أنا يوسفُك القتيل بين يديك... ثيمة قتل الأب لابنه عبر التاريخ

الثلاثاء 14 سبتمبر 202106:43 م

يذكر فرويد في كتابه الشهير "الطوطم والتابو"، أن الجماعات البشرية القديمة قد عرفت الحياة في شكل عشائر، وكان لكل عشيرة قائد ذكر، متحكم قوي، يحظى بمعاشرة جميع النساء، وكان الأطفال الذكور يتم تهميشهم، ويُحرمون من حقوقهم الجنسية، حتى قام هؤلاء الأبناء في مرحلة تاريخية ما بانقلاب ثوري على أبيهم، فقتلوه والتهموا جثمانه، ومارسوا الجنس مع نسائه، ولكنهم بعد فترة ندموا وشعروا بالخطأ الجسيم الذي وقعوا فيه، ومن باب إحساسهم الدائم بالذنب، فإنهم سينظمون وليمة طوطمية شعائرية في مواعيد محددة كلّ عام، وكان الهدف منها هو إحياء ذكرى الأب الطاغية، الذي دخلت عبادته –بشكل خفي- في الطقوس الدينية المُتعارف عليها بين أفراد العشيرة في الأجيال التالية.

هذه الفكرة/الثيمة ستحضر، بأشكال متعددة، في شتى ميادين الميثولوجيا والتاريخ، إذ سيتكرر مشهد قتال الأب والابن في الأساطير والملاحم الشعبية، كما ستتواتر أيضاً في بعض الحالات التاريخية التي أكدتها المصادر والمراجع ذات الموثوقية العلمية.

في الميثولوجيا اليونانية: الصراع بين كرونوس وزيوس، وعقدة أوديب

تتحدث الأساطير اليونانية عن قصة الإله كرونوس مع أبيه وأبنائه، وهي قصة تظهر فيها ثيمة الصراع بين الأب والابن بشكل واضح وصريح. بحسب ما ورد في "معجم الأعلام في الأساطير اليونانية والرومانية" لأمين سلامة، فإن كرونوس هو ابن الإله أورانوس والإلهة جيا، وقد تمكن بمساعدة أمّه من الاستيلاء على السلطة من أبيه، وذلك بعدما سلحته جيا بمنجل عظيم، ليستخدمه كرونوس في قتل أورانوس وحكم الأرض.

بحسب الأسطورة، فإن نبوءة ما ستتوقع أن يلقى كرونوس نفس المصير الأليم الذي لقيه أورانوس، ولذلك فإن كرونوس بعد أن يتزوج من أخته ريا، سيبتلع جميع أبنائه عقب ولادتهم مباشرة للحيلولة دون تحقق تلك النبوءة، وستمتلئ بطنه بكلٍّ من هيستيا وديميتر وهيرا وبوسيدون، ولما يولد الابن الأخير زيوس، فسوف تخفيه ريا بعيداً عن عيني أبيه المترقبتين، وستعطيه حجراً تم إخفاؤه في قماط، وسيبتلعه كرونوس –غافلاً- ظناً منه أنه زيوس.

وتيرة الأحداث ستتسارع بعد ذلك، فزيوس سيتربى ويشب في جزيرة كريت بعيداً عن نفوذ والده، وبعدها سيتصارع الأب وابنه في ميادين القتال، وفي النهاية سيعتلي زيوس العرش بعد أن يجبر والده على لفظ إخوته واحداً بعد آخر، ليأخذوا أماكنهم في مجلس آلهة الأوليمب.

أيضاً عرفت الميثولوجيا اليونانية القديمة قصة أوديب، والذي يقول العراف لأبيه قبل ولادته، إنه سوف يُقتل على يد ابنه، وسيقوم الأب بعدها بإلقاء الابن -أوديب- في الجبل بمجرد ولادته، وهناك سيلتقطه أحد الرعاة، وسيربيه حتى يكبر، وحينها سيعود أوديب إلى المدينة ليقتل الأب ويتزوج من أمّه دون أن يعرف حقيقة صلته بهما. ومن الجدير بالذكر أن تلك القصة الأسطورية ذائعة الصيت، سترتبط بأحد أهم المعضلات الشائعة في علم النفس التحليلي، وهي تلك التي ستُعرف باسم "عقدة أوديب"، والتي تشير إلى إحدى العقد النفسية التي تطلق على الابن الذكر الذي يحب والدته ويتعلق بها ويغار عليها من أبيه، فيكرهه ويضمر له العداء.

في العهد القديم: فرعون وموسى، وأبشالوم بن داود

في العهد القديم توجد قصتان مهمتان ترتبطان بثيمة الصراع بين الأب والابن، الأولى قصة موسى وفرعون، والثانية قصة الملك داود وابنه أبشالوم.

في القصة الأولى، والتي ترد بتمامها في سِفر الخروج، ترد حكاية موسى الرضيع الذي ألقته أمه في اليمّ خوفاً من تعقب الفرعون، حاكم مصر، لمواليد الإسرائيليين بغية ذبحهم، وتصل السلة التي يوجد الطفل بداخلها إلى أيدي خدم الفرعون، فيتلقفونها ويأخذون الطفل، وتتبناه زوجة الفرعون، ليشب الطفل الرضيع في منزل العدو الأكبر لبني جنسه. القصة تصل لذروتها بعد سنين، عندما يكبر موسى ويحمل على عاتقه الرسالة التي تلقاها من جانب يهوه، إله بني إسرائيل، ليطلب من الفرعون إطلاق قبائل بني إسرائيل من مصر، ولكن الأخير يرفض ويصرّ على إبقائهم عبيداً للمصريين.

في الإسلام وردت الكثير من القصص التي تظهر فيها ثيمة العداء بين الأب والابن، ولعل أشهر هذه القصص، تلك التي جاء ذكرها في سورة هود

في المشهد الختامي للقصة، يقود موسى قومه إلى الشرق، وبينما يجتاز الإسرائيليون البحر بسبب المعجزة التي وقعت عندما ضرب موسى الأرض بعصاه، فيتعرض فرعون وجيشه للغرق بعد أن حاولوا اللحاق بموسى، وهكذا يسقط الأب الاعتباري لموسى أمام ابنه الذي تبناه منذ سنين.

أما القصة الثانية التي يذكرها العهد القديم، فقد كانت تلك التي تتحدث عن الصراع بين الملك داود، ثاني ملوك الدولة الإسرائيلية الموحدة، وابنه أبشالوم. وردت تفاصيل تلك القصة في سفر صموئيل الثاني، والذي يتحدث عن غضب أبشالوم من أخيه غير الشقيق أمنون، بسبب قيام الأخير باغتصاب شقيقة أبشالوم المعروفة بثامار، الأمر الذي أثار حفيظة أبشالوم فقام بقتل أمنون، وهرب بعدها خوفاً من غضب أبيه داود.

بحسب ما ورد في العهد القديم، فصفح داود  عن أبشالوم بعد ثلاث سنوات لأنه كان يحبه كثيراً، فرجع الأخير إلى أبيه الشيخ وظلّ في معيته لفترة، ثم حدثته نفسه بالانقلاب عليه والاستيلاء على الحكم، وبالفعل انتقل إلى حبرون، وأعلن نفسه فيها ملكاً لبني إسرائيل وجهز جيشه لقتال أبيه. بعد فترة من الحشد والتعبئة، وقع الصدام بين الجيشين في المعركة المعروفة باسم معركة غابة إفرايم، وفيها خسرت قوات المتمردين، وهرب أبشالوم، وكان داود يطلب من قواته الرفق بابنه العاصي، ويعيد عليهم رجاءه: "تعاملوا برفق لأجلي مع أبشالوم الشاب". ولكن سرعان ما حانت لحظة النهاية التي اختلطت فيها الرومانسية الحالمة بالخرافة والأسطورة، وذلك عندما تعلق شعر أبشالوم الطويل بإحدى فروع الشجر في الغابة، ففقد القدرة على الحركة، وصار معلقاً بلا حول ولا قوة، وعندها قام أحد جنود داود بقتله بعدما رماه بثلاثة أسهم، في الوقت الذي كان فيه داود المكلوم يبكي ابنه القتيل.

في القرآن والسيرة والتاريخ: ابن نوح الكافر، وأبو عبيدة بن الجراح، والأمير مصطفى بن السلطان سليمان القانوني

في الإسلام وردت الكثير من القصص التي تظهر فيها ثيمة العداء بين الأب والابن، ولعل أشهر هذه القصص، كانت تلك التي جاء ذكرها في سورة هود:  "... وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ. قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ"، والتي يظهر فيها ابن نوح الكافر وهو يغرق عقاباً له على رفضه للتصديق بالدعوة التي جاء بها أبوه.

قام السلطان العثماني سليمان القانوني بقتل ابنه البكر الأمير مصطفى

أما فيما يخص السيرة النبوية، فقد تحدثت الكثير من المصادر التاريخية عن بعض المواقف التي وقعت فيها المواجهات بين الآباء وأبنائهم في ساحات المعارك في بدايات الإسلام. على سبيل المثال، يحكي ابن هشام (المتوفى 218هـ) في "السيرة النبوية" فيما يخص أحداث غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، أن الصحابي أبا عبيدة بن الجراح قد قتل أباه المشرك في هذه المعركة، كما يذكر ابن هشام أن أبا بكر الصديق قد حدث ابنه عبد الرحمن بعد إسلامه، عندما أخبره الأخير إنه كان يستطيع قتله في بدر ولكنه آثر أن يتركه حياً، رد عليه أبو بكر: "أما والله لو رأيتك في المعركة لقتلتك".

في السياق نفسه، ذكر ابن حجر العسقلاني (المتوفى 852هـ) في كتابه "الإصابة في معرفة الصحابة"، أن بعض الصحابة المقربين من النبي قد استأذنوه في قتل آبائهم لِما عُرفوا به من نفاق وتدبير ضد الإسلام والرسول، إذ كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ومن بين هؤلاء الصحابة كل من حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن عبد الله بن أُبيّ ابن سلول، وكان الرسول ينهاهم عن ذلك في كل مرة.

التاريخ السياسي للإسلام شهد هو الآخر مجموعة من الحالات التي ظهرت فيها الصراعات الدامية بين الأب وابنه في سبيل الوصول لكرسي الحكم، من تلك الحالات، ما وقع في الاندلس في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، بين الحاجب المنصور وابنه عبد الله، ذلك أن الحاجب محمد بن أبي عامر المنصور، قد تمكن في تلك الفترة من إحكام قبضته على الدولة، فهمش من الخلافة الأموية، وحكم باسم الخليفة الشاب هشام المؤيد بالله، وأطاح بجميع خصومه واحداً بعد الآخر، ليجد الخطر الأخير يوجه إليه من ناحية ابنه الأكبر عبد الله.

عبد الله، الذي طمح في منصب الحجابة، عقد تحالفاً سرياً مع عبد الرحمن التجيبي والي سرقسطة ضد الحاجب المنصور، ولكن الحاجب القوي استطاع أن يقضي على تلك الفتنة في بدايتها، فقتل ابنه وشريكه في المؤامرة دون أن يرتعش له رمش أو تُطرف له عين.

في ملحمة الشاهنامة، ينتهي المشهد الملحمي برستم وهو يقتل ابنه، في نفس اللحظة التي سيعرف فيها حقيقة شخصيته

في السياق نفسه، عرف التاريخ العثماني حالة مشابهة في القرن العاشر الهجري، وذلك عندما قام السلطان العثماني سليمان القانوني بقتل ابنه البكر الأمير مصطفى في 960هـ. بحسب ما ورد في المصادر التاريخية العثمانية، الشعبية الجارفة التي تمتع بها ولي العهد، الأمير مصطفى بين جنود الإنكشارية، قد أثارت المخاوف في صدر أبيه السلطان، وسرعان ما زادت تلك المخاوف بعدما دبر الصدر الأعظم رستم باشا لمؤامرة أظهرت الأمير مصطفى في دور الحليف السري للشاه الصفوي طهماسب، العدو اللدود للسلطان سليمان. بحسب الرواية الشائعة، قام السلطان القانوني باستدعاء الأمير مصطفى إلى معسكره، ولما دخل عليه، عاتبه ثم أمر حرسه بخنقه، ودفن جثمانه بعدها في مدينة بورصة.

في السيرة الشعبية: رستم وسهراب، وأبو زيد ورزق

الثقافة الإسلامية هي الأخرى عرفت ثيمة الصراع بين الأب والابن، وإن طبعتها بالطابع الملحمي الغرائبي الذي يركز على أن كل من الرجلين -الأب والابن- كان يجهل الآخر، وأنهما لم يعرفا حقيقة العلاقة الوطيدة المنعقدة فيما بينهما إلا بعد أن رفع كل منهما سيفه على الآخر في ميدان المعركة.

في الحقيقة، هناك نموذجان مشهوران لتلك الثيمة في الثقافة الإسلامية، أولهما فارسي، ظهر في ملحمة "الشاهنامة"، المنتشرة في شتى أقاليم الهضبة الإيرانية وآسيا الوسطى، وثانيهما عربي، وضح في السيرة الهلالية، التي ذاع صيتها في مصر والحجاز وبلاد المغرب.

في ملحمة الشاهنامة، التي دونها الشاعر الفارسي أبو القاسم الفردوسي في القرن الرابع الهجري، ورد الحديث عن البطل الأسطوري رستم الذي تزوج من تهمينه، ابنة ملك سمنجان، ثم فارقها وقفل راجعاً إلى دياره دون أن يدري أنها قد حملت منه بابن، وهو الذي سيولد فيما بعد وسيُسمى سُهراب.

الملحمة ستذكر الكثير من الأحداث بعد ذلك، ومنها أن سهراب سيعرف حقيقة بنوته لرستم، وسيقود جيشاً كبيراً ناحية دياره، وكان يريد أن يضم قوته إلى قوة أبيه حتى يتمكنا معاً من اكتساح إيران، والسيطرة على جميع أراضيها، ولكن الأمور ستتعقد بعد عدد من المواقف الدرامية المُركبة، والتي سيجد البطلان -رستم وسهراب- نفسيهما بعدها، وقد وقفا ليتصارعا ضد بعضهما بعضاً في ساحة المعركة، وسينتهي ذلك المشهد الملحمي برستم وهو يقتل ابنه، في نفس اللحظة التي سيعرف فيها حقيقة شخصيته.

المشهد ذاته تقريباً سيتكرر في حكاية الأمير رزق وابنه سلامة في "السيرة الهلالية"، وهي الملحمة التي انبنت المحاور الأهم فيها على مجموعة من الأحداث التاريخية التي وقعت في القرن الخامس الهجري. في هذه الملحمة، سيفترق الابن سلامة -والذي سيشتهر فيما بعد بأبي زيد الهلالي- عن أبيه رزق بن نائل، بعد أن شكك الثاني في نسبة الأول له، وبعد سنوات طوال من الغيبة والفراق، سيقود كل منهما جيشه لقتال الآخر، وسيخوض البطلان مبارزة قوية في ساحة القتال، وقبل أن يتمكن الابن من قتل الأب، تنكشف الحقيقة، ويعرف سلامة أن رزق هو أبوه الذي اتهم أمه خضرة الشريفة بالزنا منذ سنين، فيعيد إليها حقها المسلوب، ويحكم على بني هلال أن تعود أمه خضرة الشريفة على بساط من حرير تأكيداً لبراءتها مما نُسب إليها من زور وبهتان.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard