النزاعات العشائرية في العراق... قوى مدعومة من أحزاب تعكّر صفو حياة المواطنين

الاثنين 13 سبتمبر 202103:38 م

تعلو أصوات الرصاص ويرتفع الصياح بين الأزقة الشعبية والطرق العامة. يندفع الناس إلى بيوتهم ويعتكفون داخلها خوفاً من إصابتهم بالرصاص العشوائي... هذه هي الجوانب المظلمة لواقع العيش في العراق، حيث تسود أعراف وممارسات تعكّر صفو حياة المواطنين، كالقصص التي حفلت بها الفترة الأخيرة.

خلاف على توسيع واجهة محل تجاري في قضاء الحصوة، شمال محافظة بابل، أسفر عن مقتل أخوين وإحراق عدد من المحال التجارية. عدم تقديم صحن أرزّ لأحد الضيوف خلّف قتيلين وعدداً من الجرحى في محافظة ميسان. وفي مندلي، شرق محافظة ديالى، أدّى هجوم مسلح إلى مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بسبب ثأر عشائري قديم بين عشيرتين.

بحسب أحد وجهاء محافظة بابل، طلب من رصيف22 عدم ذكر اسمه بسبب الوضع العشائري المتأزم في المحافظة، "يبدأ معظم المشاكل المسلحة عناصر عشائرية ذوو صلة بأحزاب السلطة من منطلق ‘أنا الدولة’، وهو ما تردده هذه الفئة في كل نزاعاتها، وتدفعنا بذلك للتدخل ورفع الجور وحفظ حقوق العشيرة منها".

ويشير الناشط الحقوقي من مدينة الصدر سلام عبد (26 عاماً) إلى أن عشائر معيّنة تحكم المدينة بـ"ثاياتها" (قوانينها العشائرية) الخاصة وتتدخّل في كافة شؤون الحياة.

ويضيف لرصيف22 أن البعض، وفي سبيل تحقيق غاياتهم، يقومون بدفع مبالغ مالية، حتى وإنْ كان في تحقيق هذه الغايات ظلم لأحد المواطنين، وأن قوى عشائرية "تتدخل حتى في بيع وشراء الدور السكنية، وفرض سعر مخفّض على البائع، إذا كان المشتري أحد أتباعها".

ويتّهم هذه الجهات بشراء صمت الأجهزة الأمنية بالمال أو التهديد بنقل الضباط والجنود إلى مناطق متأزمة أمنياً.

أسباب انتشار النزاعات العشائرية

يقول الشيخ أحمد تركي مصلح الجديع، شيخ عام عشيرة البو فراج في العراق والوطن العربي، لرصيف22، "إن ضعف القانون وعدم ثقة المجتمع بالسلطة، إضافة إلى التوتر الأمني، أدى إلى انتشار ثقافة النزاعات المسلحة في الشارع العراقي".

ويضيف أن "الشعب يحتاج إلى قوة الدولة في تنفيذ القوانين للحد من هذه الظواهر".

ويتابع أنه، في بعض الأحيان، وبسبب التدخلات في عملية إحقاق العدالة ويأس الأفراد من تحصيل حقوقهم بالطرق القانونية، يلجأ المواطن إلى العشيرة وإلى عرفها لاسترداد حقوقه، لافتاً إلى أن "القانون العشائري قاسٍ على الشخص المسيء، ويُحاسَب على خطئه من الأهل والأقارب أيضاً".

بدوره، يبدي الشيخ عبد السلام الجميلي، أحد شيوخ قبيلة الجميلات في قضاء الشرقاط، شمال محافظة صلاح الدين، اعتقاده بأن "تراجع الدور القضائي وفساد مفاصله من أهم أسباب لجوء الأفراد إلى العشيرة بدلاً من القانون، كما أنه من أبرز مسببات النزاعات العشائرية، ويُفسح المجال أمام توغل النفوذ العشائري داخل منظومة الدولة".

ويقول الشيخ عبد السلام لرصيف22 إن "غياب برامج التنمية البشرية وانتشار الجهل والأمية والخرافات الشعبية وفرض العادات والتقاليد الريفية على أبناء المدينة زادت من انتشار هذه الظواهر".

ويسجِّل الشيخ على الحكومات المتعاقبة منذ 2003 تجاهلها لنزع سلاح العشائر، ما أدى، برأيه، إلى ظهور ميليشيات مسلحة أخلّت باستقرار المنطقة واعتمدت لغة السلاح في حل مشاكلها.

ويربط تفشي ظاهرة اللجوء إلى القوة العشائرية بصراعات النفوذ بين قيادات إدارة الدولة وباختفاء الدولة المدنية وظهور دويلات عشائرية.

القانون والنزاعات العشائرية

يعتقد المحامي المختص بالنزاعات الأسرية والعشائرية محمد عبد الله أن "انتشار المجاملة في تطبيق القانون أدى إلى تفشي المحسوبية التي أجبرت المواطنين على اعتماد ‘الفصل العشائري’ (التعويض) لتحصيل حقوقهم ووضع حد لانتهاكها".

تعلو أصوات الرصاص ويرتفع الصياح بين الأزقة الشعبية والطرق العامة. يندفع الناس إلى بيوتهم ويعتكفون داخلها خوفاً من إصابتهم بالرصاص العشوائي... هذه هي الجوانب المظلمة لواقع العيش في العراق، حيث تسود أعراف وممارسات تعكّر صفو حياة المواطنين

ويوضح لرصيف22 أن "معظم المحامين يتجنّبون تولّي هذا النوع من القضايا خوفاً من ‘الدكة العشائرية’ (القوة)، رغم إن دستور 2005 رفض هذه الممارسات.

ونص الدستور العراقي الصادر عام 2005، في المادة 45 منه، على أن الدولة "تمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان"، كما أقر مجلس الرئاسة الاتحادي القانون رقم 13 عام 2005 الذي عرّف الإرهاب على أنه "كل فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة استهدف فرداً أو مجموعة أفراد أو جماعات أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية أوقع الأضرار بالممتلكات العامة أو الخاصة بغية الإخلال بالوضع الامني أو الاستقرار والوحدة الوطنية أو إدخال الرعب أو الخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى تحقيقاً لغايات إرهابية".

تخفت أصداء هذا القانون اجتماعياً، إذ تتكرر المشاحنات داخل المؤسسات الحكومية، وكان آخرها حادث مستشفى اليرموك في بغداد، في الثالث من أيلول/ سبتمبر، والذي تحطمت فيه ردهات المستشفى جراء خلاف وقع بين عشيرتين تحت أنظار العناصر الأمنية.



عقاب عناصر الأمن بنقلهم

مصدر أمني من مدينة الصدر، اشترط عدم ذكر اسمه ليتحدث، قال لرصيف22 "إن عمل الأجهزة الأمنية في المدينة محكوم برضا مافيات القبائل"، والتي "يتخوّف معظم الضباط من علاقاتها السياسية".

وروى قصة حصلت قبل مدة، عن رفض أحد الضباط إطلاق سراح متهمين بترويج المخدرات في المدينة، فاستعانت عشيرتهم بنفوذها السياسي لإطلاق سراح المجرمين ونُقل الضابط النزيه خارج المدينة.

تكثر مثل هذه الحالات، إذ تدعم العشيرة مرشحيها وساستها كي ينفّذوا مطالبها، والعكس: معظم المرشحين يلتفّون برداء العشيرة طمعاً بأصوات أفرادها في الانتخابات.

ويضيف المصدر: "تؤثر هذه السلوكيات على حيادية الأمن، فالضباط المنقولون أو الجدد يتجنّبون التدخل في النزاعات الاجتماعية تجنباً لنقلهم مجدداً".

تأثيرات النزاعات العشائرية على المجتمع

تتحول الشوارع إلى ميدان قتال عند احتدام النزاعات العشائرية وتتسبب بزهق أرواح مواطنين بعضهم مجرد عابري سبيل تطالهم بالخطأ طلقات نارية.

رسول علي (32 عاماً)، اسم مستعار لباحث اجتماعي من محافظة البصرة كتب على فيسبوك مستهزئاً بأحد النزاعات العشائرية التي اندلعت بسبب خلاف بين أطفال تطور إلى اشتباك بالأيدي ثم بالسلاح الخفيف، في منظر مألوف في المحافظة الجنوبية.

"هناك قوى عشائرية تتدخل حتى في بيع وشراء الدور السكنية، وفرض سعر مخفّض على البائع، إذا كان المشتري أحد أتباعها"

وردته مكالمة هاتفية من رقم مجهول حملت أول تهديد له، فأبلغ القوى الأمنية بالأمر، فاعتقلت الجاني بعد الاستدلال عليه... ولكن أطلق سراحه في اليوم التالي نتيجة لضغط عشيرته.

اتّصل نفس الشخص بعلي مرة أخرى بعد الإفراج عنه، متوعداً إيّاه بهدر دمه، فقرر الباحث مغادرة البلد نهائياً "لأنه لا يحمي مواطنيه".

ويتابع علي: "يعكّر صراع النفوذ عمل الدوائر الرسمية وليس الأمنية فقط. تطال المشاكل المستشفيات بسبب مريض، كما تنشب دوماً في دوائر التسجيل العقاري حينما تستولي العشائر على أملاك أحد المطلوبين لها وتطالب بتحويل ملكيتها".

أيضاً، تؤجج بعض العشائر الصراعات لإلهاء الأجهزة الأمنية وإبعاد نظرها عن عمليات تهريب المخدرات والنفط والسلاح، والتي ارتفعت وتيرتها داخل البصرة، حسب علي.

ويُرجع علي سبب تنامي هذه السلوكيات إلى عدم محاكمة الجناة، وتمسك بعض العشائر بأفرادها رغم خطئهم، و"هو ما زرع طمأنينة لدى هذه العناصر بعدم محاسبتهم على انتهاكاتهم قانونياً أو عشائرياً"، مضيفاً أن "القانون يطال أبناء العشائر الضعيفة دون غيرهم".

ووفقاً لمسح أجري عام 2017 ونشرته عام 2018 منظمة "سمول آرمس سورفاي" Small Arms Survey السويسرية المختصة بإحصاءات السلاح في العالم، يحتل العراق المرتبة الـ15 بعدد الأسلحة المرخصة، والمرتبة الـ24 بعدد الأسلحة، بمعدّل عشرين قطعة سلاح لكل 100 فرد، وهي إحصائية لا تشمل الأسلحة غير المعلن عنها والتي تدخل إلى البلد عبر التهريب.

وكانت الحكومة العراقية قد أطلقت عمليات الوعد الصادق لنزع السلاح المتفلت والقضاء على منافذ التهريب، إلا إنها فشلت في السيطرة على مخزون السلاح العشائري الذي يحوي مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة كالصواريخ والمدافع.

لا توجد حتى الأن إحصائية واضحة لعدد ضحايا النزاعات العشائرية. ورغم تراجع العنف والقتل الطائفي منذ زمن ليس ببعيد، لا يزال شبح رصاص العشائر يلاحق البعض ويبطش بالبعض وقد ينصف البعض الآخر في ملف داخلي معقد... ولكنه في كل الحالات يضع العراقيين بين متاهات قانون الدولة و"ثايات" العشائر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard