسارات هي "التطوير التشريعي"، وضمن اختصاصات اللجنة اقتراح القوانين المختلفة التي "تهدف لتعزيز ودعم مجال حقوق الإنسان"، و"التطوير المؤسسي" لمؤسسات الدولة، و"مسار التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان".

تزخر الاستراتيجية بعشرات الأهداف في مختلف المحاور الرئيسية والفرعية، بين مناهضة التعذيب، وتعزيز تغطية الخدمات الصحية على مستوى الجمهورية، وتعزيز المشاركة السياسية للمرأة، والتوسع في برامج التثقيف، وإدراج أنشطة متنوعة لنشر ثقافة حقوق الإنسان على أوسع نطاق ممكن في المجتمع.

ما الدافع وراء إطلاقها؟

يرى مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد أن أسباب إصدار الاستراتيجية هو وعي الحكومة والنظام المصري، في هذا التوقيت تحديداً، بالسجلّ السيئ، والسمعة السيئة جداً لمصر في الخارج، في مجال حقوق الإنسان، مُضيفاً لرصيف22 أنهم من هنا فكروا في شيء جديد لتحسين هذه السمعة أو إعادة المصداقية إلى النظام المصري.

لكن برأي عيد، "إنهم (النظام) فشلوا فشلاً ذريعاً. حسب ما قرأته من الاستراتيجية، ليس الهدف تحسين حالة حقوق الإنسان، مثلما يقولون، ولكن الاستهلاك الإعلامي"، معللاً ذلك بعدم اقتناعه بتشخيص الاستراتيجية لمشكلات حقوق الإنسان في مصر، ولا بأنها وضعت العلاج المناسب لها.

"لمّا أطلقوا عاماً للشباب (2016) شهدت مصر أكبر حملات قبض عشوائي، ولمّا قالوا عام المرأة (2017) شهدنا إفلات المتهمين من العقاب في قضايا عديدة تخص المرأة والتحرش والانتهاكات، فبالتالي عندما يُقال إنه عام المجتمع المدني، أخشى على مصيره"

إلا أن مدير مجموعة المتحدة للقانون نجاد البرعي، والذي شارك في جلسات إبداء الرأي حول الاستراتيجية كأحد ممثلي المجتمع المدني، يقول لرصيف22 إنه لا توجد خصوصية مُحددة لتوقيت إطلاق الاستراتيجية، فـ"المشاورات دائرة حولها منذ أكثر من عامين قبل أن تبدأ الاجتماعات".

يرى البرعي أن الأهمية وراء إطلاق الاستراتجية هي أنه، لأول مرة منذ تعرَّفت الحكومة على مصطلح حقوق الإنسان، تُطلق استراتيجية "وطنية" لهذا الملف. "هي وضعت استراتيجية سابقة للعنف ضد المرأة، واستراتيجية لمكافحة الفساد، وغيره، لكن لأول مرة تضع استراتيجية تُغطّي كل شيء من الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى الحريات الفكرية"، يتابع.

كما يُشير البرعي إلى أنه "لأول مرة" تضع الحكومة آليات لتنفيذ أهداف استراتيجية، مثل حديثها عن إصدار قانون لحماية المبلِّغين والشهود، وقانون لتداول المعلومات، وقانون لإيجاد وسائل بديلة للحبس الاحتياطي، وهي أشياء كان يطالب بها المجتمع المدني في الأساس، مؤكداً على أهمية النقاش التي طرحته الاستراتيجية حول أمور مثل إلغاء ذِكر الديانة في خانة بطاقة الهوية، وتوثيق الطلاق، والإشارة إلى مصطلح "مناهضة التعذيب"، "لأول مرة"، و"استبدال الحبس الاحتياطي بوسائل أخرى".

في المقابل، يقول عيد إنه لا يرى رغبة جادة في تحسين حالة حقوق الإنسان، مستنداً على ما يعتبر أنه "عدم احترام سيادة القانون مثل التجاوزات التي تحدث في ملف الحبس الاحتياطي الذي يتجاوز فيه بعض المحبوسين الحد الأقصى لمدة حبسهم احتياطياً (عامين) وحبس المعارضين في الرأي".

وبرأي عيد، هذا ما أدى إلى لجوء اللجنة لحقوقيين غير مستقلين، معروفين بتجميل صورة النظام، كمشاركين في وضع الاستراتيجية، "ما أدى إلى خروج هذا المسخ الذي يُسمى استراتيجية، وذلك لغياب التشخيص الصحيح".

أطلق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 11 أيلول/ سبتمبر، "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، وهي الأولى من نوعها في تاريخ الدولة المصرية، كما أعلن عام 2022 عاماً للمجتمع المدني

يوضح عيد أن الاستراتيجية تغيب عنها الإشارة إلى أن أغلب الانتهاكات ترتكبها أجهزة الدولة، ولا تنجم عن قلة وعي المواطنين أو غياب التشريعات أو إيذاء مواطنين لمواطنين آخرين، ويضيف: "لا توجد إشارة إلى ممارسات سيادية من قِبل بعض الأجهزة، أو إلى غياب دور النائب العام في منع الانتهاكات التي تحدث ضد بعض السجناء والمحبوسين، أو تكميم الإعلام... يتحدثون عن وجود تعدد أفكار في الإعلام وهو تعدد في القنوات لكن لا يوجد تعدد في الخطاب، فنحن نعلم أن الإعلام مُسيطَر عليه من قِبل الدولة، وهناك قوائم للممنوعين من الاستضافة على القنوات الفضائية أو الكتابة في الصحف".

كيف تكون فعّالة؟

"أُشبّه الاستراتيجية يإعلان للنوايا، ويجب أن تُعامل في حدودها. ليس معنى أنها صدرت اليوم أن حالة حقوق الإنسان أصبحت وردية... هي خطوة كبيرة وشجاعة للمجتمع المدني، فهو انتصر انتصاراً مبدئياً في معركته، في وقت تقول الناس فيه إنه لا يوجد أي مجال للانفتاح أو التغيير. في وسط ذلك أنت، كحقوقي، تقدّمتَ خطوة إلى الأمام، وتم الاعتراف من قِبل الحكومة بأن حالة حقوق الإنسان يجب أن تتحسن. هنا علينا التركيز على الخطوات المُقبلة"، يقول البرعي، مؤكداً على عدم إعطاء الاستراتيجية "أكبر من حجمها".

يمكن للاستراتيجية أن تكون فعّالة، إذا أُشرك "الحقوقيون المستقلون" في النقاش حولها وحول تطبيق بنودها، بحسب عيد، الذي يضيف أن الخطوة الأولى هي الإشارة إلى الأخطاء مع الاعتراف بها، ثم احترام القوانين، فـ"95% من الانتهاكات في تصورنا ستنتهي لو احتُرم الدستور والقانون، والجزء المتبقي سيكون عبر دعوة الحكومة للمجتمع للسير في ركاب خططها لتحسين حالة حقوق الإنسان".

من جهته، يعتبر البرعي إنه لا يوجد أحد يعرف نية الحكومة الحقيقة حول تنفيذ أهداف المبادرة إلا "ربنا المُطّلع على النوايا". لكن في نفس الوقت، يشير إلى دور الحقوقيين في متابعة خطواتها التنفيذية، وتقديم مقترحاتهم دوماً مثل مشروع قانون حماية المبلغين، وطلب النقاش حولها.

ويرى برعي أن المنظمات الحقوقية المختلفة "فرضت دورها" بإطلاق الاستراتيجية، فـ"الناس كانت تظنّ أنها انتهت بعد حبس الناس والمنع من السفر، لكنها لا تزال موجودة وتطرح نفسها كرقم، هي وزملائها في الخارج، والأصدقاء داخل الحكومة".

بالانتقال إلى إعلان عام 2022 عاماً للمجتمع المدني، يقول عيد ساخراً إنه يتخوف من ذلك الإعلان ويعلّق: "لمّا أطلقوا عاماً للشباب (عام 2016) شهدت مصر أكبر حملات قبض عشوائي، ولمّا قالوا عام المرأة (2017) شهدنا إفلات المتهمين من العقاب في قضايا عديدة تخص المرأة والتحرش والانتهاكات، فبالتالي عندما يُقال إنه عام المجتمع المدني، أخشى على مصيره".

البعض يختلف في الرأي حول مُخرجات النظام، بحسب البرعي، لإغفاله أحياناً أن أي نظام في العالم ليس كتلة واحدة. "هناك أجنحة مختلفة. كان هناك أعضاء في الحكومة رافضون لبعض الأمور في الاستراتيجية والباقون وافقوا. فالعملية ديناميكية. لا أرى في الاستراتيجية أو إعلان العام المقبل عاماً للمجتمع المدني عيباً، بل هي خطوات تصاعدية في إطار تحقيق المجتمع المدني لأهدافه حتى لو ببطء، وهذه هي حيوية العمل السياسي والحقوقي"، يقول.

ويتابع البرعي أن ما يجري هو تحقيق انتصارات ليس بالضربة القاضية، ويتابع: "ممكن أن تكون خطوات الحكومة غير كافية، لكنها تبقى خطوات لن يفيد التعامل معها بالسخرية بل بالصبر والبناء عليها".

ووسط الآراء المنقسمة حول الاستراتيجية الجديدة، يبقى الوقت هو العامل الحاسم لتأكيد أو نفي الرغبة في تحقيق أهدافها، فهناك خطة مُفصّلة يُنتظر البدء في تحقيقها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard