لذلك، لا أنتظر من الأزهر أي تجديد في الخطاب الديني

الاثنين 7 يونيو 202112:15 م

تعلّمت، كصحافي، ألا أغترّ بالعناوين، وأن أنتبه جيداً للشروط التي تصاحب الفتاوى القانونية والدينية، وأن أركّز على الكلمات الفضفاضة. لذلك، حين وجدت أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب يتصدر المواقع الإخبارية بسبب بعض فتاويه التي أطلقها مؤخراً، والتي صوّرها البعض على أنها "انتصار للحريات"، واتهمه البعض الآخر بـ"التخلي عن الثوابت"، جلست أشاهد حلقات برنامجه الذي أطلق من خلاله تلك الفتاوى بعيداً عن الحذف و الاقتضاب. بعد المشاهدة قلت: "يبقى الوضع على ما هو عليه". فليس هناك أي جديد أو أي تجديد في الخطاب الديني. وكل ما قيل عن "فتاوى" انتصرت للمرأة وللحريات، ليست إلا ترسيخاً لمبدأ الوصاية كون الإنسان لا يملك حريته. وهذا ما يجعلنا لا ننتظر أي تجديد في الخطاب الديني من الأزهر. لماذا أقول ذلك؟

ابدأ من فتوى "الطيّب" التي عدّها البعض انتصاراً للمرأة، بقوله إنه يسمح للمرأة بالسفر وحدها متى كان السفر آمناً. والسؤال: من يحدد إن كان السفر آمناً أم لا؟ تلك كلمة فضفاضة تحتمل التأويل. فلنفترض أن هناك سفراً غير آمن، لكن المرأة وافقت عليه، وتحملت عواقبه، مثل سفر الصحافيات لتغطية الحروب والنزاعات، ماذا سيكون الموقف؟ في تلك الحالة، كما يتضح من "فتوى" الطيّب، يحق لولي المرأة أن يمنعها من السفر، وهنا تظهر حقيقة الفتوى؛ ليس من حق المرأة ككائن عاقل مسؤول عن تصرفاته أن تتخذ قراراً، وتتحمل عواقبه. هناك وصي عليها ورقيب، ولو فعلت ذلك فمن حق "وليّها" أن يمنعها بحكم الشرع. وتكتمل الصورة حين نُدرك أن هذا لا ينطبق على الرجال، وهو ما يجعل تبرير "الطيّب" بأنه يحق للأسرة منع المرأة لأن لها حقاً عليها، تبريراً واهياً لأن للأسرة حقاً على الرجل أيضاً، لكنه لا يخضع لأي شرط.

كما يتضح من "فتوى" الطيّب، يحق لولي المرأة أن يمنعها من السفر، وهنا تظهر حقيقة الفتوى؛ ليس من حق المرأة ككائن عاقل مسؤول عن تصرفاته أن تتخذ قراراً، وتتحمل عواقبه

الرأي نفسه نجده في فتوى "الطيّب" الخاصة بالزواج، والتي يوضح فيها شيخ الأزهر التالي: "لا يحق للولي أن يمنع المرأة من الزواج بمن تريد إلا إذا كان هناك سبب مقبول". هنا نعود إلى الثنائية نفسها: كلمة مقبول فضفاضة، وتحتمل التأويل. وما يراه "الولي" مقبولاً، قد تراه المرأة غير مقبول، بل إن العدل يقول: لو اجتمع الناس كلهم على شخص غير جدير بالزواج من امرأة، لكنها وجدته جديراً بها، فلتتزوجه، فهي وحدها من ستعيش معه.

لكن هذا غير معترف به عند الأزهر، فلو كان هناك سبب "مقبول" لرفض الزواج من وجهة نظر الولي، يحق له أن يمنع المرأة من الزواج بمن تريد في تكريس واضح للوصاية. وحتى لا يتهمنا البعض بالتجنّي، قائلين إن الأمور لا تتم بهذه الحدة، أقول إنه في النهاية هناك "حق" منحته المؤسسات الدينية، يظل في يد "الولي" كورقة أخيرة للحسم. وفي المقابل، لا تُصرف هذه الورقة مع الرجال الذين يحتفظون بحقهم بالزواج ممن يريدون.

أما الحديث عن حق المرأة في تولي الوظائف العليا في الدولة، فتلك فتوى ليست جديدة كما ظن البعض، ومعمول بها في مصر منذ زمن. يبقى ما قاله "الإمام" عن بيت الطاعة، وأنه ليس من الإسلام، إلا أن ذلك ظل في مستوى الحدث. فالواقع أن "بيت الطاعة" موجود في القوانين إلى الآن، ومقترح قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي طرح منذ أشهر قليلة خلا من أي حديث عن إلغاء "بيت الطاعة".

التأكيد على أنه لن يكون هناك جديد في تحريم ما جاءت به "الحدود"، يعني ببساطة غلق الأبواب أمام مطالب الحرية، ومنها الحرية الجنسية

إلى جانب تلك الفتاوى، وفي البرنامج نفسه، قال شيخ الأزهر إن هناك أموراً ثابتة لن يكون هناك تجديد فيها، وهي الأمور التي وصفها بـ"النصوص القطعية"؛ وهي العبادات والحدود والمواريث. وبعيداً عن العبادات التي لا يطالب أحد بتجديدها – إذ ليس هناك عاقل يطلب أن تكون صلاة الظهر ثلاث ركعات بدلاً من أربع- فإن التأكيد على أنه لن يكون هناك جديد في تحريم ما جاءت به "الحدود"، يعني ببساطة غلق الأبواب أمام مطالب الحرية، ومنها الحرية الجنسية، لتظل "الرقابة على أجسادنا" حاضرة. إذ إن هذا التحريم يتحول إلى "عقوبات" كما هو حاصل الآن إذا ما مارس أحد الجنس خارج منظومة الزواج.

أما في ما يتعلق بالمواريث التي تأخذ حيزاً كبيراً من مطالب تجديد الخطاب الديني، فقد أكد "الطيّب" أنه لن يكون هناك تجديد فيها، ذاكراً بالنص مطالب مساواة المرأة بالرجل في الميراث، وواصفاً ذلك بالمستحيل، وبأنها ليست إلا مطالب "غربية" لا تمت إلى الإسلام بصلة، على الرغم من أن تونس مثلاً أقرّ هذا الحق مستنداً أيضاً إلى تفسيرات دينية. لكن "الأزهر" لا يعتدّ إلا بتفسيره هو فحسب.

هل ننتظر أن يكون هناك تجديد للخطاب الديني من الأزهر؟ أنا لا أنتظر ذلك لإيماني بأن أساس تجديد الخطاب الديني هو المساواة بين الرجل والمرأة

هذا ملخص رؤية شيخ الأزهر لتجديد الخطاب الديني؛ المرأة ليست حرة، فهي في منزلة أدنى من الرجل الذي يحق له منعها من أبسط حقوقها، كالزواج والسفر. لن يكون هناك جديد في ملف المواريث، وأي مختلف لا يمت إلى الإسلام بصلة، والحرية الجنسية ممنوعة. وإذا كان هذا هو رأي الأزهر، فأي انتصار للحريات قد تحقق؟ كل ما تقوله تلك المؤسسة بين الحين والآخر تحت زعم "التجديد"، ليس إلا جرياً في المكان، يوحي للجميع أن هناك شيئاً يحدث، لكن في الحقيقة نحن لا نتقدم خطوة، لأن الأسس نفسها لا يطالها أي تغيير.

والسؤال الآن؛ هل ننتظر أن يكون هناك تجديد للخطاب الديني من الأزهر؟ أنا لا أنتظر ذلك لإيماني بأن أساس تجديد الخطاب الديني هو المساواة بين الرجل والمرأة، ومنح الناس حريتهم كاملة؛ يؤمنون ويكفرون كما يشاؤون، ويمنحون أجسادهم لمن يشاؤون، والله يحاسبهم في النهاية. ثم إن المسائل كلها التي أغلق الأزهر في وجهها باب الاجتهاد، هي ركيزة مطالب التجديد، فأي حديث إذاً يمكن أن نخوض فيه، وأي تجديد ننتظر؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard