صوت يخترق الزمان ويد ذهبية وعلم بالغيب... كرامات السنة التي لا ينتقدها الشيوخ

الجمعة 15 أكتوبر 202101:12 م

يقول الإمام الشافعي في واحدة من قصائده المشهورة: "وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ/وَلَكِنَّ عَينَ السُخطِ تُبدي المَساوِيا". ينطبق البيت السابق -بشدة- على موقف المذهب السني من أخبار الكرامات والخوارق، فبينما اعتاد علماء أهل السنة والجماعة عبر القرون، توجيه سهام النقد والاتهام لكل من الشيعة والصوفية، بسبب الروايات الكثيرة التي تنسب الكرامات لكل من الأئمة والأولياء على الترتيب.

فإن علماء السنة قد اختاروا السكوت التام عن كل ما يتعلق بأخبار الكرامات التي نُسبت للأعلام من أهل السنة والجماعة، سواء كان هؤلاء الأعلام من طبقات الصحابة، التابعين، الفقهاء المؤسسين للمذاهب، أو حتى من أولئك الأعلام المتأخرين الذين مارسوا أدوارا مؤثرة في نصرة المذهب السني والدفاع عنه عبر القرون.

هذا التوجّه يدفعنا للقول بأن الهجوم السني على أخبار كرامات/ خرافات كل من الشيعة والصوفية، لم يكن أمراً يدل على عقلانية وموضوعية المذهب السني كما يروج له أتباعه، بقدر ما كان نوعاً من أنواع التدافع والصراع والتشنيع المذهبي البحت، ذلك الذي استُخدمت فيه جميع الوسائل والأدوات بغض النظر عن موضوعيتها أو موافقتها للعقل.

اختار علماء السنة السكوت التام عن كل ما يتعلق بأخبار الكرامات التي نُسبت للأعلام، سواء كان هؤلاء الأعلام من طبقات الصحابة، التابعين، الفقهاء المؤسسين للمذاهب، أو حتى من أولئك الأعلام المتأخرين الذين مارسوا أدوارا مؤثرة في نصرة المذهب السني 

إثبات الكرامات عند أهل السنة والجماعة

مما لا شك فيه أن العقل السني الجمعي قد أولى مكانة معتبرة لمسألة الكرامة، فعدّها من بين المسائل العقائدية الثابتة التي لا يرتقي الشك إليها، وقد ورد ذلك في الكثير من الأخبار الواردة في مصادر أهل السنة والجماعة على اختلاف مذاهبهم وأطيافهم.

على سبيل المثال، ينقل الإمام أبو جعفر الطحاوي، في عقيدته المشهورة المسماة بالعقيدة الطحاوية -وهي من أشهر المتون العقائدية عند أهل السنة والجماعة-: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم"، ويعلق ابن أبي العز الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية على ذلك النقل، فيقول معارضاً الآراء التي ترفض التصديق بأخبار الكرامات: "وقول المعتزلة في إنكار الكرامة ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات.

وقولهم: لو صحت لأشبهت المعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً، بل كان متنبئاً كذاباً...".

التصديق بالكرامة لم يكن محصوراً في أوساط الحنفية والأشاعرة والماتريدية فحسب، بل صرح به الكثير من علماء المذهب الحنبلي وأهل الحديث، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل نفسه، والذي لما سُئل عن سبب قلة أخبار كرامات الصحابة إذا ما قورنت بأخبار كرامات من تبعهم من التابعين وتابعي التابعين، فأنه قد رد قائلاً:

الهجوم السني على أخبار كرامات/ خرافات كل من الشيعة والصوفية، لم يكن أمراً يدل على عقلانية وموضوعية المذهب السني كما يروج له أتباعه، بقدر ما كان نوعاً من أنواع التدافع والصراع والتشنيع المذهبي البحت

"أولئك -أي الصحابة- كان إيمانهم قوياً فما احتاجوا إلى زيادة يقوي بها إيمانهم، وغيرهم ضعيف الإيمان في عصره فاحتاج إلى تقويته بإظهار الكرامة، والله أعلم"، وذلك بحسب ما ورد في "كتاب رياض الصالحين" ليحيى بن شرف النووي.

في السياق نفسه، فصل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية الحراني الحديث عن الكرامات في بعض فتاويه، فقال: "كرامات الأولياء حق باتفاق أئمة أهل الإسلام والسنة والجماعة، وقد دل عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصحيحة والآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين وغيرهم، وإنما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهمية ومن تابعهم، لكن كثيراً ممن يدعيها أو تُدعى له يكون كذاباً أو ملبوساً عليه".

أبو بكر وعمر وخالد بن الوليد: كرامات الصحابة

لما كان صحابة النبي قد شغلوا مكانة عالية في المِخيال السني التقليدي، فقد كان من الطبيعي -والحال كذلك- أن نجد الأخبار التي تذكر كراماتهم وقد بُثت في الكثير من الكتب والمصادر التاريخية المعتبرة.

من بين النقاط المهمة التي نلاحظها على ما روي من أخبار عن كرامات الصحابة، أنها قد اتسقت إلى حد كبير مع مكانة ومقام كل واحد منهم، ولذلك سنلمس كثرة واضحة في أخبار الكرامات المنسوبة لكل من أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، باعتبارهما الشيخين الذين أوصى الرسول بالاقتداء بهما من بعده، ومن بعدهما، سنلمس كثرة روايات كرامات باقي العشرة المبشرين بالجنة.

هذا فضلاً عن الاهتمام الملحوظ بكرامات كل من القائد الحربي، صاحب الدور المهم في فتح بلاد العراق والشام، خالد بن الوليد، وأبي هريرة، الذي عرفته الثقافة السنية بكونه أكثر من روى الأحاديث عن النبي، والسيدة عائشة، زوج النبي التي اعتاد أهل السنة والجماعة أن ينظروا إليها على كونها "الصديقة بنت الصديق"، وعلى كونها أحب زوجات الرسول إلى نفسه.

مما لا شك فيه أن العقل السني الجمعي قد أولى مكانة معتبرة لمسألة الكرامة، فعدّها من بين المسائل العقائدية الثابتة التي لا يرتقي الشك إليها، وقد ورد ذلك في الكثير من الأخبار الواردة في مصادر أهل السنة والجماعة على اختلاف مذاهبهم وأطيافهم

في كتابه المهم "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، قام هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي الشافعي، بذكر مجموعة كبيرة من الكرامات المنسوبة للصحابة والتي تقبلها أهل السنة، فذاعت فيما بينهم واشتهرت.

على سبيل المثال، ينقل عن أبي بكر الصديق أنه قد عرف عند وفاته بجنس الجنين الذي كان في بطن إحدى زوجاته، وأنه قد طلب من عائشة أن تراعي حق أختها في الميراث بعد موته. أما في صحيحي البخاري ومسلم -وهما أهم وأوثق المصادر الحديثية التي يرجع إليها أهل السنة والجماعة- وردت أخبار كرامة أبي بكر في كون الطعام يكثر بين يديه.

فإنه "لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا"، وهي الكرامة التي تتشابه إلى حد بعيد مع ما ورد في العهد الجديد من معجزات تحققت على يد السيد المسيح.

في السياق نفسه، أورد اللالكائي مجموعة من الكرامات المتفرقة عن عمر بن الخطاب، منها أنه أثناء خطبته في أحد الأيام بالمسجد النبوي في المدينة المنورة، قد قطع الخطبة ونادى من فوق المنبر: "يَا سَارِيَةُ بْنَ زَنِيمٍ الْجَبَلَ، مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ"، فإذا بصوته وقد تجاوز حدود الزمان والمكان، ليصل لسارية في العراق أثناء قتاله ضد بعض كتائب الجيش الفارسي.

ومنها أن عمرو بن العاص والي مصر، لما بعث إلى عمر ليخبره أن النيل لا يجري، وأن أقباط مصر يقولون إنه لن يجري إلا بعد أن يلقوا فيه بإحدى البنات الجميلات كعادتهم في كل عام، فأن عمر قد أرسل لعمرو بورقة كتب فيها: "مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلَكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ أَنْ يُجْرِيكَ"، وأمره أن يلقي الورقة في النيل، فلما ألقاها عمرو، جرى النيل وفاضت مياهه كلما لم تفض من قبل.

نٌقل عن عمر بن الخطاب، أنّ أثناء خطبته في أحد الأيام بالمسجد النبوي في المدينة المنورة، قد قطع الخطبة ونادى من فوق المنبر: "يَا سَارِيَةُ بْنَ زَنِيمٍ الْجَبَلَ، مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ فَقَدْ ظَلَمَ"، فإذا بصوته وقد تجاوز حدود الزمان والمكان، ليصل لسارية في العراق أثناء قتاله  كتائب الجيش الفارسي

من تلك الكرامات أيضاً ما يظهر فيه البعد السياسي واضحاً في شكل النبوءة المستقبلية، إذ يذكر اللالكائي أن عمر بن الخطاب قد خاطب مجموعة من أهل الشام ذات يوم، فقال لهم: "يَا أَهْلَ الشَّامِ، اسْتَعِدُّوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ بَاضَ فِيهِمْ وَفَرَّخَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ أَلْبَسُوا عَلَى فَأَلْبِسْ عَلَيْهِمْ، وَعَجِّلَ عَلَيْهِمْ بِالْغُلَامِ الثَّقَفِيِّ حَتَّى يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ"، وهي الرواية التي تظهر فيها النبوءة بالحرب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، كما يظهر فيها الحجاج بن يوسف الثقفي الذي سيتولى إمارة العراق بعد وفاة عمر بن الخطاب بنصف قرن.

فيما يخص أبي هريرة، فقد ارتبطت كرامته بما عُرف به من كثرة حديثه عن النبي، فبحسب ما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة نفسه، أن الأخير لما اشتكى للرسول خوفه من نسيان ما يحفظ من حدثه، فإن الرسول قال له: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ. فَبَسَطْهُ.

فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ضُمّهُ. قال أبو هريرة: فَضَمَمْتُهُ فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ"، وهي الكرامة التي سيفسر بها أهل السنة الذاكرة القوية التي تمتع بها أبو هريرة، وهي الذاكرة التي تمكنت من نقل مئات الأحاديث النبوية فيما بعد.

أما خالد بن الوليد، فيحكي اللالكائي في كتابه أن كرامته قد ارتبطت بتحويل الأشياء من صورة إلى أخرى، إذ يتحدث أنه عندما قابل بعض جنوده الذين يحملون الخمر، فأنه قد دعا الله فتحول الخمر وهو بين أيديهم إلى عسل أو خل، كما أنه في روايات أخرى، يظهر –أي خالد- كإنسان خارق لا تؤثر فيه نكاية الأعداء، وذلك حينما شرب السم ولم يؤثر فيه، وهو الأمر الذي يتسق مع الصورة الذهنية السنية النمطية له، والتي تتفق مع مكانته الحربية والعسكرية كقائد لا يُشق له غبار.

عن خالد بن الوليد، يحكي اللالكائي أن كرامته قد ارتبطت بتحويل الأشياء من صورة إلى أخرى، إذ يتحدث أنه عندما قابل بعض جنوده الذين يحملون الخمر، فأنه قد دعا الله فتحول الخمر وهو بين أيديهم إلى عسل أو خل

الحسن البصري، والشافعي وابن حنبل: كرامات التابعين وكبار الفقهاء

التابعون وكبار الفقهاء أيضاً نالوا حظاً معتبراً من الروايات المؤكدة على ما نُسب إليهم من كرامات وأمور خارقة للعادة. على سبيل المثال، يذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، أن سيد التابعين الحسن البصري، قد رضع أكثر من مرة من ثديي أم المؤمنين أم سلمة، وهو أمر ينطوي على كرامة ظاهرة، إذ من المعروف أن اللبن ينقطع عادة في حالة عدم إنجاب الأنثى للأبناء.

هذا في الوقت الذي يذكر فيه اللالكائي أن الحسن البصري كان مستجاب الدعوة، وأنه كان إذا غضب من أحد، فأنه يدعو عليه، فيسقط صريعاً. أما خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز، فقد ذكر اللالكائي أنه قد قابل الخضر ذات يوم، وأنه قد عرف منه أنه سيلي أمر الحكم والخلافة، وأنه سيكون خليفة عادلاً.

ذكر ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، أن سيد التابعين الحسن البصري، قد رضع أكثر من مرة من ثديي أم المؤمنين أم سلمة، وهو أمر ينطوي على كرامة ظاهرة، إذ من المعروف أن اللبن ينقطع عادة في حالة عدم إنجاب الأنثى للأبناء

من جهة أخرى، ذكر أبو بكر البيهقي في كتابه "مناقب الشافعي" الكثير من الكرامات المنسوبة للإمام محمد بن إدريس الشافعي، ومنها أنه كان يعرف مهنة الرجل قبل أن يسأله، وأنه عند وفاته قد أخبر أصحابه بمصائرهم، فقال لبعضهم إنه سيدخل السجن، وإن البعض الأخر سوف يعود لإتباع مذهب الإمام مالك بن أنس، فيما أخبر الربيع بن سليمان بأنه هو الذي سيحمل عبء نشر علمه بين الناس.

أما الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، فقد اشتهر بالعديد من الكرامات والخوارق التي وقعت له زمن محنة خلق القرآن، ومن أشهرها أنه أثناء تعذيبه، فإن سرواله كاد أن يسقط، وكادت عورته أن تنكشف أمام الناس، فإذا بيد ذهبية تخرج من باطن الأرض وترفع سروال ابن حنبل، وذلك حسبما يذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه "مناقب الإمام أحمد بن حنبل".

في المحنة ذاتها، تنقل المصادر السنية أخبار الكثير من الكرامات والخوارق المنسوبة للإمام أحمد بن نصر الخزاعي، والذي قُتل على يد الخليفة الواثق بالله، بعدما رفض الانصياع للقول بخلق القرآن. بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء"، فإن الخزاعي بعدما قُتل، شوهدت رأسه وهي تقرأ القرآن، وكانت تستدير ناحية القبلة، كما كانت تُسمع منها الأصوات ليلاً وهي ترتل تقرأ سورة يس من القرآن الكريم.

يذكر اللالكائي أن الحسن البصري كان مستجاب الدعوة، وأنه كان إذا غضب من أحد، فأنه يدعو عليه، فيسقط صريعاً

البخاري وزنكي وابن تيمية: كرامات أعلام المذهب السني عبر القرون

فضلاً عن طبقات الصحابة والتابعين وكبار الفقهاء، فإن الذاكرة السنية الجمعية قد اختارت أن تنتقي مجموعة من الأعلام، ممن كانت لهم أدوار مؤثرة في رفعة شأن أهل السنة والجماعة عبر القرون، لتنسب إليهم بعض الكرامات والخوارق، والتي تؤكد على عظم مكانتهم.

الإمام المحدّث محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح، كان على رأس هؤلاء الأعلام، إذ نُسبت إليه طائفة من أخبار الكرامات والخوارق، ولعل أشهرها كان ما ذكره اللالكائي من أنه كان في صغره كفيف البصر، ولكن بصره ردّ إليه بعد رؤيا أمه للنبي إبراهيم عليه السلام في المنام.

حاكم دمشق وحلب، نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، كان أيضاً واحداً ممن استأثروا بالكثير من الكرامات في المُتخيل السني، وذلك بسبب دوره المهم في جهاد الصليبيين والدفاع عن معاقل الإسلام في مصر وبلاد الشام.

بحسب ما يذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه "شذرات الذهب في أخبار من ذهب"، فإن نور الدين قد رأى في منامه شخصين وسمع الرسول ينادي عليه أن ينقذ قبره مما يخططان له، فلما أصبح بحث عن الرجلين وعرف أنهما كانا يخططان للحفر حتى يصلا لقبر الرسول بهدف نقله من مكانه، فقتلهما وأنقذ قبر الرسول.

نُسبت إلى الإمام المحدّث محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب الصحيح، طائفة من أخبار الكرامات والخوارق، ولعل أشهرها كان ما ذكره اللالكائي من أنه كان في صغره كفيف البصر، ولكن بصره ردّ إليه بعد رؤيا أمه للنبي إبراهيم عليه السلام في المنام

أما النموذج الأخير الذي سننهي به هذا المقال، فهو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني، والذي يعدّ واحداً من أهم العلماء الذين لعبوا دوراً مهماً في الحفاظ على المنهج السني، ولا سيما الخط السلفي صاحب النزعة الأثرية. ابن القيم الجوزية، والذي كان أحد أقرب تلاميذ ابن تيمية إلى نفسه، تحدث في كتبه مراراً عن الكرامات والخوارق التي عاين تحققها على يد شيخ الإسلام، وقد خصص لذلك عدد من الصفحات في كتابه المشهور "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين".

في هذا الكتاب، ذكر ابن القيم إنه لما تم القبض على ابن تيمية في مصر، ولما قال له بعض تلاميذه وأتباعه إن الأمراء والشيوخ قد اتفقوا على قتله والتخلص من معارضته لهم، فإنه قد رد عليهم قائلاً: "واللهِ لا يَصِلُون إلى ذلك أبداً"، ثم أخبرهم بما سيحدث له في المستقبل، وقال: "سأحبس، ويطول حبسي، ثم أخرُج وأتكلَّم بالسُّنة على رؤوس الناس".

التأكيد على معرفة ابن تيمية لبعض الأخبار المستقبلية، ظهر في مواضع أخرى من كتاب ابن القيم، فعلى سبيل المثال يقول ابن القيم متحدثاً عن شيخه: "...وأخبرني غيرَ مرةٍ بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني. وأخبرني ببعض حوادثَ كبارٍ تجري في المستقبل، ولم يعيِّن أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها. وما شاهَده كبارُ أصحابه من ذلك أضعافُ أضعاف ما شاهدته، والله أعلم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard