أحدثهن امرأتان من داعش… كيف برّأت عقولنا النساء من ارتكاب جرائم الحرب؟

الأربعاء 8 سبتمبر 202105:21 م

اعتقلت السلطات السويدية امرأتين من السويد للاشتباه في ارتكابهما جرائم حرب في سوريا خلال انضمامهما إلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وهي واحدة من حالات نادرة واجهت فيها نساء تهمة ارتكاب جرائم حرب أو المشاركة فيها وتسهيلها، كما أنها المرة الأولى التي تواجه فيها نساء يعتنقن ديانة الإسلام هذا الاشتباه.

 ووفقاً لبيان صادر عن مكتب المدعي العام في ستوكهولم، وصلت ثلاث سيدات من المناطق التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش إلى مطار العاصمة السويدية. واعتُقلت اثتنان منهما، فيما أطلق سراح ثالثة لا تعتبر مشتبهاً بها بعد استجوابها. 

وقالت المدعيتان هانا ليموين وكارولينا ويزلاندر، المسؤولتان عن التحقيقات، لوكالة الأنباء السويدية TT، إن المرأتين المقبوض عليهما سيتم استجوابهما قبل أن يقرر الادعاء ما إذا كان سيوجه إليهما التهم رسمياً.

وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون السويدية إن إحدى المرأتين مشتبه في ارتكابها إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى أن الحكومة الإقليمية الكردية في شمال شرقي سوريا - حيث أقام داعش مقرًا لخلافته المزعومة قبل انهيارها في عام 2017 - قررت في حزيران/ يونيو ترحيل النساء الحاملات للجنسية السويدية، اللواتي كن جزءًا من داعش.

وذكرت الإذاعة العامة SVT أن النساء اللواتي عدن في 6 أيلول/سبتمبر، كن يقمن في مخيمات في شمال سوريا، لكن السلطات الكردية رحلتهن بعد أن قررت أنه ليس لديها أدلة كافية لمقاضاتهن. 

ومع ذلك، ذكر شيار علي، الممثل الكردي في بلدان الشمال الأوروبي: "لا يمكننا أو لا نمتلك الموارد لتقديمهم إلى العدالة".

مارست كتيبة "لواء الخنساء"  تعذيباً وحشياً ضد النساء بسبب الخروج من دون محرم أو التقصير في الحجاب، وأشرفت على بيوت حوت الأسيرات الإيزيديات اللواتي عوملن كرقيق جنس، وأسهمن في تعريضهن للإيذاء والاغتصاب

مقاتلات داعش

في عام 2014 أنشأ تنظيم داعش أول كتيبة نسائية مسلحة تحت مسمى "لواء الخنساء"، ضمت في صفوفها ألف امرأة، وشاركت في أكثر من 200 عملية إرهابية وقامت بأعمال شرطية داخل الخلافة.

 شاركت هذه الكتيبة عبر وحدة شرطية نسائية خاصة، تقودها سيدة تدعى أم حمزة، في ممارسة "تعذيب وحشي" للنساء بسبب جرائم بسيطة مثل عدم ارتداء غطاء الرأس أو الوجود في الخارج بدون مرافق من الذكور.

 وكانت هذه الوحدة مكونة من حوالى 60 امرأة تراوح أعمارهن بين 18 و25 عامًا، يحصلن على راتب يبلغ 230 دولارًا شهريًا، وطعامٍ ومأوى وتدريبٍ أساسي على الأسلحة النارية.

 وأشرفت هذه الوحدة أيضاً على بيوت حوت الأسيرات الإيزيديات اللواتي تم استعبادهن كرقيق جنس، وأسهمن في تعريضهن للإيذاء الجسدي والاغتصاب اليومي، وكن شاهدات على تداول هؤلاء الإيزيديات بين مقاتلي داعش مقابل بضعة دولارات. ومن المرجح أن تكون المرأتان تنتميان إلى تلك الكتيبة.

اعتادت عقولنا أن الرجال وحدهم مسؤولين عن جرائم الحرب، باعتبارهم تاريخياً أصحاب الحق دون سواهم في خوض الحروب، تجاور ذلك حقيقة أن النساء ومعهن الأطفال هن أكثر ضحايا الحروب تعرضاً للانتهاكات

داعشيات أمام المحاكم

 بدأ عدد من الدول الأوروبية في السنوات الماضية في محاكمة العائدين من سوريا بتهمة الانتماء لتنظيم داعش، كما شرعت في الوقت ذاته في محاكمة سوريين شاركوا مع النظام في جرائم خلال الثورة السورية.

 في أذار/ مارس، حُكم على امرأة بالسجن ثلاث سنوات في السويد بتهمة تعريض طفل إلى الخطر، لأخذها ابنها البالغ من العمر عامين إلى سوريا في عام 2014، إلى منطقة كان يسيطر عليها تنظيم داعش في ذلك الوقت.

 ويقال إن المرأة أخبرت والد الطفل أنها وابنها ذاهبان فقط لقضاء عطلة في تركيا. ومع ذلك، بمجرد وصولها إلى تركيا، عبرت بالطفل إلى سوريا قاصدة الأراضي التي يديرها تنظيم داعش.

 تمكنت المرأة لاحقاً من الفرار إلى تركيا حيث جرى القبض عليها مع ابنها وطفلين آخرين كانت قد أنجبتهما في هذه الأثناء. وكانت تعيش مع أحد مقاتلي داعش من تونس، وتم تسليمها إلى السويد.

و في النرويج، حكمت محكمة في أوسلو على نرويجية من أصول باكستانية تبلغ من العمر 30 عامًا، بالسجن لمدة ثلاثة أعوام ونصف "لأنها قدمت خدماتها لأزواجها الثلاثة في داعش، ما أعانهم على خوض المعارك".

 وبدأت في ألمانيا، في تموز/يوليو 2020، محاكمة امرأة سورية تحمل الجنسية الألمانية، بتهمة  الانتماء إلى تنظيم إرهابي وانتهاك قانون مراقبة أسلحة الحرب وجلب نساء لـ"داعش" تحت ما يسمى بـ"شبكة الأخوات"، واعترفت أنها سافرت إلى سوريا مع زوجها عام 2014.

 النساء وجرائم الحرب

من محاكمات نورمبرج - غير خاضعة لحقوق الملكية الفكرية

تاريخ جرائم الحرب قديم قدم المجتمعات الإنسانية البدائية، لكن منذ بدء محاكمة مرتكبيها في 1474 أمام البابا، ظل الرجال هم مجرمي الحرب الذين يتجدد وقوفهم على فترات متباعدة كلما انهزموا في الحروب. إلى أن جاءت الحرب العالمية الثانية التي نشأت على إثرها محاكم خاصة في نورمبرغ وطوكيو لمحاكمة قادة وضباط جيوش دول المحور بزعامة ألمانيا واليابان على جرائمهم التي ارتكبوها.

بحسب دراسة نشرتها جامعة ستانفورد، اعتادت عقولنا ما يشهد به التاريخ المكتوب بأن الرجال كانوا دوماً وحدهم مسؤولين عن جرائم الحرب باعتبارهم تاريخياً أصحاب الحق دون سواهم في حمل السلاح وخوض الحروب، تجاور ذلك حقيقة أن النساء ومعهن الأطفال هن أكثر ضحايا الحروب تعرضاً لانتهاكات لا تقل فظاعة عن القتل كالاغتصاب والإجهاض القسري والقتل بشق بطون الحوامل والاسترقاق الجنسي. لكن الباحثتين المختصتين في قضايا وسياسات النوع الاجتماعي اللتين أعدتا الدراسة، بحثتا في أدلة تاريخية لتستكشفا من خلالها دور النساء في جرائم الحرب وكيف تمهد التصورات المسبقة إلى إفلات نساء أجرمن في حق نساء أخريات وأشرفن على اغتصابهن وقتلهن. 

على الرغم من الصورة الشائعة ،الحقيقية إلى حد كبير، بأنهن كن ضحايا تضليل واستغلال جنسي، تقف نساء داعش أمام المحاكم ليواجهن تهماً، ظن عقلنا الجمعي أنها لا يمكن أن ترتكب على أيدي النساء

 خلال محاكمات نورمبرغ، وقفت النساء للمرة الأولى أمام القضاة كمجرمات حرب، إذ صدر حكم على نساء انتمين إلى الرايخ الثالث وعملن في وظائف مساعدة لمجرمي الحرب بشكل سهل انتهاكاتهم، انتهت المحاكمات إلى العفو على النساء واعتبارهن ضمن أصحاب الوظائف الصغرى "لا يشكلن خطراً على المجتمع عقب انتهاء الحرب"، وذلك على الرغم من أن أرشيف المحاكمات نفسها أثبت أن أكثر من نصف مليون امرأة انتمين إلى الرايخ الثالث شاركن في اجتياح شرق أوروبا، الذي وقعت خلاله أفظع الانتهاكات المسجلة ومن بينها الهولوكوست الذي طال الروما (الغجر) ويهود بولندا والمعاقون.

من بين هؤلاء النساء حكم على 26 امرأة بالإعدام في ألمانيا والنمسا، ولم تواجه أي من المشاركات الأخريات أية عقوبة. ومن المحكومات بالإعدام، هليدا فيرنيكه وهيلينه فيرنزيك وهما ممرضتان أعدمتا بعد ثبوت قيامهما بتسميم عدد من المعاقين ذهنياً تحت إشرافهما ضمن برنامج "القتل الرحيم" الذي وضعه النازيون للتخلص من المصابين بإعاقات ذهنية أو جسدية.

 وفي 2015، بعد عقود طويلة من انتهاء الحرب، وجِّهت تهمة المساعدة في قتل 260 ألف ضحية كانوا في معتقل أوشفيتز إلى امرأة ألمانية كانت من بين ضابطات الاتصال في المعتقل.

 لم تتوقف اتهامات النساء بالضلوع في جرائم الحرب بعد الحرب العالمية الثانية وتبعاتها، بل تكررت في أزمنة أكثر حداثة، إذ اتهمت الرئيسة المشاركة السابقة لجمهورية صربيا بارتكاب جرائم حرب خلال حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وكانت مسؤولة ومشرفة بشكل مباشر من خلال منصبها على قتل أكثر من 50 ألف من مسلمي البوسنة والهرسك وكوسوفو، كما كانت مسؤولة مباشرة على جرائم الاغتصاب والاسترقاق الجنسي التي تعرضت لها نساء البوسنة والهرسك. 

بولين ناراماسوكو هي المرأة الوحيدة التي اتهمت خلال محاكمات انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية في رواندا بين قبيلتي الهوتو (الحاكمة) والتوتسي في تسعينيات القرن الماضي، لأن ناراماسوكو - التي كانت وزيرة للأسرة في ذلك الوقت- حرضت وأشرفت على قتل رجال التوتسي واغتصاب نساء القبيلة نفسها في إطار عمليات التطهير العرقي في البلاد.

الآن، على الرغم من الصورة الشائعة ،والحقيقية، بأنهن كن ضحايا تضليل واستغلال جنسي، تقف نساء داعش أمام المحاكم ليواجهن تهماً، ظن عقلنا الجمعي أنها لا يمكن أن ترتكب على أيدي النساء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard