دمشق الصوفية... عدو تنظيم الدولة الإسلامية الأول

الجمعة 10 سبتمبر 202102:35 م

عندما اقتحم تنظيم الدولة الإسلامي مدينة الميادين في ريف دير الزور الشرقي قبل سنوات، نزل رجاله إلى الشوارع بحثاً ليس عن عناصر الجيش أو العلمانيين والمثقفين، بل عن المشايخ أتباع الطرق الصوفية.

وكانت التعليمات التي وصلتهم من أبى بكر البغدادي واضحة: إما أن يُقتلوا ويُسحلوا أو يسجنوا فوراً، لأن في الصوفية خطراً كبيراً على تنظيم الدولة الإسلامية، أكبر من أي قنابل ذكية قد تمطره بها قوات التحالف الأمريكي، أو أي أفكار علمانية قد تقذف باتجاهه من الغرب.

لقد حكمت الصوفية بشكل غير رسمي في عدة مدن عربية، وكادت أن تُعلَن مذهباً رسمياً ومرجعية للناس من قبل الدولة العثمانية في زمن السلطان عبد الحميد الثاني. علّمت الصوفية أهالي سورية بالعموم، ودمشق بالخصوص، أنّ الله موجود في كل مكان، وأن على المؤمنين أن يحبوه أكثر من أن يخافوا منه.

كانت تستمد أصولها من القرآن الكريم والسنة النبوية واجتهاد العلماء في ما لم يرد فيه نص. بسبب الإرث الصوفي لكل من دمشق وبغداد، لم تنجبا شخصيات أصولية متطرفة في العصر الحديث. دمشق مثلاً كانت موطناً لنقيضين، الشيخ محي الدين بن عربي وابن تيمية، وهما عاشا ودُفنا في عاصمة الأمويين، أحدهما رمز للسلفية المتشددة والآخر منبر للصوفية المتنورة.

عندما اقتحم تنظيم الدولة الإسلامي ريف دير الزور الشرقي قبل سنوات، نزل رجاله إلى الشوارع بحثاً ليس عن عناصر الجيش أو العلمانيين ، بل عن المشايخ أتباع الطرق الصوفية. وكانت التعليمات التي وصلتهم من أبى بكر البغدادي واضحة: إما أن يُقتلوا ويُسحلوا أو يسجنوا فوراً

"المعلم الأكبر" ابن عربي (1124 ـ 1165) ترك أثراً كبيراً في نفوس الدمشقيين، بسبب إسلامه المعتدل الروحاني البعيد عن العنف. احتضنته دمشق وتبارك الناس باسمه وعلمه ومقامه وجواره، حتى أنهم سمّوا حياً كاملاً بحي الشيخ محي الدين، وبنوا له جامعاً ودُفن بجواره العديد من المحبين، وعلى رأسهم الأمير عبد القادر الجزائري، سنة 1883.

وكان ذلك على عكس "شيخ الإسلام" ابن تيمية (1263 ــ 1328) الذي رفضت دمشق أفكاره القاسية، فصدّرت نفسها الى الصحراء العربية حيث لاقت رواجاً واسعاً هناك، لأنها تشبه الصحراء بقسوتها وشدتها. أما دمشق فهي تشبه أفكار ابن عربي، والصوفية تشبه دمشق، فهي منفتحة على الآخر ومرنة وقابلة للتعايش مع الحداثة والمتغيرات.

نقيض للتطرف

الحل هو أن نجد نقيضاً لـداعش في الصوفية الدمشقية، العدو رقم واحد لتنظيم أبي بكر البغدادي. الصوفيون ينادون بالمحبة والسلام والإخاء، باب الاجتهادات في العبادات وتصحيحها مفتوح لديهم، والكره لأي شخص مرفوض بالمطلق. فهم لا يحتكرون الله أو طريقة الوصول اليه ولا يكفّرون أحداً.
في الصوفية خطر كبير على تنظيم الدولة الإسلامية، أكبر من أي قنابل ذكية قد تمطره بها قوات التحالف الأمريكي، أو أي أفكار علمانية قد تقذف باتجاهه من الغرب

يُمنع عليهم بحزم أن يقتلوا كل من نطق بشهادة "لا إله الا الله"، لأنه "من أهل الكتاب"، والجهاد عندهم في تربية النفس وتهذيبها، أما الحرب لديهم فهي مسألة معقدة، لا يحق لأي شخص أن يدعو إليها إلا في ظروف معينة ودقيقة للغاية. أما الخلافة، أو حجر الأساس الذي بنى عليه البغدادي شرعيته، فهي مطلبهم، ولكن الخليفة عندهم يحكم بمحبة الناس وخفق قلوبهم إليه، لا بقطع الرؤوس وإرهاب الناس.

الخليفة، وبحسب تعبيرهم، "يُبعث بعثاً من الله" ولا يتولّى الحكم بنفسه، كما فعل البغدادي الذي أطلق على نفسه اسم "الخليفة إبراهيم"، وأعلن نفسه أميراً للمؤمنين وخليفة على المسلمين.

سلاح خليفة داعش هو السيف والقصاص، أما خليفة الصوفيين فهو القرآن ومحبة الناس. وعلى عكس داعش تماماً، فإن دولة الصوفيين هي "دولة الأرواح" القريبة من الله، وليس دولة الخوف والإكراه بالدين. يُرتّل اسم الله ترتيلاً عندهم بالمحبة، فهو موجود في كل مكان داخل "دولة الأرواح" وليس بالتكبير أثناء قطع الرؤوس.
كثير من عظماء القوم عند المسلمين كانوا من أتباع الطريقة الصوفية، أبرزهم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حفيد الفاروق. فبعد توليه عرش الخلافة في دمشق، قام الأمير الأموي الشاب بسحب الجيوش من فتوحاتها وإعادتها إلى حدود الدولة الأموية، مكتفياً بما للدولة الإسلامية من أراضٍ وممتلكات.

ترك ابن عربي أثراً كبيراً في نفوس الدمشقيين، بسبب إسلامه المعتدل الروحاني البعيد عن العنف. احتضنته دمشق وتبارك الناس باسمه وعلمه ومقامه وجواره، على عكس "شيخ الإسلام" ابن تيمية الذي رفضت المدينة أفكاره

أما المتصوّف الشهير الآخر فهو صلاح الدين الأيوبي، الذي دخل القدس ولم يهدم كنيسة واحدة ولا أمر بقتل مسيحي واحد. والمتصوّف الثالث هو السلطان عبد الحميد، الذي كان "شيخه" الدمشقي محمود أبو الشامت، يشور عليه بشتى أمور الحكم والفقه والحياة.

والقائمة تطول، وفيها المتصوف الأكبر عبد القادر الجيلاني في بغداد، العلامة جلال الدين الرومي، الشاعر الفارسي شمس الدين التبريزي والمجاهد الليبي عمر المختار، وفي دمشق كل من محي الدين بن عربي وأتباعه، محمد سعيد رمضان البوطي، مفتي سورية أحمد كفتارو والأمير عبد القادر الجزائري.

خلال الأحداث الدموية التي شهدها جبل لبنان العام 1860، هاجمت مجموعة من المرتزقة الهائجين أحياء دمشق المسيحية، وقامت بذبح المسيحيين على مدى سبعة أيام بلياليها. انتصب أهالي المدينة المتشربين بالفكر الصوفي وراء الأمير عبد القادر الجزائري للدفاع عنها وعن أهلها المسيحيين، وحموا أكثر من ستة عشر ألف شخص، من أطفال ونساء وشيوخ، في بيوتهم.

وجد معظم هؤلاء الأمان في قصر الأمير عبد القادر، في زقاق النقيب خلف الجامع الأموي، الذي جمعهم مطمئناً إياهم أن لا أحد سوف يمسهم بمكروه بوجوده. وقد ظهر الجزائري على جواده أمام الناس في مدخل حيّ العمارة، وصاح بأعلى صوت: "أهكذا ترضون نبيكم محمد؟".

كثير من عظماء القوم عند المسلمين كانوا من أتباع الطريقة الصوفية، أبرزهم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز. فبعد توليه عرش الخلافة في دمشق، قام الأمير الأموي الشاب بسحب الجيوش من فتوحاتها وإعادتها إلى حدود الدولة الأموية، مكتفياً بما للدولة الإسلامية من أراضٍ وممتلكات

بعد سنوات قام الأمير سعيد الجزائري، حفيد الأمير عبد القادر، بتأسيس جمعية الخلافة في دمشق، للبحث عن خليفة وسد الفراغ الشاغر بعد إلغاء كمال أتاتورك لمنصب الخلافة العثمانية العام 1924.

جمع الأمير سعيد أعيان القوم حوله لهذه الغاية، مثل رئيس مجلس الشورى بديع مؤيد العظم، القاضي راشد باشا مردم بك ومفتي الديار الشامية الشيخ عطا الله الكسم، وتوافقوا على إيجاد خليفة قبل أن يؤتى لهم برجل ناقص علماً وخُلقاً ليتولى الخلافة بنفسه، مستغلاً ضعف الأمة وتشرذمها.

لم يعلم المتصوفون الدمشقيون يومها أن هذا ما سيحدث بعد تسعين عاماً، عندما ظهر إثرها مدّعٍ في أحد مساجد الموصل في صيف العام 2014، ليعلن نفسه خليفة للمسلمين وأميراً للمؤمنين.

هؤلاء جميعاً ماتوا من زمان، ولكننا ولو عدنا إلى فكرهم وانفتاحهم، قد نستطيع تهذيب التكفيريين والمتطرفين، وأن نرشدهم إلى إسلام معتدل، لأن أي محاولة للقضاء على الفكر الإسلامي عبر نظيره العلماني سوف تؤدي إلى فشل ذريع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard