خوفُك يهرول نحوي، يظنني أمّه... قصائد بسمة شيخو

السبت 11 سبتمبر 202104:53 م

 مجاز البدية، طريق طويل إلى إيثاكا


1

الحبّ

يأتي غامضاً

كصوتٍ من الغرفة المجاورة

لا يخيفك

يأتي كحصاة ألقيت وسط بحيرة رأسك الراكدة

يحرّك داخلها الأسئلةَ

من أين الصوت؟

ما يقول؟

من يتكلم هناك؟

تفتح باب الغرفة المتوقعة

هادئة وساكنة

الستارة تتحرك بخفة

أحدهم نسي النافذة مفتوحة

يعود الصوت ويأتي

من غرفة مغايرة

تنتقل من غرفة لأخرى

من بيتٍ لبيت

تمشط الأبنية

والشوارع

ومازال الصوت يأتي من حيث لم تبحث.

عندما تستهلك خطواتك

وتسند ظهرك على فراغ متين

ترمي رأسك للخلف

تغمض عينيك

يأتي الصوت من داخلك

تعرف الآن مصدر الصوت

قلبك

حيث يجلس حبيبك

ويغني.


2


أستطيع أن أحبك وأنت حزين

قادرة على مسحِ دموعك بمنديل

والاحتفاظ به في صندوق مجوهراتي

أستطيع أن أحبك وأنت مشغول

برشاقةٍ أمدّ رأسي داخل قائمة أشغالك

ألقي قبلةً نحوك

وأغيب بين الحشود

أستطيع أن أحبَّك وأنت عصبيّ المزاج

أراقبك تغلي كركوةِ قهوةِ الصباح

تندلق نيرانك أمامي

وتهدأ

ابتسامة مني كفيلةٌ بذلك

أستطيع أن أحبّك وأنت مهموم

أحمل الميزان وأجلس بجانبك

تعال نتقاسم همَّك بالتساوي

قبل أن أغادر

أسرق من حصتك حفنة.

أستطيع أن أحبّك وأنت خائف

أشدّ على يدِك

أعانقك

تعرف كم أحتاجك

فتتشجع من أجلي

أستطيع أن أحبّك وأنت سعيد

تطرز الضحكات على حجارة الطرقات

ووجوه الأصدقاء

أراقب لمعةَ عينيك

وأبتسم لوجهي المختبئ هناك

أحبّك وأنت ضبابيّ المزاج

أرمي أمامك قليلاً من الضوء

وأراقب وجهك يسطع من جديد.

أستطيع أن أحبّك وأنت

تشرق

أو تذبل

تضيء

أو تخبو

تصرخ

أو تهمس

تمشي

أو تركض.


أستطيع أن أقضي أعواماً طويلة

أحصي حركاتك وسكناتك

وأحبّك بكلّ حركة

وبكل سكون.

الحبّ لصّ، يملك كلَّ المفاتيح، إن خرجَ من قلبِك، ستفقد كلَّ شيء... مجاز الأبدية في رصيف22

3


كيف تحوّلت السماء لقبّعة لهذه الارض

والأرض حذاءً للسماء

الأبنية تنتصب أشواكاً في أجساد المدن

وتتمدد الشوارع جروحاً في أرجائها

نعبر الطرقات

كجراثيم

تقيّح الجروح

نسبب الحكاك للحياة

لكنها لا تنتبه لوجودنا

في زاوية في حضنها

أجلس وحدي

أؤرجح قدميّ

وأضحك

كل ما يحصل مثيرٌ للسخرية

أرمي الحصى وأصطاد الشتائم المحلّقة

أبكي

وأعاتب أحلامي.


تعال اجلسْ بجانبي

نسخر، نضحك، ونبكي معاً

نحبّ بعضنا

نضيء

فتنتبه لنا الحياة.


4


خلقك الله لأجلي فقط

الغمازة في خدِّك الأيسر

لأملأها قُبلاً

مناسبةٌ لحجم فمي

لون عينيك

لون البحر الذي أحبّ

ها أنا كلّما وقفت قبالتَك

أغرق

الشامةُ على رقبتك

علامةٌ تدلّ اصبعي من أين يبدأ طريقه

أنفُك

بالانحناءة المناسبة

ليلتقطَ رائحتي طوال الوقت

حاجباك

قوسان مشدودتان

تطلقان نظراتِك نحوي

شامتُك الجديدة

شوقٌ لي

أثمر في جسدك

خلقك الله لأجلي فقط

ها هو خوفُك يهرول نحوي

يظنني أمّه

أهدهد له لينام

وأضمّه إلى صدري

فرحُك ضخم

يفتح ذراعيه بما يكفي لعناقنا أنا وأنت

ويقسم أنّه لن يفلتَنا

حزنك يحفر قبرَه بالقرب

التّراب مرّغ وجهينا

ومازلنا نبتسم لحزنِك في ساعاتِه الأخيرة

غضبك يصرخ كلّ حين

كتنينٍ أيقظه الجوعُ

أفتح له أذنيّ

وعقلي

أبتلعه قبل أن يبتلعني.

حبُّك خُلق لأجلي

لا أحد يبصره سواي

لا أحد يسمعه سواي

ولا أحد يعرف حلاوتَه سواي

حتى أنت

تجهل كم تحبني.

سيكثر الحديثُ عن كنزٍ، تحت وسادتها، مجموعة أسنان فقط، خبّأتْها لابتسامتِها الأخيرة... قصائد بسمة شيخو في مجاز الأبدية


5


الحب كالفراشة

اجلسْ هادئاً

وسيقف على كتفك.

الحبّ كالكريستال

يلمع

لكنه يُكسر دون قصد.

الحبُّ كالطّين

يحتاج حرارةً عالية

لينضج.

الحبُّ كالبحر

يرهقك بضجيجِه

ويمنحك السكينةَ بذات الوقت.

الحبّ لصّ

يملك كلَّ المفاتيح

إن خرجَ من قلبِك

ستفقد كلَّ شيء.


6


سأكون عجوزاً سيئة

تلوك ماضيها طوالَ الوقت

وتبصقه في وجهِ أيامها الحاضرة

لا يعجبها شيءٌ

ستشتم الجميعَ

ثم تزرع حولَها الصّمتَ

حتى تغرقَ داخلَه

كإبرةٍ في كومةِ قشّ،

ستلمع أحياناً

فيلتقطها بعضُ الصِّبية

يتجمعون عند أقدامِها ككُرات الصّوف

ستحتفظ منهم ببضعة خيوطٍ لذكرياتِها الباردة

ثم تطردهم جميعاً

فقصصها تجعل الكبارَ يبكون،

تلقي كلماتِها بحذر

حصىً في بركة الأيام

تترك الدوائر لتكمل الحديث

لن تروضها الحياة

عجوزٌ شرسة

تسكن غرفةً بعيدة

ستُنسَج حولها القصصُ

سيكثر الحديثُ عن كنزٍ

تحت وسادتها،

مجموعة أسنان فقط!

خبّأتْها لابتسامتِها الأخيرة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard