موت يقاسمنا أقداح الشاي

السبت 11 سبتمبر 202111:29 ص

مجاز الرحيل، المقبرة التي على الجدران

كان كيس الشيبسي وأكياس سكر النبات العصا السحرية التي أمتلكها وأنا صغيرة، تشتري لي أمي كيس الشيبسي ونحن ذاهبون لجدتي، نركب الأتوبيس الذي يحمل رقم 921، فأظن أنني أنا من أتحكم في حركته، أكل الشيبسي طالما أنه يتحرك، وأمتنع عن الأكل حين يتوقف، وكأني أنا من أحركه وأوقفه، متصورة أننا سنصل إلى بيت جدتي حين تنفد كل الحبات، وقبل أن نصعد تشتري لي والدتي أكياس سكر النبات، أظل أتناول حبات السكر طوال اليوم، ولا أتناوله دفعة واحدة، لاعتقادي أني لو أنهيته كله، سنغادر، أترك قليلاً حتى نطيل الجلوس.

كان الرحيل بالنسبة لي حينها بسيطاً للغاية، بعدد حبات البطاطس والسكر، ويمكنني التحكم به، إذا ما توقفت قليلاً عن الأكل.

انكسار عصاتي السحرية

منعني الرجل من التقدم رغم بكائي وإلحاحي، لم أفهم لمَ يمكن للرجال أن يحملوا جدتي وينزلوا بها لأسفل، بينما لا يمكنني أن أنزل معها، هي جدتي أنا، كنا نشاهد المسلسلات معاً، كنت أحممها، أنا التي كنت أعد لها القهوة، وحتى لو كان وجهها يضيع في الطريق من المطبخ لمقعدها في الغرفة البعيدة، فهذا ليس سبباً ليمنعوني من مرافقتها في قبرها.

كانت تلك المرة الأولى التي أقابل فيها الموت بهذا القرب، ولم يكن معي شيبسي أو سكر نبات لأتوقف عن تناوله، وأؤخر أو أمنع تماماً إغلاق باب القبر، في هذه اللحظات أدركت أني كبرت كثيراً، ولم أعد أمتلك عصا سحرية.

اختفاء الجرائد وأكواز الذرة

الأمان الذي لم أكن أسميه حينها، كان بالنسبة لي مجيء أبي ليلاً، ويداه لا تكونان فارغتين أبداً، هناك دوماً أكياس عديدة، وجرائد منتفخة بأكواز ذرة أحبها، ظل ذلك مصدر أماني لسنوات طويلة، قبل تلك المكالمة الليلية التي تلقتها أختي، وصرخت وهي تحتضنني.

كان الرحيل بالنسبة لي حينها بسيطاً للغاية، بعدد حبات البطاطس والسكر، ويمكنني التحكم به، إذا ما توقفت قليلاً عن الأكل... مجاز في رصيف22

لم يكن رحيل أبي مفاجئاً مثلما حدث مع جدتي، سبقت تلك اللحظة بقائه عدة أيام في المستشفى، لكن في ذلك اليوم بالتحديد كان لدينا أمل أن حالته بدأت تتحسن، بعد تلك المكالمة، طلب مني كثيرون لا أتذكر وجوههم أن أتوقف عن البكاء، كانوا يعزونني بسؤالي عما إذا كان سيرضيني لو عاش أبي غير قادر على الحركة أو الكلام؟ أبكي وأشعر بالذنب والأنانية لأنني أوافق بداخلي على ذلك حتى ولو لم أنطق ذلك صراحة، يعيش بأي طريقة، المهم أن يكون موجوداً معنا.

يذكرني سؤالهم بصوره الأخيرة في المستشفى، شفاه معوجة ولسان ثقيل، أحاول إبعاد تلك الصور عن ذاكرتي، واستبدالها بصورته وهو عائد مبتسم، يحمل أكياس الفاكهة والجرائد المنتفخة، أحاول الاحتفاظ بتلك الصور، ونسيان الأخرى، أحاول إيقاف الزمن عند اللحظات السابقة لدخوله المستشفى، محاولات عديدة تفشل كلما ذهبت لشراء شيء لتعويض غياب أبي عن المتاجر.

لم يعد الرحيل بالنسبة لي بعدها سلماً لا يمكن تجاوزه فقط، لكن أشياء أخرى عديدة، مشاوير كثيرة أقوم بها لأول مرة في حياتي، أسئلة موجعة عن اسم الراحل وصلة قرابتنا به، يوجهها موظفون وهم يشربون شايهم بعادية شديدة، معاش شهري أسحبه، وأنا أراقب من حولي، وأخمن قرب أو بعد موعد الرحيل من تعبيرات وجوههم، أوراق صغيرة بطلبات المنزل بخط أمي، تتناثر في حقيبتي، الرحيل صار أكياساً كثيرة أحملها أنا، وأصابع حمراء مع كل عودة للمنزل، واختفاء الجرائد الساخنة المنتفخة بأكواز الذرة للأبد.

حيلة قنديل البحر

قرأت مرة عن قنديل البحر القمري، ذلك الذي إذا فقد إحدى قوائمه، يتأقلم مع الفقد بإعادة توزيع أطرافه من جديد لتبقى المسافة بينها متساوية، وبهذا يتكيف مع وضعه الجديد، ويعوض ببساطة ما فقده.

بعد وفاة أبي حاولت تطبيق هذه الحيلة، كان من المستحيل أن أجد من أقول له يا بابا، لكن كان من الممكن إيجاد من يتحقق نصف الأمر معه "أب روحي"، بدلاً من لا أب تماماً، كان من الصعب استعادة أبي، مثلما يصعب على القنديل استعادة الطرف الذي فقده، لكن كان من الممكن أن أعيد ترتيب الأوضاع، لأعاود الشعور بالأمان، إمكانية التواجد دوماً، لكن بدلاً من البيت، على المقهى.

كان قلبي ينقبض، إذا ما ذهبت مبكراً إلى المقهى ولا أجده، كان مكاوي سعيد بالنسبة لي هو المقهى، وأسوأ شعور أن أجد المقهى ولا أجده، أظل جالسة في انتظاره، حتى أراه قادماً من بداية الشارع، فاطمأن.

أكواز الذرة تحولت إلى شوكولاتة مكافآة لي كلما كتبت قصة جديدة، الكتابة صارت إحدى قوائمي التي أستند إليها، ومكاوي قارئي الأول وأستاذي، يمثل بالنسبة لي عدة قوائم وليس واحدة، ألقيت بكل ثقلي عليه، الكتابة، الخيبات العاطفية، لحظات الضعف، جدار الأمان الذي يمكنني الاستناد إليه في أي وقت، وطوال الوقت، كان من الطبيعي أن أسقط تماماً برحيله.

هذه المرة أنا من اتصلت، كانت المرة الأولى التي لا يجيب فيها علي، وإنما ترد واحدة وتخبرني أنه "خلاص"، لم أصدق أنه "خلاص"، ذهبت إلى المقهى بنفسي على أمل أن أجده جالساً في مكانه، حتى حين لم يكن جالساً، وكان كل من يعرفونه يبكون، لم أصدق، لم أصدق سوى في هذه اللحظة التي عدنا فيها للمقهى ليلاً بعد مشوار المقابر، ولم أجده، ظللت جالسة وعيني على أول الشارع، لعله يأتي في أي لحظة ويكون كل ما حدث كابوساً، لكني لم أرِ وجهه أبداً.

أدركت وقتها أن اختياري لحيلة قنيدل البحر كانت أسوأ ما فعلت، من الغبي الذي يعرض نفسه للشعور باليتم مرتين، الألم مرتين؟ كل المشاعر الموجعة عاودتني من جديد، لكن هذه المرة كل المشاعر اندمجت معاً فصارت مضاعفة.

كان الحب فيما مضى يقرب، الآن صارت شدته سبباً كافياً للبعد، كهرباء زائدة قد تدمر كل شيء، وعلاجها الوحيد الرحيل، نشاط زائد للمناعة، وعلاجه الوحيد الكورتيزون... مجاز في رصيف22

أصبح الرحيل بالنسبة لي من وقتها، انتظار للأبد، مقهى لا أطيق العبور من جواره، شعور مقبض كلما اضطررت للذهاب إلى وسط البلد، عدم شعور بالراحة في البيت، ولا خارجه، ليس لي مكان أذهب إليه، ليس هناك "بابا" ولا "أب روحي"، ولم تعد قائمة من أشعر بالأمان في وجودهم كافية لإعادة توزيعها بالتساوي، كانت هناك فراغات واسعة يصعب ملؤها، وعندما انتهت أيام الصدمة والإنكار، وجدتني لا أقف على أي شيء، فانهرت تماماً.

مناعة حولاء وحب أعمى

أشرح لأمي ما قاله الطبيب، أن مناعتي تهاجمني بدلاً من أن تهاجم الفيروسات والأجسام الغريبة التي تدخل جسدي، تسألني بعد شرح طويل: "يعني عندك فيروس؟"، أهز رأسي نفياً، وأحاول تبسيط حالتي، أخبرها بأن الأمر أشبه بأن تصفعني يدي ظناً منها أنها تصفع غريباً صفعني، يصبح الشرح أصعب من التشخيص، ولا يبدو عليها أنها فهمت ما قلت، لكنها تهز رأسها رغم ذلك.

أتفهّم عدم فهمها، ربما يتطلب الأمر وقتاً حتى تستوعب، مثلما يتطلب وقتاً لأتقبل فكرة أن مناعتي تشتغل ضدي على هذا النحو، أن أتقبل خذلاناً قادماً من داخلي، مثل هذا الخذلان الذي جاء منه، ليس شرطاً أبداً أن يوجعنا من يكرهونا، من الممكن جداً أن يوجعنا من يحبوننا للغاية، ظناً منهم أن هذا الحب المفرط خطر علينا، "سأبتعد لأني أحبك"... العمى.

كان الحب فيما مضى يقرب، الآن صارت شدته سبباً كافياً للبعد، كهرباء زائدة قد تدمر كل شيء، وعلاجها الوحيد الرحيل، نشاط زائد للمناعة، وعلاجه الوحيد الكورتيزون.

المناعة الحولاء صارت تذكرني بالحب الأعمى الذي يبتعد بدلاً من أن يقترب، والحب المفرط صار يوترني جداً، لأني واثقة أن رحيلاً ما يكمن في إحدى لحظاته.

الإسفنج يتحرر أخيراً

أحب تلك اللحظة التي أعصر فيها الإسفنج الذي أغسل الصحون به للنهاية، فيعود خفيفاً مرة أخرى، أفرح حينها، فرحة ساذجة، لكنها تذكرني بتلك المرات التي عدت فيها حرة، بعد أن أفرغت كل مشاعر التعلق فجأة.

تلك العادة التي كرهها كل من قطعت علاقتي بهم، كانوا يلحون في السؤال "لماذا؟"، تمنيت لو كان الأمر ببساطة أن أقول إن الإسفنج امتلأ كثيراً ويجب إفراغه، لكنهم لم يكونوا ليفهموا. سهولة عودتي في كل مرة، كانت تشعرهم أنني لا أزعل أبداً، لكن مع كل عودة كان الزعل من تكرار نفس الأمور يغرق قلبي، كانت عودتي رغبة لا واعية في الوصول إلى الاختناق، الذي ليس بعده عودة، في لحظة غير مفهومة وفجائية أعصر قلبي مثل الإسفنج، فيندهش من حولي، وأشعر بالحرية أخيراً.

الرحيل قد يعني شجرة

منذ أن قرأت عن الدفن البيئي، وأنا أحلم بأن أتحول بعد وفاتي إلى شجرة، كتبت ذات مرة عن رغبتي في التحول لشجرة ليمون، لكني الآن لست واثقة من شيء سوى أني، بنسبة ما، أرغب في التحول لشجرة، شجرة يأمن لها عاشق في بروسيا، فيضع ثلاث شعرات من شعر حبيبته بداخل شقها، إذا ما أراد أن يدوم حبها لها، سأصدق هذا الاعتقاد الذي كان شائعاً قديماً، وأجعل منه دافعي، فإذا لم أستطع أن أحتفظ بحب واحد طوال حياتي، فسأكون مأوى للحب الأبدي للعاشقين بعد رحيلي... حينها يمكن أن يصبح الرحيل رومانسياً للغاية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard