دعا إلى الاجتهاد وكفّر الطاهر الحداد... محمد الطاهر ابن عاشور بين التنوير والتكفير

الأربعاء 22 سبتمبر 202109:57 ص


حاز الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور (1879-1973)، في المخيال التونسي، مكانةً لم يحزها رجل دين في الأزمنة الحديثة، إذ يوصف بالعلامة، والإمام الأكبر، وشيخ الإسلام، وغيرها من الصفات التي تحيطه بهالة من التبجيل والتقديس.

كأي رجل دين، وضع ابن عاشور التصانيف في التفسير، والشريعة، والفقه، والحديث، والأدب، على عادة رجال الدين القدامى. غير أن ما يلفت الانتباه، هو أن الصورة المعاصرة له في الأذهان، تربطه بالوسطية، والاعتدال، والتنوير، حتى غدا مضرب مثل في ذلك، عند مَن يوصفون اليوم بالحداثيين، من النخبة.

هاجس الإصلاح والتجديد

يعود أصل ابن عاشور، إلى أسرة أندلسية انتقلت في مطلع القرن السابع عشر، إلى المغرب، فراراً من حملة التطهير التي شنتها محاكم التفتيش ضد المسلمين، ومنها إلى تونس. عُرفت الأسرة باهتماماتها العلمية، وبقربها من السلطة. تعلّم الشيخ في جامع الزيتونة، وتخرج منه، ثم عاد إليه مدرّساً.

شغل ابن عاشور مناصب ووظائف عدّة، إذ سُمّي نائباً عن الدولة، في نظارة جامع الزيتونة، عام 1904، وكان عضواً في لجنة تنقيح برامج التعليم، عام 1913، كما سُمّي في العام نفسه، قاضياً مالكياً للجماعة، وشيخ الإسلام المالكي عام 1932، وشيخاً لجامع الزيتونة، وفروعه، عام 1944، وعميداً لجامعة الزيتونة عام 1956.

عاصر الشيخ مرحلة مهمة من تاريخ تونس، والعالم العربي، في حقبتي الاستعمار، وفجر الاستقلال. لذلك لعب أدواراً عدّة في إصلاح التعليم الزيتوني، ونشر كتابه "أليس الصبح بقريب؟"، الذي عرض فيه تصوره لعملية إصلاح ما باتت تعاني منه المنظومة التعليمية التقليدية في الزيتونة، من جمود وتخلف، خلافاً لما تحظى به مؤسسات التعليم العصري، مثل المدرسة الصادقية، جاعلاً الإسلام أساساً لأي إصلاح، بوصفه عامل قوة ونهضة، ومنطلقاً من إيمانه بأن التعليم هو أساس نهضة الشعوب، وتقدم الأمم.

كما اهتم ابن عاشور بعلم المقاصد، في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، الذي بيّن فيه، نظريّاً على الأقل، أهمّية إعادة فتح باب الاجتهاد، من دون الخروج عن أصول الإسلام، لأن المدونة الأصولية لم تعد وفية للتأقلم مع حاجات العالم الإسلامي، في زمنه.

ويقول ابن عاشور عن كتابه المذكور: "دعاني إلى صرف الهمّة إليه، ما رأيت من عسر الاحتجاج بين المختلفين في مسائل الشريعة، إذ كانوا لا ينتهون في حجاجهم، إلى أدلة ضرورية، أو قريبة منها، يذعن إليها المكابر، ويهتدي بها المُشبّه عليه".

واهتمّ ابن عاشور أيضاً بشتى العلوم التقليدية، وبرع فيها، من دون أن يكتفي بالعلوم الإسلامية المعروفة، من حديث، وتفسير، وفقه، وأصول فقه، وغيرها، بل اهتم أيضاً بالأدب، واللغة، والشعر، فحقّق ديوان بشار بن برد، والنابغة الذبياني، وأصدر عدداً من الكتب التي تُعنى بالأدب.

ويبقى تفسيره "التحرير والتنوير"، الذي كتبه في ثلاثين جزءاً، أهم منجزاته. ويقول عنه: "فجعلت حقاً عليّ، أن أبدي في تفسير القرآن نُكَتاً لم أرَ من سبقني إليها، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين، تارة لها، وآونة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاذ".

تكفير الطاهر الحداد

عام 1930، أصدر شاب تونسي من خرّيجي جامع الزيتونة، اسمه الطاهر الحداد (1899-1935)، كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، بعد قرابة سنة من تأليفه. ربما كان يعلم سلفاً أنه يرمي أكثر من حجر في بركة، ولكنه لم يتوقع شراسة الحملة التي سيجابَه بها، هو وكتابه الذي فتح عليه النيران من كل جانب.

وجد الحداد نفسه، وجهاً لوجه، مع الشقّ المحافظ في مؤسسة الزيتونة نفسها، التي لم تكن لتتسامح مع مَن يغادر إلى بوتقة التفكير من خارج النسق الديني التقليدي، فسارعت النظارة العلمية للجامع (المجلس العلمي)، بعد أيام قليلة من صدور الكتاب، إلى إرسال رسالة إلى الوزير الأكبر خليل بو حاجب، لـ"حجز الكتاب"، لأنه "كان مشتملاً على مخالفات شرعية، وأقوال لا يسع المسلم السكوت عنها"، وذلك "حتى لا تنتشر تلك الأفكار العقيمة، وتنام الفتنة"، حسب نص الرسالة التي وقّعها خمسة شيوخ، يرأسهم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور نفسه، مع أنه يدعو إلى فتح باب الاجتهاد.

"البنية الفكرية للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، بنية سلفية أرثوذوكسية، لا تختلف عن البنية التقليدية المكرّسة، إذ يتمسّك بالخلافة، في ردّه على علي عبد الرازق، ويؤيّد الجلد، وقطع يد السارق، ويرفض حرية المعتقد، ويقول بقتل المرتدّ"

وإذا كان التوجه إلى السلطة السياسية، لمنع الكتاب، طبيعياً، إذ يعكس علاقة السياسة بالدين، فإن ما يثير الاستغراب هو الأحكام التي أُسقطت على الكتاب، دون جدال، أو مُحاججة علمية لما ورد فيه من أفكار.

أُعفيَ الحداد من عمله، في الجمعية الخيرية الإسلامية، لأسباب واهية قبل أن يصدر تقرير اللجنة العلمية التي ترأسها محمد الطاهر ابن عاشور، بنفسه، وقدمت تقريرها الذي يؤكد أن أفكار الحداد خرجت عن تعاليم القرآن، وتضمنت اعتداءً على النبي، وبعدها بشهر، أُعفي من شغل خطة الإشهاد.

في كتاب "تاريخ التكفير في تونس"، يقول الكاتب التونسي شكري المبخوت: "هكذا إذن حكم ‘إكليروس الزيتونة’، في شهرين تقريباً، إذ صدر كتاب ‘امرأتنا في الشريعة والمجتمع’، يوم 3 (تشرين الأول)/ أكتوبر 1930، على مفكر مجتهد، ومصلح من طينة نادرة، بالكفر، فضيقوا عليه في معاشه، وقوت يومه، وحرّضوا العوامّ والجهلة عليه".

أطلق الحداد جملته الشهيرة: "لقد كثرت المهازل في هذا البلد"، تعليقاً على التقرير، ولكن تواصلت حملة التكفير التي قادها زعماء الزيتونة، وشيوخها المحافظون، تحت إمرة ابن عاشور، فصدرت كتب عديدة، على التوالي، تهاجمه، مثل كتاب "الحِداد على امرأة الحداد"، الذي صدر بعد مصادقة ابن عاشور عليه.

ذلك كله يضع محل تساؤل، ما يقال عن سماحته، ووصفه بالاعتدال، والوسطية، والتنوير، كله، ذلك أن التكفير مدعاة للقتل ضد كل مَن يصدر في شأنه حكم بالكفر والردة، أو أنها، على الأقل، تضع على المحك ما سبق أن نظّر له في كتبه، عن الاجتهاد، والحرية، والتسامح.

حقيقة "التنوير" في فكر ابن عاشور

البنية الفكرية للشيخ، بنية سلفية أرثوذوكسية، لا تختلف عن البنية التقليدية المكرّسة، إذ يتمسّك بالخلافة، في ردّه على علي عبد الرازق، ويؤيّد الجلد، وقطع يد السارق، ويرفض حرية المعتقد، ويقول بقتل المرتدّ.

ونفى أن يكون ذلك إكراهاً في الدين، ذلك أن حرية اعتقاد المسلم، برأيه، "محدودة له بما جاء به الدين الإسلامي مما تتكون جامعة المسلمين بالاتفاق على أصوله... فإذا ارتدّ أحد عن الإسلام جملة، بعد أن كان من أهل الملة، فقد نقض العهد الذي دخل به في الإسلام، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن لم يتب، قُتل تطهيراً للجامعة من عروق الأدواء المهلكة..." (أصول النظام الاجتماعي).

"المستقرئ لكتابات الطاهر ابن عاشور، وفتاويه، ومواقفه، يمكنه أن يلاحظ أنّ مساره عكسيّ تماماً، بمعنى أنّه يطوّع مقولات الحداثة للموروث الديني، وبالخصوص الموروث الفقهي، ممّا يجعل لذلك الموروث الكلمة العليا دائماً"

ويرى الباحث التونسي نادر الحمامي، أنّ العَلَم الدينيّ الأوّل، الذي غالباً ما يقفز إلى الأذهان عند ناشري مقولة "الوسطيّة والاعتدال" الزيتونيّين، عن قناعة، أو بشكل "تكتيكيّ"، وكذلك عند مؤصّلي "التنوير"، في الفكر الديني، هو محمد الطاهر ابن عاشور.

ويقول، لرصيف22: "إنّ عدّ الطاهر ابن عاشور تنويريّاً، بالمعنى المتداول اليوم للتنوير، يقوم على قلب واضح لمنطلقات الشيخ. إنّ التنوير، وإن كان في أحد وجوهه يقوم على إخضاع القيم التقليديّة، والمحافِظة، لمقولات التقدّم والحداثة من داخل المنظومة، في مقابل ‘الأنوار’ القائمة على القطيعة، فإن المستقرئ لكتابات الطاهر ابن عاشور، وفتاويه، ومواقفه، يمكنه أن يلاحظ أنّ مساره عكسيّ تماماً، بمعنى أنّه يطوّع مقولات الحداثة للموروث الديني، وبالخصوص الموروث الفقهي، ممّا يجعل لذلك الموروث الكلمة العليا دائماً. وهذا بالإضافة إلى أنّ الأمر لا يتعلّق عنده بمبادرة ذاتيّة، في أغلب الأحيان، بل هو واقع تحت وطأة الضرورة والاستجابة للأمر الواقع الّذي يفرضه السياسي، أو الاجتماعي. وبذلك يمكن أن نرى في مواقفه وآرائه، ما يكشف بوضوح تامّ عن أنّ ما عُدّ مواقف تنويريّة عنده، هو في جوهره ضروب من ‘الأسلمة’ أوّلاً، ومجاراة للقرار السياسي ثانياً، وتبرير للأمر الواقع ثالثاً".

فضاء العالم والفقيه التقليدي

من جانبها، ترى الباحثة التونسية لمياء العبيدي، أن مقولات التنوير، والوسطية، والاعتدال، يصعب اتخاذها بوصفها مقاييس حاسمة، إنما هي مجرد تصنيفات لمسار فردي، معقد ومتشابك، كنموذج الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور الذي يمثّل "جيل الفقيه والعالم الذي جمع بين الوظائف التقليدية، التي تُعهد عادة إلى نموذج الفقيه والعالم، مع محاولته إيجاد حلول، وتسويات ممكنة، داخل الفكر العام، من خلال زرعه مجموعة من المقولات، من قبيل: المقاصد، والأصول، والتسامح، والاعتدال... فقد تصدى لتأويل النص القرآني، وسيرة نبي الإسلام، وسننه، ودفع لإعادة تملك هذا المتقاسَم الجمعي، من خلال اقتراح قراءة مبتكرة في سياقاتها التاريخية للفكر الديني، تدعو إلى مزيد من الاعتبار بالمقاصد، وتجاوز نوازع التشدد جميعها، تواؤماً مع مقتضيات التحديث".

وتضيف الباحثة في حديثها لرصيف22، أن ابن عاشور "حاول البحث عن آليات تجعل المنظومة الإسلامية قادرة على مواجهة التحولات، وانقلاب ظرفية القرن الـ20، خاصةً أمام سرعة نسق تلك التحولات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، الطارئة منذ مَوفى القرن الـ19، على المجال العربي والإسلامي بصفة عامة، وذلك عبر إعادة موضعتها، من خلال الإحاطة بنقطتين: تقديم الإسلام، أولاً، على أنه منظومة عقدية خاضعة لأصول قادرة على التدخل في المسارات الفردية والجماعية، وثانياً، على أنه منظومة شرعية خاضعة لمقاصد تتماهى، وتعكس روح الإسلام".

وتؤكد الباحثة أن ابن عاشور "اتخذ من مقولة مقاصد الشريعة، آلية لنفي أي تعارض ممكن بين المحدث، والمنظومة الإسلامية، وتالياً أقرّ بإمكانية تدخل الإسلام في الميدان التشريعي، أي إصدار الأحكام، إلا أنه لم يتمكن من الذهاب بعيداً بجملة هذه الأفكار، حال محاولته تنزيلها داخل الواقع. وهو ما يبرز بشكل جلي، حال تتبع موقفه من مسألة نظام الحكم، الذي جاء من خلال دحضه لمقولات علي عبد الرازق، في كتابه ‘نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم’، وتبنيه لمقولة الخلافة، وعدّها مشروعاً يجمع ‘الأمة’".

وتخلص الباحثة إلى أن "تبنيه لمقولة المقاصد، أو طرحه لقضية الشريعة، لا يعني أنه تبنى مقولات الدولة المدنية، والقوانين الوضعية، بل ما قام به كله، هو تمهيد آليات تتحرك من خلالها المنظومة الإسلامية، وطرحها، وهذه الآليات استغلتها الأجيال اللاحقة، إلا أنه لم يبرح فضاء العالم، والفقيه التقليدي".

أما عن صورة الشيخ الزيتوني التنويري الوسطي المعتدل، التي أُضفيت إليه، فتردّها الباحثة إلى جملة من العوامل، أبرزها أهمية منجزه المعرفي، والذي مثلت فيه الإسلاميات أبرز مكوّن، فهو تقريباً مسّ غالبية روافد الفكر العالم (تفسير القرآن من خلال مصنفه التحرير والتنوير، بالإضافة إلى الفتاوى، والأحاديث...)"، بالإضافة إلى علاقته بالزيتونة، "فقد ارتبط مساره الفردي بالتحوّلات كلها التي عرفها، فانتقل من متعلم، إلى مدرّس، إلى شيخ الإسلام، إلى منظّر لمشروع إصلاح الزيتونة، وهو ما عمل على تطبيقه لاحقاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard