رأيت أريحا أكثر من مرة

الثلاثاء 21 سبتمبر 202112:19 م

رأيت أريحا أكثر من مرة، كيف؟ أولاً في الطريق إلى رام الله مررت بها، رأيت منها جانباً واحداً فقط، الحدود والفنادق بعدها. والمرة الثانية رأيتها على المياه المعدنية؛ في كل بيت في رام الله، في كل مطعم، في كل مقهى، نقرأ: "مياه جريكو". والمرة الثالثة ذهبت لزيارتها زيارةً ارتجالية.

أريحا أو "يريحو" كما كان يسميها الكنعانيون، ويعنون بها "مدينة القمر" هي أقدم مدينة على وجه الأرض، نرى فيها تاريخاً جافاً لما مرّ عليه من أيام، ولأنه واقف طوال النهار تحت شمس حارقة، الناس في أريحا يميلون إلى السُّمْرةِ، يركبون الدراجات الهوائية كوسائل نقل، كما يستخدمون سيارات فارهة أيضاً. قد يكون الأمر متعلقاً بالمال، وقد يكون مجرد تقاليد اعتادوها.

النخل منتشر وباسق في أريحا، تماماً كحراسٍ يراقبون المدينة، والقصور التاريخية تعتلي الجبال، لا سبيل إليها إلا التلفريك، الذي نركبه لننظر إلى الأرض فنراها زرقاء لامعة بفعل الفسيفساء التي تزين أرض البلدة القديمة، والطواويس تنتشر حول النوافير الموزعة في كل زاوية من زوايا البلد.

هدم أسوارها النبي يهوشع، الذي بشّر بالتوحيد أيام كان أهلها يعبدون الأوثان، صب عليها ثلاث لعنات لأنها كانت عصية عليه، ولم يدخلها إلا بمعونة راحاب المومس التي أعطاها الأمان فيما بعد بحسب الرواية التوراتية. وبعد سنين رفع حيئيل أسوار أريحا، فمات ابنه البكر بلعنة يهوشع، وحين بنى المدينة مات ابنه الثاني بلعنة يهوشع أيضاً، ولحق بهما الثالث حين سكنها.


وأنا أحبّك

تحملين إليَّ أقمار الغياب جميعها

وتحرمين عليّ و جهكِ

كم أريحا سوف تقتل عاشقاً؟!

كم مرةٍ سيخونني سيف الحنين؟!

في أريحا يجرب المرء نفسه في الحب، يجرب نفسه في التأمل، ويجرب نفسه في الضياع بين حقب التاريخ المتقلبة تقلّب الرايات، ويجرب نفسه في العودة، فهي الباب الوحيد للدخول، إن دخلتها ولم تخرج/ي فإنك عدت، وإن خرجت فإنك عدت أيضاً، ولكن للمنفى وليس إلى الوطن.

أريحا مدينة التجارب، حتى الشيطان طلب من المسيح أن يلقي نفسه عن الجبل ليجرب الله في أريحا، عند دير قرنطل، أو جبل الأربعين الذي صار اسمه "جبل التجربة"، وهو واحد من تلك الجبال التي تسوّر أريحا، حينها أجابه المسيح: "لا تجرب الربّ إلهك".

في أريحا أو "يريحو" كما كان يسميها الكنعانيون، ويعنون بها "مدينة القمر"،نرى تاريخاً جافاً لما مرّ عليه من أيام

الحرارة في غور الأردن هناك مرتفعة جداً، تسخن فيك الرغائب على اختلافها، تثير فيك رغبة الهروب من الشمس، أو الاحتراق فيها على حد سواء. في زيارتي الأولى كان الفصل شتاءً، فسلكتها سلوك الأمويين إذ اتخذوها مشتى؛ طقس معتدل ومنظر شفيف. وإن كنت فعلتها مرة، فإن الفلسطينيين يفعلونها دائماً، إذ يمتلك الأثرياء منهم بيوتاً في هذه المدينة المشمسة، مهما بعدت مدنهم اليومية أو اقتربت.

على كل حال، سوف أعود إلى أريحا بعد أيام، وأطل منها وهي أخفض مدن العالم، على فلسطين، وهي تعلو في المشهد والبال والذاكرة، وأنا أعود إلى الأردن مودعاً.

أريحا أول الدنيا،

أريحا آخر الأشياء،

في الحزن الكبير،

وفي الرحيل، وفي الرجوع،

وفي الكتابة، والصبابة،

حين قلبكَ يفتح الأسرار والقصص القديمة،

حين خوفكَ يغلق السِّيَرَ العظيمةَ والحقائب،

حين ترسب ذكريات الأهل من زمن العمالق في الدماء،

تجيء من قمر أريحا، ثم تفتتح البكاء.

لماذا تبدأ الدنيا من الوديان متعبة،

وتصعد فوق أكتاف الجبال كأنها سيل يفيض ولا يفيضْ؟

لماذا حين نغرق في الكلام عن الحضارات العنيدة،

تطلعين من الشفاه كما النشيدْ؟

وأنتِ الوعد بالموت الطويل وأنتِ لعنات النبي، وأنتِ ماؤك مالح، ويداك سوداوان، متعبتان من صكّ السيوف ومن نحاس الأولين.

ومن دموع الخارجين إلى دموع العائدين.

تمسدين النهر:

"لا أحدٌ يجرّب ربَّه أبداً، فجربْ أن تعود، وجرب الدنيا وراء النهر، أو في الما وراء"

لا شيء بعدك، أنت وحدك يا أريحا الحقُّ،

والباقي تجاربْ،

لا شيء قبلك، كنت واقفة إزاء اللهِ،

والدنيا خرائبْ

أريحا أول الدنيا،

أريحا آخر الأشياء!

عندما تأخرت وعلي الزهيري عن أمسية الخليل، كنا واثقين من أن مدينة اتخذت اسم إبراهيم وهيئته، لا بد أنها اتخذت صفاته أيضاً، ولم يحط على البال سوى عبارة واحدة: "إن إبراهيم لأوّاهٍ حليم". هكذا يحضر النص الديني في فلسطين، ككلام محكي، في هذه البلاد التي ما إن نركب خطها التاريخي، حتى نصل إلى السماء، كأن أهل السماء أسلاف شعبها ومواليهم.

أريحا مدينة التجارب، حتى الشيطان طلب من المسيح أن يلقي نفسه عن الجبل ليجرب الله في أريحا، عند دير قرنطل، أو جبل الأربعين الذي صار اسمه "جبل التجربة"

تأخرنا عن المدينة التي تجلس في آخر الضفة الغربية جلوس الواثقات الوازنات، والكل يأتي إليها إما لتجارة أو لصلاة في الحرم الإبراهيمي، أو لمصافحة أهلها، غريبي المزاج طيبي العشرة، شديدي الحرص. هناك كان الناس في المسرح قدماً في الحنق وأخرى في المغفرة، فقد تأخرنا كثيراً بسبب الطريق الجديد البديل، الذي أنشأه الفلسطينيون بعد أن سرق الاحتلال طريق الخليل التاريخي المتاخم للقدس المحتلة، فتهنا في منعرجات وادي النار، وتوقفنا على الحواجز الأمنية لجيش الاحتلال مرات عدة، وقد لمح أهل خليل الرحمن ذلك على وجوهنا، فعفوا وما كان أجمل عفوهم، وهم يصفقون مستقبلين إيانا، واضعين الحنق خلف ظهورهم.

هذا التأخير لم يسمح لي برؤية الخليل إلا في عيون أصحابها، الشدة واللين، والغلظة والألفة، الحب والحذر، الخوف والترحاب، كل هذه الصفات قفزت من العيون، وحفلت بنا كما حفلنا بها. سيحدثني الزهيري لاحقاً عن زيارته الثانية للمدينة، وعن تقسيمات الحرم الإبراهيمي المذلة مكانياً وزمانياً بيننا واليهود المحتلين. وسوف يحدثني عن غزال رآه يركض على السفوح، مؤتلفاً مع مشهد مفتوح كأنه من الخيال.

سوف يحدثني أيضاً عن أطفال المدينة وهم يسخرون من جنود الاحتلال الموزعين في الأحياء، حيث احتل المستوطنون بيوتنا في المدينة التي نسيت خرافتهم أن تضمها بوصفها مدينة أبينا جميعاً يهوداً ومسيحيين ومسلمين، إلا أنهم تذكروها عام 1967، فاحتلوها، كي يطلقوا منها خرافتهم مرة أخرى، ورغم عودة المدينة إلى حضن البلاد في اتفاق أوسلو، إلا أن المستوطنين لم يتركوها وشأنها، فشانهم بصق الأطفال عليهم وإهانتهم، فانتقموا بإعلاء صوت الموسيقى والتراتيل التوراتية، لحظة انطلاق الأذان من أفواه المساجد.

بعد أعوام سأزور الخليل، وسأمشي فيها، وسيلوي الوقت ذراعي مرة أخرى فلن أرى الحرم الإبراهيمي، ولا الغزال الذي خطا في خاطر علي الزهيري، وأكد الأصدقاء أنه كان يركض في الأفق فعلاً. فهل تملك بلادٌ مدينةً على هذا القدر من الالتباس؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard