حركة "تعطيل المراكب"... فلسطين ضد الاحتلال في موانئ العالم

الثلاثاء 7 سبتمبر 202111:47 ص

شهدنا موجة كثيفة من الاحتجاجات، في مشهد تضامن عريض في بلاد الغرب مع القضية الفلسطينية، من ناشطين وحركات اجتماعية، من "حياة السود مهمة" إلى تنظيمات يسارية متنوعة وتجمعات الطلاب في حرم الجامعات.

تفاعل الطيف الليبرالي واليساري في التعبير عن تضامن رمزي أولاً وإعادة تشكيل خطاب الصراع الفلسطيني مع الاستعمار الإسرائيلي ثانياً؛ مندداً بدور الدول الداعمة للاستيطان، ومعبراً عن كشف زيف ذريعة "معاداة السامية" محاولاً كشف حقيقة دولة الاحتلال بدون مواربة.

كان للقصة أن تستمر مع استمرار عنف الاحتلال في القدس التي لم تدخل في حيز الهدنة مع غزة، فاستمر بالمقابل الفعل التضامني الاحتجاجي بدوام إصرار سياسات التهجير في القدس. كانت المظاهرة هي أكثر أشكال الاحتجاج انتشاراً، معلنة التضامن مع مناضلي الداخل، وساعية لتشكيل ضغط على رؤساء دولها لإدانة إسرائيل ووقف العنف ضد الشعب الفلسطيني.

إضراب الموانئ حركة يعود تاريخها إلى عام 2009 و2014 تهدف إلى منع سفن الشحن الإسرائيلية من تفريغ حمولتها في الموانئ، كعملية ضغط عالمي على الاحتلال ومنفذه إلى السوق العالمية

لكن في أنحاء أخرى من العالم، كان أسلوب الاحتجاج مختلفاً قليلاً، حيث أخذ شكل الإضراب الذي أغلق أبواب بعض الموانئ بوجه الاحتلال الإسرائيلي، وقطع علاقته مع العالم، معلناً عن دعوة وحملة من هذا الشكل.

هو "إضراب الموانئ" الذي يختلف في أسلوب وتكتيك الاحتجاج، محاولاً تغيير وجهة الاحتجاج، من وجهة تمثيلية تناشد الرأي العام والدول للتحرك، نحو فعل ثوري يواجه بشكل مباشر امتداد إسرائيل الاقتصادي في العالم، وكأن المنفذين يقصون الاحتلال من كونه دولة في السوق العالمية.

ذات المضمون لكن اختلاف في الأسلوب

خلال شهور الصيف من العام الجاري، شهدنا إضراب عمال مرفأ في إيطاليا عن تحميل شحنة أسلحة متجهة إلى إسرائيل. وإثر ذلك التحرك، انتشر هاشتاغ حملة "تعطيل المراكب" في أجواء من التضامن والسؤال عن جدوى التحرك في شوارع العالم ضد نظام الأبرتهايد الإسرائيلي. اتسم هذا الأسلوب بالتأثير المباشر عبر رفض قاطع، حمل رسالة سياسية تصرّح بتهديد حي الملامح ضد اقتصاد الاحتلال مناصرة لفلسطين بشكل جذري.

خلال شهور الصيف من العام الجاري، شهدنا إضراب عمال مرفأ في إيطاليا عن تحميل شحنة أسلحة متجهة إلى إسرائيل. وإثر ذلك التحرك، انتشر هاشتاغ حملة "تعطيل المراكب" في أجواء من التضامن والسؤال عن جدوى التحرك في شوارع العالم ضد نظام الأبرتهايد الإسرائيلي

كان لحركة إضراب الموانئ أنها انطلقت متجاوبة مع دعوة الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين وطيف من اتحادات عمال فلسطين. وتشير حركة المقاطعة في منشور على موقعها، أن تاريخ حركة إضراب الموانئ يعود إلى عام 2009 و2014 كردّ على العدوان الإسرائيلي على غزة حينها.

وتطورت الحملة مع توالي الأحداث في الصراع الفلسطيني مع إسرائيل، حتى أحداث السنة الجارية المحتدمة بدءاً من الشيخ جراح. وتهدف الحركة بشكل أساسي لمنع سفن الشحن الإسرائيلية من تفريغ حمولتها في الموانئ، كعملية ضغط عالمي على الاحتلال ومنفعته في السوق العالمية.

وفي عام 2014 أعلنت الحركة عن انتصار في ميناء لوس أنجلوس، حين استطاعت المقاومة منع تفريغ شحنة سفينة Zim الإسرائيلية ما يقارب ال34 ساعة، معلنة انتصاراً نسبياً ينتج عن الخسارة المالية بعد تأخير جدول سلسلة النقل والتوزيع في السوق العالمي.

بدأت الحكاية عند عمال مرفأ جنوب أفريقيا، فكانت نقابة مرفأ ديربان أول المستجيبين لدعوة إضراب المرافئ، رداً على العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2009. فرفضوا تفريغ حمولة سفينة شحن إسرائيلية، ليسجلوا أول إضرابات الموانئ في وجه الاقتصاد الإسرائيلي.

وفي الشهرين الماضيين، وعقب أحداث الصيف في الشيخ جراح وانتفاضة الفلسطينيين ضد تهجير أهالي القدس، أعلن عمال المرفأ الإيطالي في مدينة ليفورنو إضرابهم عن تحميل شحنات أسلحة متوجهة إلى مرفأ أسدود الإسرائيلي، لينتهي الإضراب بتنازل مالك السفينة عن حمل الشحنة في النهاية.

تصاعدت أحداث الحركة مطلع شهر حزيران هذا العام، كان أولها المرفأ الإيطالي، جاء بعد ذلك فشل مركب إسرائيلي بتفريغ شحنته في مرفأ أوكلاند في ولاية كاليفورنيا الأمريكية في التاسع من حزيران. حيث توجهت مظاهرة مناهضة لإسرائيل للمرفأ محاولة اعتراض تنزيل شحنة التابعة للسفينة ZIM ذاتها، مع استجابة من عمال الرصيف الذين رفضوا بدورهم إنزال الشحنة.

لتغادر السفينة بعد فشل اعتبره الناشطون انتصاراً آخر على مستوى التضامن العالمي لحركة المقاطعة. لم تكن هذه المرة الأولى لمرور سفينة إسرائيلية بدون القدرة على التفريغ، حدث ذات الأمر في عام 2014، إثر العدوان الإسرائيلي على غزة، لكنها عادة إلى الميناء و أفرغت شحنتها ليلاً.

تحاول حركة إضراب الموانئ الضرب في عمق إسرائيل، حيث تعطل اقتصادها مانعة عبور صناعاتها عبر حدود العالم، ككل الشركات العابرة للحدود في السوق العالمية، بالتالي تُكبد إسرائيل خسارات قد تكون هائلة الحجم

يبدو أن حركة إضراب الموانئ تنتشر بشكل رشيق نسبياً في مدن أمريكية أخرى. ففي صباح يوم السبت في 12 من شهر تموز، انطلق عدد من المتظاهرين في مدينة سياتل، بمبادرة تنظيمات، كان أهمها مجموعة "فلسطينيات" النسوية مع المركز العربي للموارد والتنظيم (AROC). حيث أغلقوا طريق المرفأ، ما عطل حركة المرور لساعات طويلة، لينتشر بعدها خبر من نقابة عمال الشاطئ، أن قراراً تم اتخاذه بعدم تنزيل حمولة السفينة الإسرائيلية ZIM San Diego.

تمسي حركة إضراب الموانئ امتداداً لحركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية وسحب الاستثمارات من أراضي الاحتلال لتحقيق نوع من العقوبات الاقتصادية على الكيان الإسرائيلي، وبذلك فهي تعطل حركة أهم جسور التجارة مع العالم، فلا تحقيق لإنتاج مربح بدون سوق عالمية.

تعرف شركة ZIM أنها من أكبر عشر شركات شحن في العالم، لكنها تحاول الدفاع عن نفسها بالقول إنها مرت بعملية خصخصة مؤخراً، محاولة التخفيف من حدة التنظيم النقابي والفلسطيني ضد تحركاتها بوصفها شركة إسرائيلية.

تمسي حركة إضراب الموانئ امتداداً لحركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية وسحب الاستثمارات من أراضي الاحتلال لتحقيق نوع من العقوبات الاقتصادية على الكيان الإسرائيلي

وأدلت الشركة تصريحاً عقب احتجاجات المرافئ، قائلة إنها تنقل نشاطها إلى موانئ الساحل الغربي الأمريكي، غير معولة على حركة أضراب الموانئ المعطلة لحرية تحركات الشركة.

لم تُحصر الحملة في الولايات المتحدة الأمريكية، فسرعان ما انتقلت عدوى إضراب الموانئ إلى كندا. تم تسجيل أول إضراب في ميناء برنس روبرت في مقاطعة بريتش كولومبيا، لينطلق المتظاهرون إلى الميناء رافعين لافتة "أغلقواً الموانئ" مناصرة لفلسطين وقاطعة الطريق على سفينة ZIM ذاتها التي تم طردها من ميناء أوكلاند، في بداية الشهر، من قبل المتظاهرين والعمال.

ومرة أخرى وإثر هذه الاحتجاجات التي استمرت ليومين، غادرت السفينة بدون إنزال حمولتها.

في هذا الصدد يقول الناشط ماريو ماهر، مصري الأصل مقيم في مدينة فانكوفر، إن "نشر الوعي أمر مهم، لكن اكتساب المعرفة شبه عبثي إن لم يتحول إلى تحركات تنتج عواقب ملموسة، وهذا ما نطمح له". ويضيف: "ما نريده هو الاستفادة من حرية الكلام والتجمع وتوظيفها للتحدث والتحرك، تمثيلاً لمن لا يتمتعون بهذه الحريات؛ وعلى النشطاء أن يفعلوا الشيء نفسه عند الاستطاعة".

عن الأجساد المحتجة بين المظاهرة والإضراب

تحاول حركة إضراب الموانئ الضرب في عمق إسرائيل، حيث تعطل اقتصادها مانعة عبور صناعاتها عبر حدود العالم، ككل الشركات العابرة للحدود في السوق العالمية، بالتالي تُكبد إسرائيل خسارات قد تكون هائلة الحجم. يمكن وصف أسلوب المقاومة هذا أنه وسيلة مادية من أجل هدف لا يتوقف عند التضامن الرمزي، بل يتطلع لتحقيق ضرب من العدل بعزل الاحتلال اقتصادياً؛ كأنها تطبق نوعاً من الحصار على إسرائيل بتعطيل جزئي على حركة تجارتها.

على عكس المظاهرات التي تحاول التأثير على الرأي العام بحمل رسالة في شوارع البلاد عبر أجساد المتظاهرين وأصواتهم، محاولة الطلب من دولها مساعدة الفلسطينيين. يذهب الإضراب أبعد من ذلك في طبيعته الاستراتيجية، حيث تتحول الأجساد الحاملة للرسالة لأجساد فاعلة.

في الإضراب، على عكس المظاهرة، لا تتحرك الأجساد أو تصرخ، بل تتوقف عن الإنتاج، لتكون فاعلة سياسياً ومنتجة لحدث سياسي يتحلى بالمقاومة والقوة المضادة لـ"شرعية" السيادة. بوصف آخر، يتحول الجسد الذي يحمل رسالة إلى رؤساء وهيئات متخاذلة يمكن لها أن تردع الاحتلال، إلى أجساد تنفذ غاية الرسالة بحد ذاتها، الردع و الرد على سيادة الاحتلال بشكل مباشر.

الاضراب رفض قاطع قد يقلب الثوابت في النظام القائم، أو يكشف زيف خطابات السلطة وتملصها من مطالب البشر. حسب تعريفات الفلسفة السياسية، هو قادر على تغيير شروط استمرارية السلطة ويتغلب على حجة الشرعية.

فإذا كانت السلطة قادرة على إعادة إنتاج شروط استمراريتها حسب الفيلسوف التوسير، عبر الإضراب يفرض المنتجون شروطهم الخاصة عبر توقيف خط الإنتاج، شروط قد تعيق بنية النظام القائم وشروط استمراريتها.

أما في صدد إضراب الموانئ، فهو الضرب على جبهتي إنتاج، جبهة السوق النيوليبرالي القائم على شبكة كبيرة من الملاحة البحرية، وجبهة اقتصاد إسرائيل الذي يتكبد الخسارات عند تعطيل خط عبور البضائع.

عن فاعلية "الفعل المباشر" كأسلوب تضامن بديل

يمكن للفعل المباشر كهذا الضغط والتصعيد ضد الاحتلال والأنظمة الداعمة له. الإضراب قادر على المضي أبعد من مناشدة رؤساء الدول الغربية من أجل إدانة إسرائيل، فهو يتجاوز الدولة بوصفها الفاعل السياسي الأول والأهم، موازناً ديناميكية القوة لصالح غير الممثلين سياسياً. والأهم في الحال الفلسطيني، أن فعلاً كهذا يمكن أن يكون تخطياً لأنظمة سياسية لم تتوقف يوماً عن دعم إسرائيل وقتل الفلسطينيين، ضمن براغماتية منافقة وتحقيقاً لمصالح استعمارية واقتصادية.

إضراب الموانئ ضرب على جبهتي إنتاج، جبهة السوق النيوليبرالي القائم على شبكة كبيرة من الملاحة البحرية، وجبهة اقتصاد إسرائيل الذي يتكبد الخسارات عند تعطيل خط عبور البضائع

في بداية الحراك، إبان أحداث الشيخ جراح، كانت التظاهرات في الغرب تصب في مناشدة الدول الغربية لإدانة إسرائيل، ووقف القتل وعلمية التهجير، وكان للحكام الغربيين، كتورود وميركل وبايدن، أنهم رفضوا إدانة إسرائيل، وشرع بعضهم عنف الاحتلال كدفاع عن النفس. في المقابل، تجاوزت حركة إضراب الموانئ الممثلين السياسيين، وتحركت بشكل مباشر في مواجهة إسرائيل، قاطعة سلسلة توزيع البضائع.

فهي بوصفها استراتيجية "فعل مباشر"-وهو مفهوم ينتشر في أوساط اليسار المعادي لهرمية سياسات الدول والرأسمالية- تتخلص من عبء الدولة وبيروقراطية القرار والمنطق القائم على المصلحة السيادية، وتستبدل ذلك بتنفيذ الفعل المراد، أملاً بتحقيق أهداف ولو بشكل نسبي.

أي أن النشطاء والنقابيين غير خاضعين لانتظار بيروقراطي وحجج دولية من قبل الممثلين السياسيين من أجل سياسيات تدين وتعيق جرائم إسرائيل، إنما تضيق على الاحتلال مرة وعلى دول المرافئ التي قد تنقص مواردها بتعطيل علاقاتها التجارية مع الاحتلال.

يمكن القول إن الحركة لا تزال جديدة الولادة رغم أثرها السياسي ذي الأهمية الكبيرة، الذي تعدى التضامن الرمزي نحو تضامن مادي مباشر.

ويمكننا استشراف أن لهذا النوع من التحرك مستقبلاً أكثر تأثيراً وقدرة على التغير، خاصة أنه لا يقف فقط في طريق إسرائيل، بل يعزل إسرائيل من المنظومة الرأسمالية، ويفكك من المنظومة الرأسمالية جزءاً مهماً من أطرافها التوسعية الحية في الشرق الأوسط.

هذا التكهن لا يعني أن الحركة اليوم غير فاعلة ومؤثرة ، ذلك أن ما تسببه الحركة من تأخير في جدول التوزيع والبيع يعود بخسارات ممكنة على دولة الاحتلال ومكانتها في السوق العالمية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard