بين التأكيد الشيعي والتأويل السنّي... روايات الغدير في المصادر الإسلامية

الأربعاء 28 يوليو 202109:37 ص

في الثامن عشر من ذي الحجة من كل عام، يحتفل المسلمون الشيعة بذكرى عيد الغدير، والذي يُعَدّ أهم الأعياد ذات الصبغة المذهبية الشيعية على الإطلاق.

واقعة غدير خم حظيت بأهمية بالغة في المذهب الشيعي الإمامي، سواء في فرعه الاثني عشري أو في فرعه الإسماعيلي، وذلك لما فيها من دلالة على التنصيب الإلهي لعلي بن أبي طالب إماماً يجب الاقتداء به بعد رسول الله، بحسب الشيعة.

وفي حين يعتقد الشيعة أن الدين الإسلامي اكتمل يوم غدير خم بعد إعلان ولاية علي، عمل أهل السنّة والجماعة على تهميش تلك الواقعة، والتقليل من قدرها، ولجأوا إلى تأويلات ساقوها في معرض مناظراتهم ومجادلاتهم مع علماء الإمامية.

واقعة الغدير عند الشيعة الإمامية

بحسب المعتقد الشيعي الإمامي التقليدي، توقّف الرسول في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة، في العام العاشر من الهجرة، أثناء رجوعه من الحج، في مكان قريب من المدينة المنورة يُعرف بغدير خم، ليعلن بوضوح عن إمامة ابن عمه، وليشهد آلاف المسلمين على وقائع التنصيب الإلهي لعلي.

رغم أن الشيعة ساقوا عشرات الأدلة على إمامة علي بن أبي طالب وأحقيته بوراثة النفوذ الروحي للنبي، إلا أن واقعة الغدير على وجه التحديد، نُظر إليها على كونها الدليل الأقوى، والحجة الدامغة التي لا يمكن التشكيك فيها بأي حال من الأحوال.

ومن هنا، لم يكن من الغريب أن نجد أن الروايات التي تحدثت عما جرى يوم الغدير انتشرت في مئات المصادر الشيعية الإمامية المعتبرة، إلى الحد الذي دعا رجل الدين الإيراني عبد الحسين الأميني التبريزي، لتدوين موسوعته المشهورة، والتي سماها "الغدير في الكتاب والسنّة والأدب"، في 11 مجلداً، ضمّنها كل ما قيل عن تلك الواقعة من أحاديث وروايات وتفسيرات وأشعار عبر ما يقرب من 13 قرناً.

هنالك اختلافات كثيرة بين الروايات الشيعية في ما يخص تفاصيل يوم الغدير، لكن معظم المصادر الإمامية تتفق مع ما ذكره المحدّث الشيعي أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه الملقب بالصدوق (ت. 381هـ)، في كتابه "الخصال"، منسوباً للصحابي حذيفة بن أسيد الغفاري: "لمّا رجع رسول اللّه من حجّة الوداع ـ ونحن معه ـ أقبل حتى انتهى إلى الجحفة، أمر أصحابه بالنزول، فنزل القوم منازلهم، ثمّ نودي بالصلاة، فصلى بأصحابه ركعتين، ثم أقبل بوجهه إليهم فقال لهم: إنه قد نبّأني اللطيف الخبير أني ميّت وأنكم ميّتون، وكأني قد دعيت فأجبت، وإني مسؤول عمّا أرسلت به إليكم وعمّا خلّفت فيكم من كتاب اللّه وحجّته، وإنكم مسؤولون... ألا وإني أشهدكم أني أشهد أن اللّه مولاي وأنا مولى كل مسلم، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فهل تقرّون بذلك وتشهدون لي به؟ فقالوا: نعم نشهد لك بذلك. فقال: ألا من كنت مولاه فإن عليّاً مولاه، وهو هذا. ثمّ أخذ بيد علي عليه السلام فرفعها مع يده حتى بدت آباطهما. ثم قال: اللهم والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه".

في سعيه إلى نفي صحة حديث الغدير، احتجّ ابن تيمية بالتاريخ، وقال إن دعاء الأنبياء مستجاب ولكن الله لم ينصر مَن ينصر عليّاً، "فالعسكر الذين قاتلوا مع معاوية ما خذلوا قط، بل ولا في قتال علي"

بعض الروايات الشيعية مهّدت لواقعة الغدير، من خلال ربطها ببعض الآيات القرآنية، ومن ذلك ما أورده محمد بن يعقوب الكليني (ت. 329هـ) في كتابه "الكافي"، عندما نقل عن الإمام الخامس محمد الباقر قوله إن الله أمر النبي أن يفسر للناس الولاية، باعتبارها أحد أركان الإسلام بحسب المعتقد الشيعي الإمامي، كما فسر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحج، "فلما أتاه ذلك من الله تعالى ضاق بذلك صدره وراجع ربه، فأوحى الله عز وجل إليه يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإنْ لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، فصدع بأمر الله تعالى، فقام بولاية علي يوم غدير خم، فنادى: الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلغ الشاهد الغائب". وبحسب الرواية، أُنزلت الآية الأخيرة من القرآن الكريم {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}، بعد إعلان ولاية علي في الغدير.

واقعة الغدير في كتب أهل السنّة والجماعة

إذا كانت واقعة غدير خم قد وردت في بطون مئات الكتب الشيعية الإمامية، فإنها وردت أيضاً في طيات العشرات من مصادر أهل السنّة والجماعة، سواء الكتب التاريخية منها أو كتب المتون الحديثية.

بحسب ما هو معروف، فإن المؤرخ السنّي ابن جرير الطبري (ت. 310هـ) جمع الطرق المختلفة لحديث الغدير، وصححه، وكتب في ذلك كتاباً كاملاً من مجلدين، وعرّضه هذا لغضب ونقمة الحنابلة الذين حكموا بتضعيف هذا الحديث في القرن الرابع الهجري، حسبما يذكر شمس الدين الذهبي (ت. 748هـ) في كتابه "طبقات الحفاظ".

في ما يخص المدوّنات الحديثية المهمة والمعتبرة عند أهل السنّة، نجد تبايناً عظيماً في تعامل أصحابها مع واقعة الغدير. على سبيل المثال، تغافل المحدّث الكبير محمد بن إسماعيل البخاري (ت. 256هـ) عن ذكر تلك الواقعة بشكل كامل في صحيحه المشهور، في حين تعرض لذكرها على نحو مقتضب في كتابه الأقل شهرة، والذي لم يشترط فيه الصحة، "التاريخ الكبير".

أما في ما يخص المحدث مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت. 261هـ)، فقد ذكر شطراً من واقعة الغدير، دون أن يذكر الشطر الآخر، وذلك عندما نقل عن الصحابي زيد بن أرقم قوله "قام رسول الله يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي".

لما كانت روايات الغدير قد انتشرت بشكل كبير في المصادر السنّية، احتاج العقل السنّي الجمعي لإيجاد تأويلات مختلفة لشرح وتفسير تلك الحادثة، بحيث يتخلص من الإلزام الذي يُفهم منه حتمية الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب

وذكر الإمام أحمد بن حنبل (ت. 241هـ) واقعة الغدير بشكل مختصر، بعد أن ضمنها في سياق مختلف عن السياق الذي وردت فيه الروايات الشيعية، إذ نجده ينقل عن الصحابي بريدة بن الحصيب الأسلمي قوله "غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله، ذكرت علياً فتنقصته فرأيت وجه النبي يتغير، فقال يا بريدة: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: مَن كنت مولاه فعلي مولاه". وهكذا يظهر الخطاب النبوي في الحديث على كونه خطاباً موجهاً إلى شخص بعينه، وليس خطاباً جماعياً موجهاً لعموم المسلمين.

مع ذلك، وردت روايات الغدير بشكل أكثر اقتراباً من الروايات الشيعية في عدد من المتون الحديثية السنّية الأقل أهمية، ومنها على سبيل المثال كل من سنن ابن ماجة (ت. 273هـ)، وسنن الترمذي (ت. 279هـ)، السنن الكبرى للنسائي (ت. 303هـ)، والمعجم الكبير للطبراني (ت. 360هـ)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت. 405هـ). كل تلك الطرق والشواهد دفعت بالمحدّث السلفي المعاصر ناصر الدين الألباني، لتأكيد القول بصحة هذا الحديث، في كتابه "سلسلة الأحاديث الصحيحة".

الباقلاني وابن حزم وابن تيمية... التأويل السنّي للواقعة

لما كانت روايات الغدير قد انتشرت بشكل كبير في المصادر السنّية، احتاج العقل السنّي الجمعي لإيجاد تأويلات مختلفة لشرح وتفسير تلك الحادثة، بحيث يتخلص من الإلزام الذي انبنى على ظاهر تلك الروايات، والذي يُفهم منه حتمية الاعتقاد بإمامة علي بن أبي طالب، وكونه الخليفة الشرعي للنبي.

بعض المصادر السنّية أشارت إلى الحرج الكبير الذي لازم بعض علماء أهل السنّة عند تطرقهم لفهم واقعة الغدير، ومن ذلك ما ورد في كتاب السنّة لأبي بكر الخلال (ت. 311هـ)، من أن الإمام أحمد بن حنبل لما سُئل عن قول النبي لعلي بن أبي طالب: "مَن كنت مولاه فعلي مولاه"، ما وجهُه؟ فإن ابن حنبل قال: "لا تَكَلّم في هذا، دع الحديث كما جاء".

وخصّ رجل الدين الشيعي المعاصر هاشم الميلاني في دراسته المعنونة "حديث الغدير بين أدلة المثبتين وأوهام المبطلين"، التأويلات السنّية المختلفة لمعنى الموالاة الذي تكرر في روايات غدير خم، بأنه إما ولاء الإسلام والدين، أو الموالاة ظاهراً وباطناً، أو إعلان النصرة والمحبة.

هذه المعاني ظهرت في سياق شرح العديد من علماء أهل السنّة والجماعة لروايات الغدير. فعلى سبيل المثال، كان الإمام محمد بن إدريس الشافعي من أوائل علماء السنّة الذين عملوا على تأويل حديث الغدير، بعيداً عن ظاهره، وذلك عندما فسر "مَن كنت مولاه فعلي مولاه" بأن الموالاة هنا تعني ولاء الإسلام، حسبما يذكر الترمذي في سننه.

في السياق نفسه، قدم أبو جعفر الطحاوي (ت. 321هـ) تأويله المبني على بعض الآيات القرآنية، في كتابه "مشكل الآثار"، عندما قال "فإن قال قائل: فما معنى من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقيل له: المولى ها هنا هو الولي، كما قال الله عز وجل: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}. وقد بيّن ذلك في ما روّينا، فمَن كان لرسول الله ولياً كان لعلي كذلك، وكذلك أصحابه بعضهم أولياء بعض".

كما انتهج المتكلم المعتزلي عمرو بن بحر الجاحظ (ت. 255هـ)، في كتابه العثمانية، النهج ذاته، عندما فسر الموالاة الواردة في الحديث بأنها موالاة النعمة، ثم عقب "وليس في هذا إخبارٌ عن فضل علي في الدين".

في نهايات القرن الرابع الهجري، ومع اشتداد التنافس الجدلي بين السنّة والشيعة حول مسألة الإمامة، اهتم المتكلم الأشعري أبو بكر الباقلاني (ت. 402هـ)، بتأويل حديث الغدير، وصرفه عن معناه الظاهري بشتى الطرق، خصوصاً أثناء مناظراته الشهيرة مع المتكلم الشيعي الإمامي الشيخ المفيد (ت. 413هـ).

رد الباقلاني على الإمامية في كتابه تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، مفرقاً بين الولاية والموالاة. قال: "لا يجب ما قلتم لأن ما أثبته لنفسه من كونه أولى بهم ليس هو من معنى ما أوجبه لعلي بسبيل لأنه قال من كنت مولاة فعلي مولاه فأوجب الموالاة لنفسه ولعلي وأوجب لنفسه كونه أولى بهم منهم بأنفسهم وليس معنى أولى من معنى مولى في شيء لأن قوله مولى يحتمل في اللغة وجوهاً ليس فيها معنى أولى فلا يجب إذا عقب كلام بكلام ليس من معناه أن يكون معناهما واحداً".

كما سيعمل في موضع آخر من كتابه، على فهم الموالاة الواردة في الحديث على كونها المحبة، فيقول "ويحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله: ‘من كنت مولاه فعلي مولاه’ أي من كنت محبوباً عنده وولياً له على ظاهري وباطني، فعلي مولاه أي إن ولاءه ومحبته من ظاهره وباطنه واجب كما أن ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب، فيكون قد أوجب موالاته على ظاهره وباطنه".

أما في الأندلس، فسيعمل الفقيه الظاهري أبو محمد علي ابن حزم (ت. 456هـ)، على نسف الروايات الواردة في حادثة الغدير، وعلى إسقاطها، جملة واحدة، عن الاعتبار، فنراه يقول في كتابه الشهير الفصل في الأهواء والملل والنحل، في سياق تفنيده لعقائد الشيعة الإمامية "وأما من كنت مولاه فعلي مولاه فلا يصح من طريق الثِّقَات أصلا وأما سائر الأحاديث التي تتعلّق بها الرافضة فموضوعة يعرف ذلك مَن له أدنى علم بالأخبار ونقلتها".

وشهد القرن السابع الهجري ظهور أقوى الردود السنّية على حديث الغدير، وذلك من جانب شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية (ت. 728هـ) في كتابه "منهاج السنّة النبوية في الرد على الشيعة القدرية"، والذي صنفه رداً على كتاب العالم الشيعي المعاصر له ابن المطهر الحلي (ت. 726هـ) والمعروف باسم "منهاج الكرامة في إثبات الإمامة".

ابن تيمية عمل على الرد على الشيعة الذين استدلوا بهذا الحديث من خلال ثلاث طرق مهمة. أولى هذه الطرق كانت مسايرة ابن حزم في التشكيك في صحة الحديث، الأمر الذي يظهر في قول شيخ الإسلام "إن هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالموضوعات. وهذا يعرفه أهل العلم بالحديث، والمرجع إليهم في ذلك. ولذلك لا يوجد هذا في شيء من كتب الحديث التي يرجع إليها أهل العلم بالحديث"، وقوله في موضع آخر من كتابه "أن هذا اللفظ، وهو قوله: ‘اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله’ كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث".

أما الطريقة الثانية، فهي التأكيد على ابتعاد لفظ الموالاة عن الخلافة والإمامة، إذ يقول "ليس في هذا الحديث ما يدل على أنه نص على خلافة علي، إذ لم يرد به الخلافة أصلاً، وليس في اللفظ ما يدل عليه، ولو كان المراد به الخلافة لوجب أن يبلغ مثل هذا الأمر العظيم بلاغاً بيناً".

أما الطريقة الثالثة التي لجأ إليها ابن تيمية في محاولته لرد حديث الغدير، فهو احتجاجه بالتاريخ. يذكر أن الحديث لو كان صحيحاً، لوجب أن يتحقق دعاء رسول الله عندما دعا في آخر الرواية بأن ينصر الله مَن ينصر عليّاً، وأن يخذل من خذله، لأن دعاء الأنبياء مستجاب كما هو معروف وشائع، ولكن هذا لم يقع "فالعسكر الذين قاتلوا مع معاوية (أعداء علي بن أبي طالب) ما خذلوا قط، بل ولا في قتال علي. فكيف يكون النبي قال: ‘اللهم اخذل من خذله وانصر من نصره’ والذين قاتلوا معه لم ينصروا على هؤلاء، بل الشيعة الذين تزعمون أنهم مختصون بعلي ما زالوا مخذولين مقهورين لا ينصرون إلا مع غيرهم: إما مسلمين وإما كفار، وهم يدعون أنهم أنصاره، فأين نصر الله لمن نصره؟! وهذا وغيره مما يبين كذب هذا الحديث".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard