بعد "الهروب من جلبوع"... أبرز قصص فرار أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية

الخميس 9 سبتمبر 202111:53 ص

على الرغم من أنّ إسرائيل، صممت سجن "جلبوع" السيء السمعة، بطريقة لا يمكن للأسير الفلسطيني معها، أنّ يفكر حتى في الهروب، مستخدمةً عبارة "الهرب مستحيلٌ"، عند تدشينه، إلا أن الفلسطينيين أثبتوا، مرة أُخرى، أن في استطاعتهم أن ينتصروا في "معركة الأدمغة"، بعد أنّ تمكن ستة أسرى من الفرار، عبر نفق حُفر من غرفة الأسر، إلى مخرج الحُرية.

عملية الفرار الأخيرة من سجن "جلبوع" نوعية، وأسطورية، ولا شك سيذكرها التاريخ، لكنها ليست الأولى، فمحاولات الهروب من سجون الاستعمار في فلسطين ليست دخيلةً، بلّ إنّ أحد الأسرى نجح في الفرار ثلاث مرات، خلال سبعة أعوام فقط.
الأسير الذي هرب ثلاث مرات

اعتُقل الأسير حمزة يونس، وهو من قرية عارة المثلث (داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948)، في عام 1964، بتهمة الاتّصال مع "العدوّ" مصر (قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد)، وتزويده بمعلومات تضرُّ بأمن الدولة، لكن فكرة الهروب، تسللت إلى عقله، بعد فترة قصيرة من اعتقاله.

لم تكنْ خطّة الهروب الأولى التي فكّر فيها حمزة معقدةً، إذ كانت تعتمد أساساً على عنصرَي المباغتة، والجري السريع. أما الثانية، فقد نجح في الهروب من المستشفى حيث كان يُعالج من إصابته، قبل أنّ يُعتقل في العام 1971 خلال مشاركته في خلية حاولت التسلّل إلى فلسطين عبر البحر، وحُكِم عليه بالسجن المؤبد في سجن الرملة، لكنه مرة أخرى لم يستسلم، واستطاع الهروب للمرة الثالثة، عبر نافذة غرفة المغسلة في سجن الرملة، حتّى وصل إلى لبنان مرة أخرى، وعاد إلى العمل في حركة فتح.

عملية الفرار الأخيرة من سجن "جلبوع" نوعية، وأسطورية، ولا شك سيذكرها التاريخ، لكنها ليست الأولى، فمحاولات الهروب من سجون الاستعمار في فلسطين ليست دخيلةً، بلّ إنّ أحد الأسرى نجح في الفرار ثلاث مرات، خلال سبعة أعوام فقط

الهروب من سجن رام الله

في تشرين الثاني/ نوفمير من عام 1969، استطاع الأسير الفلسطيني محمود الصيفي، في أثناء نقله من "سجن رام الله" الإسرائيلي، إلى سجن آخر، حيث استغلّ الفرصة، عندما كان في ساحة خارجيّة مكشوفة، وقام بضرب الحارس الصهيوني، وبدأ بالركض.

بقي الصيفي مطارداً في الجبال، قرابة تسعة أشهر، حتى قرر التسلل إلى الأردن، وتسليم نفسه إلى سلطاته، التي بدورها نفته إلى الكويت، قبل أنّ يعود إلى عمّان، في أعقاب حرب الخليج، ويُتوفى هناك، عام 2008، لكنه لم يعد أبداً إلى سجون الاحتلال الإسرائيلي.

الهروب من المحكمة عام 1983

استطاع ناصر عيسى حامد، ابن بلدة سلواد، في محافظة رام الله، الهروب من قاعة محكمة الاحتلال عام 1983، في حين لم يكن يبلغ من العمر أكثر من 15 عاماً، مستغلاً نشوب مواجهات بين أسرى آخرين، وقوات الاحتلال، داخل قاعة المحكمة.

استطاع ناصر التخفي عن أنظار الاحتلال، قرابة أربعة أيام، لكنه قرر تسليم نفسه، بعد اعتقال والدته، واقتحام منزله.

الهروب الكبير من سجن غزة

بطل هذه القصة، هو الشهيد مصباح الصوري، الذي استطاع أنّ يُدخل، عن طريق صديق له، إلى "سجن غزة المركزي"، منشاراً. وكانت خطة الصوري تقضي بقص قضبان نافذة المرحاض.

وقد اختار الصوري المشاركين في الهروب، من أصحاب الأحكام العاليّة، الذين لا فرصة لهم بالتحرر من الأسر، إلا بصفقات التبادل، أو بالهروب.

بعد الهروب، استطاع الشهيد الصّوري الاختفاء مدة أربعة أشهر تقريباً، بينما مارست أجهزة الاحتلال الأمنية ضغوطها على عائلته، من أجل إجباره على تسليم نفسه، حتى اشتبك الطرفان، وأصيب الصّوري، واستشهد متأثراً بإصابته، في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1987.

الهروب من سجن نفحة عام 1987

وتزامناً مع عملية الهروب الكبير من "سجن غزة المركزي"، كان الأسير خليل الراعي، يخطط لعملية هروب جديدة، رويداً رويداً، من "سجن نفحة الصحراوي". بدأ الراعي في العام 1987، بالتخطيط لعملية هروب معقدة، مستغلاً عمليات الترميم والتوسيع في السجن، إذ كان يدرك أنّ الخطة تُبنى على معرفة أصغر تفاصيل السجن، والثغرات التي يمكن استغلالها، لاختراق المنظومة الأمنية.

استخدم الأسرى الثلاثة الذين هربوا من سجن نفحة، منشاراً، ومِطرقة مصنوعة من الخشب، في عملية الهروب، وتمكنوا من قص الباب الشائك بين أقسام السجن، ومنطقة الترميم، وتنكروا بملابس العمال الذين يعملون في محيط السجن، ليتمكنوا من الهرب.

تمكن الفارون الثلاثة، من الوصول إلى غزة، عبر حافلة مرت في مدينة بئر السبع، ومكثوا هناك قرابة ثمانية أيام، ومن هناك حاولوا التسلل إلى مصر، لكن قوات الاحتلال اعتقلتهم مجدداً.

عسقلان ومحاولة الهروب عام 1996

في عملية هروب مشابهة لعملية الهروب من سجن "جلبوع" الأخيرة، قام عدد من الأسرى في سجن عسقلان، وخلال ما يقارب 19 يوماً، بخلع البلاطتين اللتين تقعان تحت باب المرحاض مباشرة، بالاستعانة بمشرط صغير جداً تم تهريبه خلال زيارة الأهل، بالإضافة إلى ملعقة طعام.

الخطوة التالية في عملية الهروب هذه، كانت حفر نفق. بدأ الحفر بعد صلاة العشاء، وانتهى عند الساعة السادسة صباحاً، بطول 17 متراً تحت الأرض، أما التُراب فقد كان يتم التخلص منه عبر أكياس قماشية، ومن ثم تخزينها كأنها أكياس ملابس.

هذه المحاولة، على الرغم من اكتشافها من قِبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنّ الأسرى عدّوها عملاً بطولياً، لما بُذل من جهد، ولما أُنجز.

سجن "كفار يونا"

في شهر آب/ أغسطس من عام 1996، نجح الأسيران غسان مهداوي، وتوفيق الزبن، في الهرب من سجن "كفار يونا"، عبر نفق حفروه بطول 11 متراً، في أول هروب ناجح لأسير فلسطيني عبر نفق، وذلك بعد خلع البلاط.

بقي الأسيران الفاران، قرابة أربعة أيام، وهما يمشيان في الخلاء، قبل أن يختبئا في مغارة مدة أسبوع، ومن ثمّ يفترقان، أحدهما إلى مدينة أريحا، والآخر إلى رام الله.

أعاد الاحتلال اعتقال مهداوي، في العام التالي لعملية الهروب، فيما اعتُقل الزبن عام 2000، وأكملا ما تبقى لهما من حكمها بالسجن.

الهروب من "سجن عوفر" عام 2003

في العام 2003، وفي أوج أحداث الانتفاضة الثانية، هرب خمسة أسرى فلسطينيين، من "سجن عوفر"، على دفعتين، الأولى في شهر كانون الثاني/ يناير، والثانية في شهر أيار/ مايو من العام ذاته.

لا تتوافر معلومات كثيرة عن تفاصيل الهروب من "سجن عوفر"، لكن اثنين منهما استشهدا برصاص الاحتلال، في أثناء مطاردتهما، أما الآخرون فقد أعيد اعتقالهم.

"لم يترك الإسرائيليون، من وجهة نظرهم، فرصة 1% لأي ثغرة، أو اختراق أمني، في سجن جلبوع، وقد استعانوا بخبراء إيرلنديين للتأكد من ذلك. لكن مرة أخرى، الأدمغة الفلسطينية الفتاكة، تمكنت من كسر أنواع السيطرة في السجن كافة"

الهروب من "جلبوع"... انتصار في حرب أدمغة

يقول الخبير العسكري، واصف عريقات، لرصيف22، إنّ "ما حصل في جلبوع، هو أشبه بحرب أدمغة. لقد انتصر الفلسطينيون على أعظم سجن، أمنياً، من وجهة نظر الإسرائيليين".

وأضاف: "بقدر ما هو فشل إسرائيلي، هو نجاح فلسطيني. لقد استطاع الأسرى في جلبوع، أنّ يفكوا شيفرة الإجراءات الإسرائيلية المشددة، فقد كانوا يطلقون اسم ‘الخزنة الحديدية’ على هذا السجن".

ويعتقد عريقات "أنّ الإسرائيليين لم يتركوا، من وجهة نظرهم، فرصة 1% لأي ثغرة، أو اختراق أمني، في سجن جلبوع، وقد استعانوا بخبراء إيرلنديين للتأكد من ذلك. لكن مرة أخرى، الأدمغة الفلسطينية الفتاكة، تمكنت من كسر أنواع السيطرة في السجن كافة".

ويرى الخبير العسكري، "أنّ ما حصل ليس أمراً سهلاً، فعملية الهروب مليئة بالتفاصيل، والتخطيط الدقيق، ونجاحهم كان يعتمد على ثوانٍ، أو أقل من ذلك".

ويقول عريقات: "الهروب من سجن جلبوع، كان أقرب إلى المستحيل، لكن مرّة أخرى الإرادة الفلسطينية الممزوجة بالتخطيط والتفكير، نجحت".

ويتابع حديثه: "جلبوع تحديداً، يتميز بإنارة كاملة، ووجود كثيف للعنصر البشري، وكاميرات المراقبة الأكثر حداثة".

ويؤكد الخبير العسكري لرصيف22، أنّ إسرائيل تخصص ميزانيات هائلة للسجون الأمنية.

1.2 مليون دولار سنوياً لسلطات السجون

وحسب صحيفة "ذي ماركر" الإسرائيلية، المتخصصة في الشأن الاقتصادي، فإنّ إسرائيل تخصص 3.8 مليار شيكل (1.2 مليار دولار أمريكي)، سنوياً، ميزانيةً لسلطات السجون.

وكانت ردود الفعل الإسرائيلية، خاصةً على الصعيد الإعلامي، منددة بشدة، بما حدث في سجن جلبوع.

إذ قال الكاتب الإسرائيلي في صحيفة "ذي ماركر" آفي بار آلي: "المسؤولون عن هروب السجناء الأمنيين (الأسرى)، أعلى بكثير ممن يجلسون في برج الحراسة، في سجن جلبوع"، في إشارة إلى المسؤولين عن سلطات السجون.

وأضاف: "لماذا لا تكفي 3.8 مليار شيكل سنوياً، لمنع هروب ستة سجناء؟".

من جانبه، رأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، عاموس هرئيل، أن "عملية الفرار التي لا يمكن استيعابها، للأسرى الستّة من سجن جلبوع، استُقبلت بمزيج مثير من الكبرياء الفلسطيني، والإحراج الإسرائيلي، والسعادة الغريبة بعض الشيء في مواقع التواصل الاجتماعي، وإشارات أكثر من اللازم إلى بعض من أفلام هوليوود، وخاصة فيلم ‘الخلاص من شاوشنك’".

وأردف قائلاً: "لكنّ الخلاص الهوليوودي هذا، يُظهر إخفاقات كبيرة، من قِبل مصلحة السجون، وينطوي حتماً على مخاطر أمنية".

من جهتها، علّقت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، على خبر فرار الأسرى الستة: "دراما في أحد أكثر السجون تحصيناً في إسرائيل: في الصباح الباكر، اكتشفت مصلحة السجون اختفاء الأسرى، بعد ساعات قليلة من تمكنهم من الفرار، عبر نفق حُفر في السجن".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard