هل تنقل الجزائر ليبيا إلى بر الآمان؟

الأحد 5 سبتمبر 202105:15 م

 رمت الجزائر بكامل ثقلها وراء محاولة حل الأزمة في ليبيا، هذا البلد الذي تتقاسمُ معهُ نحو ألف كيلومتر من الحدود البرية، إذ احتضن المركز الدولي للمُؤتمرات الواقع بنادي الصنوبر غرب العاصمة الجزائرية، اجتماع وزاري لدول جوار ليبيا، شعارهُ "حلحلة الأزمة" في هذا البلد، بحضور دبلوماسي واسع، تمثل في وزراء خارجية تونس، مصر، السُودان، تشاد، النيجر، وممثلين آخرين عن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ومؤسسات أخرى، بينهم أحمد أبو الغيظ الأمين العام لجامعة الدول العربية وبان كوبيتش المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا، وبانكولي أدوبي مُفوض الشؤون السياسية والسلم والأمن للاتحاد الإفريقي، وهي إشارة وصفها وزير الشؤون الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة بـ "المُؤشر الهام على التقدم الكبير الذي حققتهُ العملية السياسية لحل الأزمة، فضلاً عن كونه دليلاً بليغًا على تمسكنا جميعًا بضرورة إسماع صوت ليبيا".

باحث سياسي: الأزمة الليبية أثقلت كاهل الجزائر ماديا وأمنيًا، بسبب التحركات المستمرة للمجموعات الإرهابية وشبكات تهريب السلاح والمخدرات على الحدود الليبية الجزائرية

رسائل لعمامرة

خلال المُؤتمر الذي انطلقت أشغاله في 30 آب/ أغسطس الماضي بالجزائر، وجه لعمامرة رسائل للأطراف "المؤثرة" و "المُتأثرة" بالمشهد الليبي، أكد فيها أن هُناك مُخططات من بعض القوى الأجنبية لتعزيز نُفوذها في ليبيا، وحتى "استعمالها كمنصة لإعادة رسم التوازنات الدولية على حساب المصالح الاستراتيجية لليبيا وجيرانها".

وألقى لعمامرة الكرة في ملعب دول "الجوار الليبي" وخاطبهم بالقول: "وجب علينا التعاطي والتفاعل مع مُستجدات ما يحدث في ليبيا وفق مقاربة استباقية ورؤية واضحة، فمجموعة دول جوار ليبيا تبقى معنية أكثر من غيرها بالتداعيات المُباشرة الناجمة عن الأوضاع المضطربة في هذا البلد المجاور والشقيق، وهُو ما أكدته للأسف البالغ الكثير من الأحداث المأساوية التي تعرضت لها بلداننا جراء غياب الاستقرار في هذه المنطقة".

ويجمعُ الكثير من المراقبين على أن الجزائر تسعى جاهدة لرأب الصدع القائم حاليًا بين عدة أطراف حول أرضية الانتخابات المقرر تنظيمها في 24 ديسمبر/ كانون الأول القادم، لأن الأزمة اثقلت كاهلها ماديا وأمنيًا بسبب التحركات المستمرة للمجموعات الإرهابية وشبكات تهريب السلاح والمخدرات.

يقول الباحث الجزائري في الشؤون الأمنية والسياسية مبروك كاهي لـرصيف22، إن استمرار تدافع الفاعليين الدوليين والإقليميين في ليبيا لا يخدم أمن واستقرار الجزائر، فكُلما تأخر الحل كلما اقتربت ليبيا من نموذج "الصوملة" وهُو ما تحدث عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون في إطار لقاءاته الدورية المنتظمة مع الصحافة المحلية، إذ قال إن: "ما حدث في سوريا يجري في ليبيا ونفس الأطراف تتصارعُ مُجددًا. وفي حال تفاقم الأزمة، فلا أستبعدُ أن تتحول ليبيا إلى صُومال جديدة".

استمرار تدافع الفاعليين الدوليين والإقليميين في ليبيا لا يخدم أمن واستقرار الجزائر

وبرأي مبروك كاهي  فإن الجزائر مُجبرة على توظيف جميع أوراقها والدفع بقوة في ليبيا، سيما أن "هُناك أطراف تعملُ على إطالة الأزمة حتى يبقى الجيش الجزائري منشغلتً بالحدود الشرقية أكثر من الغربية"، ويواصل: "استمرار الأزمة هو استمرار لاستنزاف الجيش الجزائري المُثقل بأزمات أخرى كالأزمة في مالي وبدرجة أقل الأزمة التشادية"، فحل أزمة الجارة الشرقية ليبيا سيكون بمثابة دعم قوي للجزائر في إرساء الأمن في الساحل الإفريقي المُلغّم.

ويؤكد المحلل السياسي أحسن خلاص لـرصيف22 أن حجم التدخلات الدُولية يجبرُ الجزائر على التحرك من أجل تنظيم الانتخابات الرئاسية في وقتها المُحدد، ويقول: "الأزمة في ليبيا ليست داخلية، بل هي دولية لأنها محل أطماع للقوى الإقليمية والدولية، والنزاع عليها سيكون له ضرر على الجزائر وإذا تواصلت الأزمة فإنها ستتحول إلى فضاء للنشاط الإرهابي".

ومن بين الأسباب الأخرى التي دفعت الجزائر إلى تنشيط دورها، يُوضح خلاص أن التحرك الجزائري بشأن الملف الليبي والرغبة في تأمين الحدود الشرقية والجنوبية، له علاقة برغبة الجزائر  في الاستثمار والتجارة في عدة مجالات، لاسيما مجال الطاقة.

واحتضنت الجزائر منذ شهرين تقريبًا المنتدى الاقتصادي الجزائري الليبي، بمُشاركة 310 من رجال الأعمال الليبيين، الذين قدموا إلى الجزائر في وفد برئاسة وزير الاقتصاد والتجارة الليبي محمد الحويج. وتُوّج هذا المنتدى بمجموعة من الاتفاقيات التي تصب في تعزيز التبادل التجاري والرفع من مستوى تدفق الاستثمارات الاستراتيجية.

أيهما أولى المُرتزقة أم حراك 24 ديسمبر

توصّل الوزراء المجتمعون في الجزائر على مدار يومين كاملين إلى آلية انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، وأكدوا على التنسيق مع لجنة (5+5) العسكرية بشأن موضوع انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية، حسبما كشفت وزيرة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية الليبية نجلاء المنقوش، خلال مُؤتمر صحافي مُشترك مع نظيرها الجزائري رمطان لعمامرة عقد يوم الثلاثاء 1 آب/ أغسطس بالعاصمة الجزائر، غير أن الغموض لا يزال يُحيط بانتخابات 24 ديسمبر/ كانون الأول القادم، فإجراؤها من عدمه لا يزالُ أمرًا غير مُؤكد بالنسبة لنجلاء، التي اكتفت في ردها على سؤال بشأن الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها بالقول إن "المساعي جارية لأن تجرى في وقتها" مُؤكدة انتظار موقف البرلمان من القاعدة الدستورية.

وبرأي المحلل السياسي أحسن خلاص فإن قرار طرد القوات الأجنبية والمرتزقة وحل الميليشيات، هو أهم انجاز تمخض عن مؤتمر دول الجوار الليبي، أما الاستحقاق الانتخابي فيمكنُ تأجيله لضمان إجرائه في أحسن الظروف، وبإمكان الجزائر ربط اتصالاتها مع أطراف ليبية لتفكيك عقد القاعدة الدستورية.

وعلى ضوء ذلك يرى كاهي إن مشكلة ليبيا سهل حلها فهي لا تعاني من طوائف وإثنيات ونهديدات التفكك وانفصال الأقاليم، و"الأمر الذي ينبغي تجسيده ميدانيًا هو العمل على تقريب وجهات النظر بين مختلف اللاعبين الدوليين على الساحة الليبية"، مضيفاً أن الجزائر قادرة على تجاوز هذه العقبة بالنظر إلى "الرصيد الدبلوماسي الذي تمتلكه في حل أزمات دولية أصعب من هذه بكثير"،  منها الحرب الإيرانية العراقية وأزمة السفارة الأمريكية بطهران والحرب الإثيوبية الإريترية واتفاق السلام التاريخي الموقع بالجزائر.

واختتم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ورقلة جنوبي الجزائر تصريحاته بالقول إن اجتماع الجزائر هُو بمثابة "برلين إفريقي"، في إشارة إلى مُؤتمر "برلين 2" الذي عُقد في العاصمة الألمانية  في 23 يونيو/ حزيران الماضي.

ويقرأ المحلل السياسي محند برقوق، الاجتماع في زاويتين اثنتين: الأولى متعلقة بمرافقة الإخوة الليبيين للوُصول إلى تنظيم عملية ومسار الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/ كانون الأول القادم، أما الزاوية الثانية فتتعلق بالتأثير على دُول الجوار والحسابات الجيوسياسية لبعض الدول الكبرى التي تسعى لإعادة تشكيل خريطة المنطقة.

ويعتقدُ الأستاذ الجامعي برقوق أن حل الأزمة في ليبيا مرهون بوقف التدخلات الأجنبية التي لا تزال موجودة، أما الرهان الثاني فيتمثلُ في الوصول إلى الانتخابات بالمعايير المقترحة التي تقتضي أمرين إثنين هُما الإعلان الدستوري وقانون الانتخابات الذي يجبُ أن يمرا عبر مجلس النواب.

ويضيف برقوق، في تصريح صحفي للإذاعة الحكومية، أن الرهان الثالث هو رهان أمني، تتحكم فيه ستة فواعل أبرزها الميليشيات والجيش المفكك والجماعات الإرهابية والمرتزقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard